الأسدية: ولادة المجرم السفاح
وعي عدونا في فلسطين المحتلة بوجوده بوصفه وعي الخائف على بقائه، الذي يتناقض مع منطق الواقع والتاريخ، شبيه إلى حد كبير بوعي الأسدية التي هي الأخرى متناقضة مع منطق الواقع والتاريخ.

أحمد برقاوي – العربي القديم
يظهر عجز اللغة في بعض المفاهيم غير القادرة على التقاط الصفة المجردة الماهوية الأساسية في وقائع متشابهة كمفهوم المجرم مثلاً. فالسارق مجرم، والمغتصب مجرم، والقاتل مجرم والخائن لوطنه لصالح عدو الوطن مجرم، والسفاح الذي قتل المئات مجرم .فمرتكبو إبادة مئات المدنيين وبوسائل وطرق لم تخطر على بال اللغة
مجرمون
ولهذا حاولت اللغة أن تحدد مفهوم المجرم بصفات دالة أخرى للتمييز بين مجرم وآخر. كمجرم ضد الإنسانية، مجرم إبادة جماعية مجرم حرب، كما هو الحال الصفات التي ذكرتها في المقدمة. ولم أجد صفة دالة على مرتكب جريمة التضامن وما شابهها إلا صفة السفاحية. والسفاح في اللغة هي الذي يكثر من سفك الدماء دون مبرر.
في اصطياد مجرم التضامن السفاح قررت الأخت او الأم الدفاع عنه بقولها: هو كان ينفذ أوامر بشار وبالتالي فبشار يتحمل المسؤولية.
لكن السؤال القمين بالجواب هو التالي: كيف نشأت ظاهرة المجرمين السفاحين في البنية الأسدية؟
أجل إنّ البنية الأسدية بكل عناصرها من الرئيس إلى المرؤوس المنتمي عضوياً لهذه البنية هي التي أسست لظهور المجرمين السفاحين بوصفهم عنصراً أساسياً من عناصر البنية الأسدية للحفاظ على وجودها واستمراره إلى (الأبد).
ما هو الوعي المعاق الذي أنتج الجريمة السفاحية والسفاحين؟
في الواقع الموضوعي السوري هناك أكثرية عربية وكردية وشركسية وتركمانية سنية.
وهناك أقليات طائفية، وشاءت شروط ومصادفات كثيرة ان تنتمي السلطة الحاكمة الحقيقية إلى الطائفة العلوية، إلى جانب أفراد من الأكثرية والطوائف الأخرى ولا قيمة لهم في عناصر البنية الأسدية الصلبة المتكونة من المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية، وهما المؤسستان اللتان كانتا مسؤوليتان مسؤولية مباشرة عن استمرار البنية الأسدية التي استنت حالة الطوارئ للتحرر من القوانين .
لكن هذه البنية بوصفها بنية أقلية فإنها كانت تعاني من الخوف من الأكثرية. فقررت أن تخيف الأكثرية بكل أساليب القمع المختلفة ومنها الجريمة السفاحية.
وهكذا تحول المجتمع السوري إلى حال: بنية سلطة خائفة وتمتلك القوة المسلحة القادرة على القمع بكل أدوات ارتكاب الجريمة بأعلى درجاتها، من جهة ،ومجتمع خائف من أساليب القمع التي لم يشهد مثلها في تاريخه.
كانت الجريمة السفاحية قبل الثروة مرتبطة بدرجة الخوف الذي لم يصل حد الإحساس بخطر الزوال، كجريمة حماة وحلب وتدمر. ومع الأيام نشأ والوعي الزائف لدى المنتمين إلى البنية الأسدية الذي مفاده: إما البقاء في السلطة أو الفناء.
التعبير عن الخوف بالجرائم السفاحية!
مع انطلاق ثورة الأكثرية السورية ٢٠١١ تحرر المجتمع من الخوف وتنامى خوف السلطة إلى أعلى درجاته وهو الخوف من الفناء.
لقد عبر المجتمع الذي تحرر من الخوف عن نفسه بالمظاهرة، بانشقاقات عسكرية وتأسس الجيش الحر، بالتنظيمات السياسية، بمليشيات سنية مسلحة، وعبرت البنية الخائفة عن نفسها بالجرائم السفاحية، باستخدام المليشيات الطائفية من كل الطوائف الشيعية المحلية والعربية والإيرانية والأفغانية والدعم العسكري الروسي والإيراني.
إذاً الجريمة السفاحية الأسدية سفك دماء المجتمع السوري الأكثري دون تمييز ودون مبرر.
فالسجن فقد معناه بوصفه مكان لقضاء عقوبة يقضي فيها مجرم خرق القانون، بل أصبح مكاناً لممارسة الجريمة السفاحية، والطائرة الحربية العاجزة عن التصدي للعدو تحولت إلى حاملة براميل متفجرة تُلقى على السكان الآمنين من الأكثرية وارتكاب الجريمة السفاحية، والمساكن التي يشعر فيها الإنسان بالأمان سويت هي وساكنيها بالتراب لممارسة أعلى درجات الجريمة السفاحية.
لهذ فالمجرم السفاح لم يكن ينفذ أمراً، فهذا الأمر لا يحتاجه أصلاً لأنه منتم لبنية إجرام سفاحي. فعدد الجرائم السفاحية التي ارتُكتب بسوريا لا مثيل لها أبداً، إلا جرائم الكيان العنصري الأخيرة في غزة.
وبالمناسبة إن وعي عدونا في فلسطين المحتلة بوجوده بوصفه وعي الخائف على بقائه، الذي يتناقض مع منطق الواقع والتاريخ، شبيه إلى حد كبير بوعي الأسدية التي هي الأخرى متناقضة مع منطق الواقع والتاريخ.
ولهذا فإن من قضوا في غزة بلغ خمسة بالمئة من عدد السكان، مع تهديم كل غزة بمدنها وقراها. فسياستها هي الأخرى سياسة الجريمة السفاحية.
والحمقى وحدهم يتوهمون بأنهم قادرون على تكسير رأس التاريخ، متناسين بأن التاريخ لا يطيق المزاح معه مهما طال الزمن