الروائيات السوريات وتوثيق الثورة: من الشهادة الفردية إلى الذاكرة الجمعية

ياسر الظاهر- العربي القديم
لم تكن الثورة السورية حدثًا سياسيًا عابرًا يمكن احتواؤه ضمن خطاب إعلامي أو توصيف تاريخي مختزل، بل شكّلت لحظة كاشفة لبنية عميقة من العنف والاستبداد، طالت الإنسان السوري في وجوده وذاكرته وعلاقته بذاته وبالآخر.
في قلب هذا التحول العنيف، وُضعت الرواية السورية أمام اختبار جمالي وأخلاقي معقّد: كيف يمكن كتابة حدث يتفجّر في الحاضر، ويتجاوز قدرة اللغة على الإحاطة به، دون أن تفقد الرواية شرطها الفني أو تتخلى عن مسؤوليتها الأخلاقية؟
منذ السنوات الأولى للثورة، لم تكن الكتابة الروائية فعلًا محايدًا، بل انخرطت في صراع الذاكرة والمعنى، لم تُكتب الرواية من مسافة تاريخية آمنة، بل من داخل التجربة الحيّة: من الشارع المشتعل بالمظاهرات، ومن السجون حيث التعذيب والموت، ومن الحصار والمنفى والنزوح. هذا القرب الوجودي من الحدث فرض تحولات جوهرية في أشكال السرد ووظائفه، فتنوّعت المقاربات بين التوثيق المباشر، والتخييل التحليلي، والمساءلة الأخلاقية العميقة.
أولاً: الرواية التوثيقية المباشرة – الكتابة بوصفها شهادة
ضمن هذا السياق، برزت روايات لأديبات سوريات بوصفها نصوصًا شاهدة، تسعى إلى التقاط الحدث في لحظته الخام. وتُعدّ رواية (تقاطع نيران) 2012 للكاتبة سمر يزبك نموذجًا بارزًا لهذا الاتجاه، إذ كُتبت من موقع الشاهد، مسجّلةً التظاهرات الأولى، وآليات القمع، ومشاهد الخوف والانقسام الاجتماعي. وهنا تتقدّم وظيفة الشهادة على البعد الجمالي، دون أن تلغيه، في محاولة لإنقاذ الذاكرة من المحو.
وفي السياق ذاته، تقدّم رواية (الذين مسّهم السحر) للكاتبة روزا ياسين الحسن توثيقًا نفسيًا واجتماعيًا يتجاوز الحدث المباشر، ليكشف عن هشاشة البنية الاجتماعية السابقة للثورة؛ إذ تُظهر الرواية كيف أسهم الخوف والرقابة في تشويه العلاقات الإنسانية، مقدّمةً صورة بانورامية لمجتمع كان مهيّأً للانفجار.
وقد أشار الناقد صبحي حديدي إلى أن مثل هذه النصوص تؤدي وظيفة أخلاقية مزدوجة: فضح العنف ومنع نسيانه، حيث تتقدّم قيمة الشهادة أحيانًا على الاعتبارات الفنية.
ثانياً: الرواية التوثيقية المتخيّلة بين الواقع وإعادة إنتاجه
مع تصاعد العنف وتعقّد الواقع، بدا التوثيق الخالص عاجزًا عن الإحاطة بكل أبعاد التجربة، فظهرت صيغة سردية تمزج بين التوثيق والتخييل.
في هذا الإطار، تبرز رواية (مدن اليمام) 2014 للكاتبة ابتسام تريسي، التي تعيد إنتاج الحدث عبر أدوات سردية تتيح تأويله وإغناءه بالبعد النفسي والرمزي.
في هذه الرواية، لا تُقدَّم الثورة كحدث خارجي فحسب، بل كتجربة إنسانية داخلية تتجلّى في مصائر الشخصيات التي تواجه القهر والاعتقال والتعذيب، وقد امتازت الرواية بالاقتصاد اللغوي والابتعاد عن الشعاراتية، بما يعزّز الإحساس بواقعية التجربة، كما تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيّل، ليغدو النص نسيجًا مركّبًا لا يُفكَّك إلا بإعادته إلى عناصره الأولية.
وتواصل تريسي في رواية (ليلاف الثلج الجاف) 2023 رصدها لأحداث الثورة، ولكن بمستوى مختلف عمّا رأيناه في مدن اليمام، حيث تتقاطع اليوميات والاعترافات مع السرد الروائي لتفكيك بنى الفصائل المسلحة، ورصد تعقيدات المشهد السياسي والعسكري، بما في ذلك التداخلات الإقليمية والدولية، ومع احتفاظ النص ببعده الواقعي، فإنه يوظّف الرمزية، كما في علاقة الحب بين تيم العربي وليلاف الكردية، وهما شخصيتان من انتماءين متضادين: الأولى تنتمي إلى فصيل من الجيش الحر، والثانية إلى حزب العمال الكردستاني (PKK) تكثيف الدلالة وتوسيع أفق القراءة.
ثالثاً: الرواية بوصفها مساءلة أخلاقية – تفكيك العنف وانهيار القيم
في منحى آخر، تذهب بعض الروايات إلى مساءلة الأثر الأخلاقي العميق للحرب، كما في رواية تانغو الغرام للروائية شادية الأتاسي، التي ترصد انهيار القيم وتفكك البنى الاجتماعية من خلال يوميات الشخصيات وتجاربها المعيشية، دون انحياز لتيار أو جهة معينة، بل عبر مقاربة إنسانية شاملة.
وفي هذا السياق، يمكننا أن نذكر أيضًا رواية ناي في التخت الغربي لريما بالي، التي تناولت أثر الهجرة على السوريين ونظرة الغرب إليهم.
رابعاً: السيرة الروائية التوثيقية – صوت الأمهات وذاكرة الفقد
ضمن هذا المشهد، تبرز رواية (لن يقاسموني التل) للكاتبة سميرة بدران بوصفها نموذجًا لما يمكن تسميته بـ«السيرة الروائية التوثيقية». يتقاطع في هذا العمل الذاتي بالجمعي، حيث تتحول تجربة الأم (سمية)التي اعتُقل ولداها سعد ومجدإلى مرآة لمعاناة آلاف الأمهات السوريات في محنتهن وعذاباتهن، في تجربة اعتقال وفقد الأبناء في السجون.
لا تكتب بدران بوصفها روائية فقط، بل بوصفها شاهدة على تجربة الاعتقال من خارج السجن، وهو ما يمنح النص فرادته مقارنةً بأدب السجون التقليدي، مثل رواية القوقعة لمصطفى خليفة. فالسرد هنا لا ينبع من تجربة المعتقل، بل من قلق الانتظار وجهل المصير، وهو شكل آخر من أشكال العذاب.
تحمل الرواية بعدًا توثيقيًا واضحًا يتجلّى في تسجيل تفاصيل الاعتقال والاختفاء القسري، ورصد أثرهما النفسي والاجتماعي على العائلة، وبذلك تؤدي وظيفة مزدوجة:
جمالية: عبر البناء السردي والتكثيف الشعوري
توثيقية/ حقوقية: عبر حفظ الذاكرة ومنع طمسها
وتتحول الأم في النص من ذات فردية إلى رمز جمعي يجسّد الألم والانتظار والخوف، مما يمنح الرواية قوة تمثيلية عالية، ويجعلها قابلة للقراءة بوصفها شهادة جماعية.
الرواية كوثيقة إدانة ورافعة للعدالة الانتقالية
تتجاوز هذه الأعمال حدود الأدب لتغدو وثائق إدانة أخلاقية وسياسية يمكن أن تُدرج ضمن أرشيف العدالة الانتقالية. ففي تجارب دولية متعددة، لعبت الشهادات الفردية دورًا حاسمًا في:
توثيق الانتهاكات
بناء السردية الوطنية
تمكين الضحايا من استعادة أصواتهم
وفي هذا السياق، تسهم الرواية السورية – ولا سيما النسوية منها- في تشكيل «ذاكرة مضادة» تقاوم السرديات الرسمية، وتحفظ تفاصيل قد يغفلها التاريخ المؤسسي.
إن الرواية السورية، منذ 2011، لم تكن مجرد انعكاس للحدث، بل أداة فاعلة في إنتاج معناه. وقد اضطلعت الروائيات السوريات (وهنا تم رصد بعض النماذج كأمثلة فقط) بدور مركزي في هذا المسار، إذ قدّمن نصوصًا تتراوح بين الشهادة المباشرة، والتخييل التحليلي، والمساءلة الأخلاقية.
بهذا المعنى، لم تعد الرواية فضاءً جماليًا فحسب، بل غدت وسيطًا معرفيًا وأخلاقيًا يشارك في إعادة بناء الوعي الجمعي، ويؤسس لذاكرة سردية ترفض النسيان، وتُبقي الجرح مفتوحًا بوصفه شرطًا للعدالة.