أخطاؤنا -3 | فشل في إدارة الصراعات
لم تكن تلك الدوامة لتستمر لو لم نكن نحن في صراعاتنا الداخلية أيضاً جبهات

مصعب الجندي – العربي القديم
غلبة تاريخية ما تزال حاضرة: (في قلب الليل الأوربي بدأ الفكر الملوح بشمس المتوسط، مرآة الحضارة المزدوجة ينتظر إشراقه) ألبير كامو_ الإنسان المتمرد.
لم تكن شاعرية الشاعر المعتمد بن عباد الذي حكم إشبيليا (اسبانيا_ الأندلس) ومات في أغمات المغرب، هي الأصل في اهتمام المؤرخين والباحثين بأدبه وشعره، وإنما الاهتمام في ظروف نهايته التاريخية كحاكم وإسقاطاتها على الحاضر، على ما تحتوي تلك الإسقاطات من أخطاء، تكاد تحمل بعض القراء على العيش فيها بلا فكاك … (النهاية /الفاجعة) للملك الشاعر كانت نهاية مرحلة في التاريخ العربي وبداية مرحلة في تاريخ العلاقة بين ضفتي المتوسط، خلطت أوراق الصراعات الإنسانية بأكملها (مسلمون ومسيحيون وإسلاميون ومسلمون وما بينهما من يهود) كما افتتحت في السنة التالية 1096 لوفاته أول حملة صليبية، حيث تزاحمت الدويلات الصليبية والدويلات الإسلامية في شرق المتوسط وغربه طوال قرنين…. اليوم ومع تواصل هذا النبش للصراعات هل نشهد فتح الملف الماضوي للمتوسطية مرافقاً لفتح ملف مستقبلها وكيف سيبدو المستقبل مقارنة مع الماضي.
الروابط بين مرحلة المعتمد بن عباد ومرحلتنا الحاضرة متينة جداً لأنها حلقات متسلسلة من تاريخ الإنسانية. ولكن ما يجري الآن جديد جدّة تامة حتى لتكاد هذه الجدّة أن تعلن أنهما حدثان منفصلان عن بعضهما … وكما قال ماركس بأن التاريخ لا يتكرر… فإن ما يجري الآن هو من المفاصل الهامة في التأريخ الحديث وهو مبتوت الصلة بحادثة المعتمد بن عباد رغم تشابه المظاهر.
لا راحة بالتبسيط في العصر الحديث، وجعل الأمر وكأنه درس في كتاب مدرسي يشرح مواجهة بين قوتين وبنيتين ثقافيتين، لأن تسارع التطور العلمي جعل طبيعة البنى متشابهة، تكاد تكون بالحدود القصوى في مجال تبادل المعلومات التي تفرض حكماً ضرورة في إدارة هذه الصراعات، وما يغذّيها من ثقافة وسياسة.
ما يبدو على السطح صراعاً عقائدياً (ديني وإثني) هو في العمق صراع بين مسارات إنسانية اختلفت في طبيعتها وبنيتها خلال مراحل التطور المتسارع بين ماضويين ومن آلت نفوسهم إلا أن ينتموا للمستقبل. حتى أولئك الماضويين في طريقة التفكير والمنهج ومنطق إدارة ما يرونه صراعاً بين بنيتين إنسانيتين ليست عندهم الأديان والعقائد إلا أغطية، والصدامات لم تعد تأخذ شكلاً أفقياً فقط (جبهتين) وإنما في الأس، أي نسق واحد يتنازع الأدوار (المسارات) والمكانة، وبالمعنى العامي البسيط (اقتسام مغانم) أي البحث عن المكان والمكانة في المسار الواحد.
وهنا… لا أقصد أن البنى الثقافية السابقة للعصر الحديث غابت نهائياً وإنما هي موجودة بصيغة المنتهية الصلاحية، خصوصاً إذا ارتبطت بالعقلية الإدارية نفسها.
رغم وجود شمال وجنوب، شرق وغرب، مُستَعمِر ومُستَعمر، واستمرار فكرة الغلبة التاريخية التي يعيشها المغلوبون كدوامة يعجزون الخروج منها، بسبب تمسكهم بعقلية إدارة المواجهة التي لا تخلو من عنترية وكأن (باريس مربط خيلنا)، فأنهكت الخيول والمرابط لجوءً.
لم تكن تلك الدوامة لتستمر لو لم نكن نحن في صراعاتنا الداخلية أيضاً جبهات، والمؤلم هنا أنها المواجهات الوحيدة التي تتنوع أفقياً وعمودياً وتُفرض نتائجها كغالب ومغلوب وليس (دولة/ وطن/ إنسان_ المسار الواحد)، سوريا لم تعد تحتمل استمرار ذاك النهج وتلك العقلية لا في إدارة السلطة ولا في شعارات وأداء من يناصبوها العداء.