كيلا نراها مرة ثانية: المُتحف السُّوري لوسائل التَّعذيب
إننا نقول للعالم إن وسائل التعذيب الأسدي لم تعد طليقة في بلادنا، ها نحن قد حبسناها في المتحف

د. موسى رحوم عبَّاس – العربي القديم
TOWER OF LONDON قصر صاحبة الجلالة وقلعتها، ويسمى اختصارا ببرج لندن، ويقع على الضفة الشمالية لنهر التَّايمز في قلب العاصمة البريطانية، هذه القلعة بنيت في العام 1066 ، وبعد سنوات استعملت سجنا إضافة لاستخداماتها المتعدِّدة.
خذوه إلى البُرج، أدخلوه من بوَّابة الخونة!
في ذلك الوقت انتشرت عبارة” أُرسِلَ إلى البُرج” كناية عن النهاية المحتومة للشخص الذي سيُعذَّب حتى الموت، هذه المقدمة أسوقها في إطار تذكري للعام 2000، وفي الأسبوع الأول من حزيران تحديدا، أتذكر التاريخ واليوم تماما، فقد وصلت إلى لوس أنجلوس قادما من لندن بعد ذلك بيومين، وفي مساء العاشر من حزيران كنَّا نحتفل مع بعض الصَّحب بنفوق الطَّاغية الأب، لذلك ارتبطت الزيارة بهذا التاريخ مما جعل ذاكرتي غير الوفية تحتفظ به على غير عادتها! عندما زرت ذلك المكان اللندني لم أكن أعرف لندن جيدا، لكن الذي لا أنساه هو هذه العبارة التي رددها الدليل السياحي لنا مرات كثيرة” أُرسِل إلى البُرج” عندها ضحكتُ، وأخبرته أن لهذه العبارة معادل لغوي سوري، فسألني ما هو، قلت: “أُرسِل إلى تَدْمُر” ففي ذلك الوقت لم نكن نسمع بصيدنايا، وكان لسجن تدمر الصحراوي سمعة مرعبة، وأضاف سوري آخر” أخذوه وراء الشمس” هاتان العبارتان عبر بهما السوريون عن وجعهم، عن آلة التعذيب الأسدية، التي ابتدعها الطاغية الأب، ومستشاره النازي من أصول نمساوية، ألويس برونر ( ALOIS BRUNER ، 1912- 2002 ) الذي وصل إلى دمشق عام 1954 باحثا عن ملاذ آمن، بعد بروز اسمه ودوره في أفران الغاز والهولوكست؛ فارتبط بالمخابرات السورية منذ زمن عبد الحميد السراج، ثم نقل كفالته لاحقا إلى حافظ أسد، وكان يقيم الدورات لضباط المخابرات والجواسيس؛ لذلك يشير العديد من الدارسين والمهتمين بالتوثيق لأساليب المخابرات السورية وطرق التعذيب الممنهج لديها إلى التشابه بينها وبين أساليب الاستخبارات الألمانية الشرقية.
متحف وسائل التعذيب، حماية الذاكرة
في برج لندن كانت دهشتي عظيمة، فقد رأيت أقدم سجن ملكي في إنكلترا، المعروضات هي وسائل تعذيب أصلية، أي إنَّها استخدمت فعليا في التعذيب، وتحمل أسماء، ربما أطلقت عليها مع الاستعمال داخل المعتقلات الرَّهيبة، من مثل، رَفّ التعذيب، بنت الزبَّال( جهاز لضغط الجسم وتحطيمه) القفص الحديدي( لتعليق السُّجناء).
في بريطانيا ثمة أماكن كثيرة لا يسمونها متاحف، لكنها تقوم بهذا الدور، منها قلعة يورك وسجن النساء فيها، وزنزانات لندن ( LONDON DUNGE0N ) …الخ كما فعلت دول أخرى مثل ذلك، كهنغاريا / المجر، هنالك متحف الهولوكست في بودابست، الحي اليهودي، ربما تجد فيه بعض وسائل التعذيب النازي لليهود، وقد قرأتُ فيه قوائم بأسماء الضحايا كتبت في لوحات جدارية كبيرة، يمكن رؤيتها من الشارع. من الصُّور التي لاتغيب عن ذاكرتي في برج لندن تلك الآلة الحديدية المؤلفة من سكاكين عملاقة يمكنها أن تشقَّ الضَّحية إلى نصفين بضغطة واحدة، وقد عرضت بطريقة درامية تزيدها المؤثرات الضوئية والصوتية رعبا، أنوار حمراء متقطعة مع موسيقا رعب!
لماذا سوريا؟ سنوات حالكة السواد
أعتقد إنَّ النظام السُّوري الأب والوريث، أقام دولة بوليسية لم يشهد العالم مثيلا لها، ولا حتى نظام بول بوت ( 1925- 1998) في كمبوديا، فنحن وبعد حوالي السنتين من هروب الطاغية الصَّغيرلم نحصل على خارطة شاملة، وصحيحة للسجون السورية، والكثيرون يعتقدون بأنه ثمة أماكن اعتقال، وسجون، ومقابر مازالت مجهولة. عرفنا مكابس صيدنايا، وآلات التعذيب بأسمائها المتداولة على ألسنة الجلادين، من مثل، الأخضر الإبراهيمي، الكيبل الرباعي، بساط الرِّيح، الكرسي الألماني، … الخ والكثير الكثير، إنَّها شبكة متكاملة من وسائل التعذيب لها أسماؤها، وطرق تطبيقها على الضَّحايا، وشبكة الكاميرات التي توثِّق كل شيء، وتنقل ما يحصل في الأقبية إلى مكاتب الضباط الكبار، وصولا للمكتب السري الخاص بالديكتاتور الهارب، اعترف بذلك المعتقلون من المجرمين في سوريا وألمانيا وهولندا والنمسا…، وهذا صار موثقا ومعروفا؛ لتنتهي أسطورة جهله بما يحصل! وتسقط كلُّ محاولات تبييض صفحته السَّوداء.
تاريخ قذر ومسيرة مُخزية
هذا التاريخ القذر للطاغية وعصابته يجب ألا يبقى حبيس ذاكرة النَّاجين والنَّاجيات ومن انشقوا عن النظام، وكانوا شهودا على جرائمه، بقاء هذه الذاكرة المكبوتة سيبقى جرحا غائرا في نفوسهم، ينغص عليهم سكينتهم، ولا يسمح بعودة الطمأنينة والأمان لهم ولعائلاتهم، إنهم عندما يشرحون ما حصل لهم يتقدمون خطوة نحو الشفاء النفسي، وعودة التوازن لأرواحهم، وكأنه إعادة تأهيل لهؤلاء الضحايا وفقا لعلم النفس العلاجي ( الإكلينيكي) ولكل من يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة POST-TRAUMATIC STRESS DISORDER ( PTSD )
كيف نؤسس متحفا لوسائل التعذيب؟
لستُ متخصصا في هندسة عمارة المتاحف أو إدارتها، ما أقدمه في هذه المقالة هو إضاءات غير متخصصة، تحكمها مشاهداتي في عدد من دول العالم، أقترح أن يضمَّ هذا المتحف، ما يلي:
- وسائل التَّعذيب : يجب أن تكون أصلية، أي استعملت فعليا في التَّعذيب، وهي منتشرة في السُّجون المعروفة والكبيرة ( صيدنايا، فلسطين، عذرا، البالونة ، الفروع الأمنية ، وما أكثرها! …الخ ) على أن يوثق ذلك علميا على يد المختصين.
- التَّصنيف والعَرض: أي تصنف هذه الوسائل حسب طريقة استعمالها، مصدرها( محلي، خارجي، يُحدَّد) وتزود ببطاقات تحدد أسماءها العلمية، والأسماء التي يتداولها الجلاوزة فيما بينهم.
- المواد السَّمعية والبصريَّة: وتشمل كلَّ التسجيلات الموثوقة للتعذيب، مقابلات الناجين والناجيات ، لقاءات مع الضباط والأمنيين المنشقين عن النظام كونهم شهودا على جريمة العصر، حوارات مع الأطباء والممرضين من جمهور الثورة، وممن كانوا يعملون في المؤسسات الصحية، ولم تتلوث أيديهم بدماء السوريين، شهادات المحامين الذين حضروا محاكمات المجرمين في المحاكم الألمانية مثلا، تبث هذه المواد في قاعات خاصة وفقا لجداول وتوقيتات خاصة.
- اللقاءات المباشرة مع الناجين والناجيات في قاعات الاجتماعات، وضمن إعداد جيد للقادمين من خارج العاصمة وتأمين متطلباتهم، ويمكن للطلبة في مختلف المراحل المشاركة بهذه اللقاءات ومحاورة المتحدثين.
- مشاهد تمثيلية مباشرة : ويمكن أن يقوم طلاب معهد التمثيل، أو المعهد العالي بأدائها على مسرح المركز، ويمكن للناجين أو الناجيات المشاركة فيها إذا رغبوا.
- مشاريع التخرج : وهذه لطلاب الإخراج والسيناريو والتمثيل.
- الأعمال الدرامية والسينمائية: يمكن للمركز تقديم الدعم اللوجستي من أدوات وغيرها للراغبين في إنتاج أعمال جادة وأصيلة لها علاقة، وتوثق لذاكرة الأجيال تلك السنوات الملتهبة من تاريخ سوريا الحديث.
على خارطة السِّياحة السورية
يدرج هذا المتحف على خارطة السياحة السورية، وفي العاصمة بخاصة؛ ليستقبل المجموعات السياحية الداخلية والخارجية، وكذلك كبار الزوار لبلادنا، هذا تاريخ يجب ألا نخجل من إظهاره للعلن؛ ليعرف العالم كله عظمة شعبنا وثورتنا، ويثق في عزيمتنا بألا نسمح بتكراره.
ولماذا كل هذا؟
إنني أعتقد بأن وجود متحف لوسائل التعذيب في سوريا، هو بمثابة إعلان القطيعة مع الدولة البوليسية، القطيعة مع كل انتهاك لحقوق الإنسان، إننا نقول للعالم إن وسائل التعذيب الأسدي لم تعد طليقة في بلادنا، ها نحن أولئك قد حبسناها في المتحف؛ ليراها أبناؤنا وبناتنا، ويعقدوا العزم على ألا تخرج منه مرة ثانية.
السُّويد: 04/ 2026