خان الحماصنة: هل يتحول إلى متلقى لأحباب الشام؟
كان الخان بمثابة “حاضنة” لهذه المهن التراثية التي هددتها سنوات الحرب بالاندثار

صبري عيسى – العربي القديم
فوجئت خلال زيارتنا -أنا والصديق الصحفي والناقد محمد منصور- إلى خان سليمان باشا، في منطقة الشاغور بدمشق القديمة، بالمستوى الحضاري لتحول الخان الأثري إلى فندق ومركز لإحياء التراث الاجتماعي والثقافي في المدينة القديمة وسط سوق مدحت باشا.
يقع خان سليمان باشا في منطقة شاغور جواني، وتسمية الخان تعود إلى اسم مالكه سليمان باشا العظم ، وهو أول والي عثماني لمدينة دمشق من آل العظم. ، وتم بناء الخان في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وانتهى البناء عام 1736 وكان يعرف بخان الحماصنة نسبة لتجار مدينة حمص الذين كانوا يستخدمونه لعرض منتجاتهم عند قدومهم لمدينة دمشق . وهو من اقدم خانات دمشق وخضع لترميم شامل حافظ على هويته وتحول الى معلم تاريخي وسياحي يعكس أهمية موقعه وشاهد على تاريخ البناء العمراني العثماني الذي اعتز به أهل الشام.

شكل الخان بسبب موقعه على الشارع المستقيم الذي بناه الرومان ومشى عليه بولس الرسول، وهو الشارع المعروف اليوم باسم مدحت باشا حيث كان موقعا واستراحة لكل القوافل العابرة من كل الاتجاهات، وقد خضع الخان لعملية ترميم شاملة ودقيقة حافظت على الهوية المعمارية للخانات التي تم بناؤها خلال العصر العثماني في دمشق وبعض المحافظات .
ولدت وعاشت في الشام
الهدف من ترميم الخان كما اعلن مستثمريه هو تحويله الى موقع ومركز ثقافي يلتقي فيه عشاق دمشق ومحبيها ، ويعيد الحياة الاجتماعية والثقافية الى حارات دمشق القديمة ويهدف الى الحفاظ على الهوية المعمارية كما كانت خلال قرون سابقة ودمجها في نسيج المدينة الحديثة التي تعيش فيها اجيال
على أحد المواقع قرأت لقاءً مع المشرفين على مشروع ترميم الخان يتحدثون فيه عن الجهود التي بذلت في ترميم الخان، وعن المنهجية العلمية التي تم اتبعوها في الترميم، وعن نسبة الحفاظ على الهيكل الأصلي لهذا البناء الضخم، حيث أوضحت الإدارة أن الفلسفة الأساسية قامت على “الحفاظ بدلاً من الاستبدال”. أثبتت الدراسات الإنشائية أن 80% من الحجر الجيري وبناء “الأبلاق” (التناوب بين الحجر الأسود والأبيض) لا يزال سليماً. اقتصر التدخل على التنظيف العميق، وإزالة الأملاح الضارة، وتدعيم الفواصل. ولم يتم اللجوء إلى استبدال الأحجار إلا في حالات التلف التام، حيث استُخدمت أحجار مقطوعة يدوياً من طبقات جيولوجية تماثل الأصلية تماماً، احتراماً لسجل المبنى المادي وآثار الزمن عليه.
يقول الدكتور عبد القادر ريحاوي عن الخان:
يقع خان سليمان باشا في سوق مدحت باشا على طرفه الجنوبي قرب محلّة الدقّاقين وأطلق عليه قديماً اسم خان الحماصنة حسب القساطلي إذ كان تجّار حمص ينزلون فيه. بني الخان خلال الولاية الأولى لسليمان باشا ويتألّف من ممرّ مسقوف يلي الباب وصحن مسقوف بقبّتين كبيرتين وفيه جناح خاصّ مع باحة سماويّة للمنافع ودورة المياه يتّصل بالصحن بواسطة ممرّ مسقوف ضيّق. للخان طابق علوي يصعد إليه بواسطة درجين في جانبيّ دهليز المدخل أمّا عن واجهاته وعقوده فهي مبنيّة بالحجر الأبلق يتناوب في مداميكها اللونان الأبيض والأسود.
حاضنة للمهن التي هددتها سنوات الحرب
اليوم تحول خان سليمان باشا إلى مركز ثقافي وفندق فاخر تحت إدارة “مجموعة وحود”. ويهدف المشروع الى اعادة تفعيل الوظيفة الأصلية للخانات التاريخية ، والحفاظ عليها بما يضمن صون الهوية المعمارية ودمجها في نسيج المدينة الحديثة.
ساهم المشروع في خلق أكثر من 200 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلة الترميم، معظمهم من الحرفيين الدمشقيين (نجارين، نحاتين، وحرفيي جص). كان الخان بمثابة “حاضنة” لهذه المهن التي هددتها سنوات الحرب بالاندثار، حيث نُقلت الخبرات من الشيوخ إلى العمال الشباب. كما تم تأمين 90% من المواد المستخدمة (من رخام ومنسوجات وسجاد) من مصادر محلية، مما ضخ دماءً جديدة في اقتصاد المدينة القديمة.
فضاء مفتوح للسوريين
إدارة الفندق الاستثمارية اكدت أن الخان سيبقى فضاءً مفتوحاً للسوريين والزوار المحليين. ولن يقتصر الدخول على النزلاء، بل سيظل عبر قاعاته الواسعة متعددة الأغراض، لنشاطات ثقافية واجتماعية تلبي حاجة اهل الشام وتستضيف معارض الحرفيين والفعاليات التراثية. فالخان، بطبيعته التاريخية، هو امتداد لسوق “مدحت باشا”، والهدف هو تعزيز القوة الشرائية في المنطقة لا عزلها. وتم افتتاح الخان في مطلع هذا العام… وربما سيتحول سريعا إلى ملتقى لأحباب الشام في فضاء مختلف ومترع بالجمال والألفة.