حين تتخلى الدولة عن العدالة: هل يُترك ملف الشبيحة للشعب؟
العدالة عندما تُترك للشارع، تتحول إلى انتقام. وعندما تتحول إلى انتقام، تفقد معناها وتفتح أبواب فوضى لا يمكن إغلاقها

جميل الشبيب – العربي القديم
لم يكن السؤال الذي طرحه أحد ناشطي الثورة في اعتصام “بدنا نعيش” عابرًا أو بريئًا: “من أنتم؟”
ولم تكن إجابته البديلة أقل دلالة: “اليوم مساءً سنعرف من أنتم.”
هذا المشهد، بكل بساطته، يلخّص ما يحدث في سوريا اليوم. دولةٌ تبدو وكأنها تراقب من بعيد، وشعبٌ يجد نفسه مرة أخرى في موقع الحارس، القاضي، والخصم في آنٍ معًا.
منذ لحظة التحرير وحتى اليوم، لم يكن جمهور الثورة مجرد متفرج. هو من كشف، وفضح، وأشار بالأصابع إلى عشرات—بل مئات—الأسماء التي تسللت إلى مؤسسات الدولة، من أولئك الذين كانوا جزءًا من آلة القمع. في كل حي، في كل قرية، هناك ذاكرة حيّة لا تخطئ. الناس يعرفون من اعتقل، من عذّب، من كتب التقارير، ومن كان شاهد زور.
كما يقول السوريون: “الحارة ضيقة ومنعرف بعض.”
لكن، هل يكفي أن “نعرف”؟
الحكومة، في استجابتها المتكررة، اختارت الحل الأسهل: الإقالة. يُكشف الاسم، تُثار الضجة، فيُقال الموظف أو المسؤول. ملف يُغلق إداريًا… بينما يبقى مفتوحًا أخلاقيًا وقانونيًا.
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
هل تتحول العدالة إلى إجراء إداري؟ هل يصبح أقصى ما يمكن أن يواجهه من تورّط في القمع هو فقدان وظيفة؟ هل هذا ثمن الدم؟
الرواية الرسمية تحاول أن تبدو واقعية: مئات الآلاف كانوا جزءًا من المنظومة—جنود، عناصر أمن، موظفون. لا يمكن سجن الجميع. لا يمكن فتح كل الملفات دفعة واحدة.
هذا الكلام، في ظاهره، عقلاني. لكن في جوهره، يحمل انزلاقًا خطيرًا: تمييع المسؤولية. لأن المشكلة ليست في العدد. المشكلة في غياب المعايير.
ليس كل من خدم في مؤسسات النظام مجرمًا، هذه حقيقة. لكن أيضًا، ليس كل من تورّط يمكن أن يُعامل كأنه “مجرد موظف سابق”.
بين هاتين الحقيقتين، كان يفترض أن تتدخل الدولة… لا أن تنسحب.
تفويض غير معلن
ما يجري اليوم هو تفويض غير معلن:
اتركوا للشعب مهمة الفرز.
اتركوا له مهمة المواجهة.
اتركوا له حتى مهمة الضغط والعقاب.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث. لأن العدالة عندما تُترك للشارع، تتحول إلى انتقام. وعندما تتحول إلى انتقام، تفقد معناها… وتفتح أبواب فوضى لا يمكن إغلاقها. الشعب السوري أثبت، مرة بعد مرة، أنه يملك ذاكرة قوية وحسًا أخلاقيًا عاليًا.
لكن هذا لا يكفي لبناء دولة.
دولة في المنطقة الرمادية
الدولة لا تُبنى بالذاكرة فقط، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالمشاعر، بل بالقانون.
إذا كانت الحكومة ترى أن الملف معقد، فهذا صحيح. لكن التعقيد ليس مبررًا للتأجيل، ولا ذريعة للتفويض. المطلوب ليس اعتقالات عشوائية، ولا تصفية حسابات، بل مسار واضح: عدالة انتقالية حقيقية، لجان تحقيق مستقلة، تصنيف دقيق للمسؤوليات، ومحاسبة لا تستثني من تلطخت أيديهم… ولا تظلم من لم يتورط. أما الاستمرار في هذه المنطقة الرمادية، فهو لا يحل المشكلة… بل يؤجل انفجارها.
في النهاية، السؤال لم يعد: “من أنتم؟”
السؤال الأهم الآن: أين الدولة من كل هذا؟