من هتاف «الإعلام السوري كاذب» إلى إعلام ما بعد التحرير: ماذا تغيّر؟
هناك تحديات تعرقل تقدم الإعلام السوري، من بينها ضعف المهنية ونقص الخبرات لدى بعض العاملين في المجال الإعلامي، فضلاً عن آفة الشائعات التي تواجه المشروع الإعلامي الوطني، واختبائه وراء مؤثري السوشيال ميديا ولا سيما عند وقوع الأحداث الكبرى والأزمات.

ياسر الظاهر- العربي القديم
شكّل هتاف «الإعلام السوري كاذب»، الذي ردده المتظاهرون السوريون في السنوات الأولى للثورة عام 2011، تعبيراً مكثفاً عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن السوري ووسائل الإعلام الرسمية، التي فقدت مصداقيتها نتيجة ارتهانها للسلطة وتبنيها روايتها للأحداث، بعيداً عن الحقيقة والموضوعية والمهنية.
ومع سقوط النظام السابق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، دخل الإعلام السوري مرحلة جديدة، يُفترض أن تؤسس لعلاقة مختلفة بين الإعلام والسلطة والمجتمع، تقوم على حرية التعبير وتعددية الآراء، ونقل الحقائق، ومراقبة أداء المؤسسات الحكومية،
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما الذي تغير فعلاً في الإعلام السوري بعد التحرير؟ وهل استطاع تجاوز إرث عقود من التضليل وتزييف الحقائق، واستعادة ثقة الجمهور السوري؟
أولاً: إرث الإعلام السابق وأزمة الثقة
نشأ الجيل السوري بعد آذار8/مارس 1963، وهو تاريخ استيلاء حزب البعث على السلطة، في ظل إعلام أحادي الصوت، هو إعلام السلطة البعثية التي سيطرت على جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، لتصبح المصدر شبه الوحيد للأخبار والمعلومات.
فقد أصدر مجلس قيادة الثورة البلاغ رقم 4، بتاريخ 28 آذار/مارس 1963، (بعد ثلاثة أسابيع على الانقلاب) القاضي بوقف إصدار عشرات الصحف والمجلات الخاصة، باستثناء صحف «الوحدة» و«البعث» و«بردى»، التي كانت تتحدث جميعها بلسان السلطة.
وبعد انقلاب حافظ الأسد في تشرين الثاني/نوفمبر 1970، اقتصر المشهد الصحفي على الصحف الرسمية التابعة للنظام، وهي «الثورة» و«تشرين» و«الفداء» و«العروبة» و«الفرات»، إلى جانب الصحف والمجلات التي كانت تصدرها الهيئات والجمعيات والنقابات التابعة للسلطة، والتي استمدت شرعية خطابها من انحيازها إلى المعسكر الاشتراكي، واستمر هذا النهج طوال عقود، حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
ومع استلام بشار الأسد السلطة، صدر قانون المطبوعات لعام 2001، الذي أتاح إصدار الصحف والمجلات الخاصة. وصدرت بالفعل بعض الصحف، من بينها «الوطن» و«الدومري»، لكن سرعان ما أُغلقت صحيفة «الدومري»، بينما استمرت «الوطن»، والتي قيل أنها كانت مملوكة سراً لرامي مخلوف ابن خال بشار الأسد الفار، بوصفها امتداداً لخطاب الصحف الرسمية، وإن اختلفت عنها في الشكل والأسلوب.
لقد شكّلت تلك الصحف والمنابر الإعلامية أدوات للدعاية السياسية للنظام، ولتبرير سياسات السلطة الحاكمة، وحجب الحقائق أو تزوير ها وتسويق سرديات عن قضايا تهم مصالح النظام الساقط داخليا أو خارجيا كان يفبركها
إعلاميون مؤيدون للنظام البائد، لكن السوريين كانوا يدركون أن الأخبار والمعلومات التي يقدمها الإعلام الرسمي لا تتمتع بالمصداقية، حتى في نشراته الجوية، وفق العبارة الساخرة المنسوبة إلى الكاتب الراحل ممدوح عدوان.
لذلك، اعتاد المواطن السوري البحث عن المعلومة الصحيحة في مصادر إعلامية أخرى، سواء أكانت وسائل إعلام سورية معارضة تصدر من خارج البلاد، أم وسائل إعلام ومواقع إخبارية عربية وغربية.
وازدادت هذه الفجوة مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين صوّر الإعلام الرسمي الثورة على أنها مؤامرة، والمتظاهرين والثوار على أنهم خونة، واتهم المعارضة التي أيدت الثورة بتنفيذ أجندات غربية، فضلاً عن إنكار عمليات القتل والتعذيب والتدمير، ومحاولة التنصل من مسؤولية النظام عنها، بل ونسب بعض المجازر والانتهاكات إلى جهات أخرى، كما حدث في مجزرة البيضا في بانياس التي قادها المجرم الذي ألقي عليه القبض منذ أيام أورال، وغيرها من الأحداث التي شهدت محاولات لتزييف الوقائع وتضليل الرأي العام.
وفي المقابل، نشأت مواقع إلكترونية وصحف ومنابر إعلامية سورية معارضة، تولت نقل أخبار الثورة وتغطية الأحداث، وكشف الانتهاكات التي كان الإعلام الرسمي يتجاهلها أو ينكرها. ومن أبرزها «كلنا شركاء» «زمان الوصل» و«صدى الشام»، دون أن ننسى «أورينت» بموقعها الإلكتروني الأكثر حضوراً ومتابعة بين عامي 2012 و2022 ثم «تلفزيون سوريا» لاحقاً و«العربي الجديد» الممولين قطرياً، «العربي القديم» بهويته السورية المستقلة ذات الأفق النقدي المتسع، وغيرها من المنصات الإعلامية التي ساهمت في كسر احتكار النظام للمعلومة، وإيصال الرواية الأخرى إلى السوريين والعالم.
ثانياً: ما الذي تغيّر في الإعلام السوري بعد التحرير؟
شهد الإعلام السوري بعد التحرير، في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، تغيرات عديدة، تمثلت في إلغاء عدد من القوانين والإجراءات القديمة المقيدة للحريات، والانتقال من إعلام تابع للسلطة الحاكمة، ومكرّس لخدمة خطابها السياسي، إلى تصور جديد لإعلام الدولة، يُفترض أن يعكس انفتاحها، وتعدديتها، ويعبّر عن المجتمع بمختلف مكوناته واتجاهاته.
ومن أبرز مظاهر هذا التغيير إتاحة المجال أمام إصدار تراخيص لمواقع وصحف ورقية وإلكترونية ومحطات فضائية جديدة، فضلاً عن الانفتاح الإعلامي على وسائل الإعلام العربية والغربية، بما أتاح مساحة أوسع لتبادل المعلومات والخبرات.
كما شهدت البرامج والمضامين الإعلامية تحولاً تدريجياً، من نموذج الدعاية المطلقة للسلطة إلى الاهتمام بالشأن العام ومناقشة القضايا التي تهم المواطنين بشكل آني وشفاف، مع إشراك الصحفيين والإعلاميين في صياغة الرؤى والتوجهات الإعلامية.
وبرز كذلك جيل جديد من المراسلين وصنّاع المحتوى، إلى جانب انتشار البودكاست والمنصات المستقلة التي تنقل الواقع الميداني وتناقش مختلف القضايا في سوريا الجديدة.
ومن مظاهر هذا التحول أيضاً عودة بعض الخبرات الإعلامية السورية من دول اللجوء، للمساهمة بخبراتها وتجاربها في بناء المشهد الإعلامي الجديد، الذي مازال يعاني حالة عسر هضم في استيعاب هذه الخبرات أحياناً.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تعرقل تقدم الإعلام السوري نحو الأفضل، من بينها ضعف المهنية ونقص الخبرات لدى بعض العاملين في المجال الإعلامي، فضلاً عن آفة الشائعات التي تواجه المشروع الإعلامي الوطني، واختبائه وراء مؤثري السوشيال ميديا ولا سيما عند وقوع الأحداث الكبرى والأزمات.
وهذا ما يستدعي دعم الصحافة الاستقصائية والمستقلة، وتعزيز المعايير المهنية في العمل الإعلامي، بما يحد من انتشار الشائعات، ويساعد على بناء إعلام وطني قادر على مواكبة التحولات التي تشهدها البلاد.
ثالثاً: من ترويج رواية السلطة إلى مراقبة أداء الحكومة
من خلال تجربتي الكتابية في الصحف الورقية والإلكترونية، ولا سيما فيما يتعلق بحرية النشر فيها، أستطيع القول إن ثمة تحولاً إيجابياً ملموساً قد تحقق في هذا المجال.
فمعظم ما نشرته من مقالات وآراء كان يتضمن في معظمه نقداً لإجراءات وخطوات اتخذتها الحكومة عبر مؤسساتها المختلفة، ومع ذلك لم تُرفض لي مقالة، ولم يُحذف منها رأي أو موقف. والأمر نفسه ينطبق على ما نشره زملاء آخرون من مقالات سياسية وغيرها، اتسم كثير منها بالنقد، رغم اختلاف مشارب أصحابها وتوجهاتهم.
ويمكن اعتبار ذلك من أهم التحولات الإيجابية التي شهدها الإعلام السوري بعد التحرير، إذ باتت حرية النشر والتعبير تتيح مساحة أوسع لمناقشة أداء الحكومة ومؤسساتها، وإبداء الملاحظات والانتقادات حيال قراراتها وإجراءاتها.
والمتابع للإعلام السوري بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 يلاحظ أن دوره بدأ يتحول من الدفاع عن سردية السلطة، كما كان الحال في عهد النظام السابق، إلى توضيح القرارات الحكومية، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وإتاحة المجال أمام المواطنين والمهتمين بالشأن الوطني للتعبير عن آرائهم بكل شفافية.
وفي حالات عديدة، اضطرت الحكومة إلى التراجع عن بعض قراراتها أو تصحيحها، بعد نشر معلومات كشفت عن أخطاء في اتخاذها، سواء أكانت تلك الأخطاء صادرة عن مسؤول بعينه أم عن مؤسسة حكومية.
ولم يقتصر دور الإعلام على مناقشة القرارات الحكومية ونقدها، بل امتد إلى الكشف عن مواضع الخلل والفساد في بعض مفاصل الدولة، الأمر الذي دفع الحكومة في حالات عدة إلى اتخاذ خطوات لمعالجتها.
ومن الأمثلة على ذلك ما جرى في الشركة السورية للبترول قبل فترة قصيرة، حين كشفت وسائل إعلام خاصة عن وجود فساد مالي وإداري في الشركة، مما أدى إلى إقالة مديرها العام والحجز على أموال نائبيه، وفق ما تداولته التقارير الإعلامية.
وهناك أمثلة أخرى عديدة تدل على أن الإعلام بدأ يمارس دوراً رقابياً فاعلاً، يسهم في رصد الأخطاء ومكافحة الفساد، ويساعد الحكومة على اكتشاف مواطن الخلل في مؤسساتها ومعالجتها.
وهذا تحديداً هو أحد الفوارق الجوهرية بين إعلام السلطة وإعلام الدولة: فالأول يحمي المسؤول من المساءلة، بينما يفترض بالثاني أن يضع أداء المسؤولين والمؤسسات تحت رقابة الرأي العام.
رابعاً: الإعلام والمواطن وحق الوصول إلى الحقيقة
إن أحد أهم التحولات التي ينبغي أن يكرّسها الإعلام السوري بعد التحرير هو إعادة الاعتبار إلى المواطن بوصفه محور العملية الإعلامية، لا مجرد متلقٍّ للمعلومات التي تقرر السلطة تقديمها له،
فالإعلام ليس أداة لنقل وجهة نظر الحكومة فحسب أو الدفاع عن قراراتها، ولا وسيلة لتسويقها، وإنما هو فضاء عام يتيح للمواطن معرفة ما يجري في بلده، والاطلاع على الحقائق، ومناقشة القضايا التي تمس حياته ومصالحه.
ومن هنا تبرز أهمية حق الوصول إلى المعلومات، وضرورة أن تتعامل المؤسسات الحكومية مع الإعلام بشفافية، وأن تتيح للصحفيين الحصول على المعلومات والبيانات التي تساعدهم على أداء عملهم.
كما أن من حق المواطن أن يسمع مختلف وجهات النظر، وأن يطّلع على الآراء المتباينة، وأن يكون قادراً على التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة الموثوقة والشائعة.
ولا يمكن بناء إعلام وطني فاعل من دون علاقة متوازنة بين الصحفي والمواطن من جهة، والمؤسسات الحكومية من جهة أخرى؛ علاقة تقوم على حق السؤال والمساءلة، وحرية النقد، واحترام الحقيقة، بعيداً عن التخوين أو التضليل أو محاولة احتكار الرواية.
خامساً: كيف يستعيد الإعلام ثقته بجمهوره؟
لا يختلف اثنان على أن أهم شروط استعادة الإعلام السوري الجديد ثقة الجمهور تتمثل في الشفافية والحرية، باعتبارهما عنصرين أساسيين في نقل الحقيقة إلى السوريين من دون كذب أو تزوير أو انتقائية.
ويقتضي ذلك الابتعاد عن محاباة السلطة، أو تلميع صورتها، أو التغاضي عن أخطائها وفساد بعض مسؤوليها، وعدم التعامل مع الإعلام بوصفه أداة للدفاع عن الحكومة وتبرير قراراتها، مهما كانت طبيعة هذه القرارات.
وفي المقابل، ينبغي أن يكون الإعلام عين المواطن على أداء الحكومة ومؤسسات الدولة، وأداة لكشف مواطن الخلل والقصور، وعوناً لها في الوقت نفسه على أداء مهامها بصورة صحيحة.
فالإعلام المهني لا يتخذ موقفاً عدائياً من الحكومة لمجرد النقد، كما لا يتبنى موقفاً تبريرياً لمجرد تأييدها، بل يسلط الضوء على إنجازاتها وقراراتها الإيجابية بالقدر نفسه الذي يكشف فيه سلبياتها وأخطاءها.
إن استعادة الثقة لا تتحقق بقرار حكومي، ولا بمجرد تغيير أسماء المؤسسات الإعلامية أو العاملين فيها، وإنما هي عملية تراكمية تتطلب الالتزام بالمصداقية والاستقلالية والمهنية، واحترام عقل المواطن وحقه في معرفة الحقيقة.
بعد عقود من إعلام الصوت الواحد، الذي جعل عبارة «الإعلام السوري كاذب» هتافاً شعبياً يعبر عن فقدان الثقة، تبرز اليوم فرصة تاريخية لبناء إعلام سوري مختلف، يكون صوتاً للمجتمع، ورقيباً على أداء السلطة، ومنبراً لتعدد الآراء، ومرآة تعكس واقع البلاد بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات.
وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كان الإعلام السوري قد غادر بالفعل إرث الماضي، أم أنه ما زال أسير بعض ممارساته، وإن اختلفت الوجوه والعناوين.

