فنون وآداب

رواية (كأن الريح تحتي) لمحمد أمين: الزلزال الذي يجلو روح الثورة والإنسان

يبرع محمد أمين بريشة إنسان متأمل في تصاريف الدهر وتقلبات الحياة وما الذي تفعله بالبشر، في أن يصوغ لنا مجموعة من الشخصيات الروائية المشبعة بنكهة الحياة الحقيقية

محمد منصور- العربي القديم

قليلة هي الروايات التي استطاعت مقاربة الثورة السورية وتحولاتها بموضوعية وقدرة متوازنة على النفاذ إلى جوهر الحالة الاجتماعية والسياسية التي انطلقت منها هذه الثورة أو انتهت إليها… وقليلة هي الروايات التي انتقدت الثورة من دون أن تتجنى أو تسيء إليها، ومن دون أن تقودنا إلى طرح أسئلة عن مدى إيمان كاتبها بالثورة أو انتمائه إليها، ومن هذا القليل النادر تأتي رواية (كأن الريح تحتي) لكاتبها الزميل الصحفي محمد أمين، لتقدم لنا عملا أدبياً ناضجاً في التعامل مع هذا الحدث، رغم كونها الرواية الأولى له.

خلال سنوات طويلة، ظل التحدي الذي يواجه القارئ والكاتب معاً: كيف نقارب الثورة السورية من دون أن نغفل عن أخطائها وما حاق بها من كوارث ونكبات، وكيف نتحدث عن أخطائها من دون أن نقف في صف أنصار الاستبداد من الذين دعشنوا الثورة، أو عابوا عليها إسلاميتها، كي يبرروا لأنفسهم معاداتها، والقول إنها لا تمثلهم رغم أنهم يعارضون استبداد الأسد.

محمد أمين في روايته (كأن الريح تحتي) قدم لنا نموذجا استطاع التخلص من هذه المعضلة ببراعة. لم يغض الطرف على أي من أخطاء الثورة أو عيوبها. لم يجمّل شخوصها، لم يضفِ عليهم مثالية مفرطة كي يكونوا جديرين بثورة حرية وكرامة قدمت أبهظ الأثمان كالثورة السورية، لقد صورهم كبشر، ينزلقون وينحرفون ويأثمون، ويؤمنون بالثورة أو يخالجهم الشك بجدواها وانتصاراها، لكنهم أبدا لا ينفصلون عنها، ولا يستطيعون أن يخرجوها من حياتهم، أو يتحرروا من سطوتها على صناعة مصائرهم. إنهم أبناؤها البررة أو العاقين، الموغلين في الخطأ أو العائدين إلى جادة الصواب في لحظة ندم وألم، لكنهم في كل حالاتهم، أبناؤها الذين لا ينفصلون عنها، ولا يمكن أن يركونها على هامش حياتهم، سواء حبلت تلك الحياة بالآمال، أو امتلأت بالخيبات والانتكاسات.

الحدث الدرامي الكاشف

يختار محمد أمين للولوج إلى حال الثورة في زمن المرارة والخيبات والوصول إلى حافة اليأس، حدثا يبدو بعيداً كل البعد عن السياسة وتقلباتها، وعن التحالفات الدولية والإقليمية التي عصفت بها، إنه حدث الزلزال الذي ضرب الجنوب التركي والشمال السوري في السادس من شباط/ فبراير عام 2023 وأزهق أرواح عشرات الآلاف في كل من سوريا وتركيا. يبدو هذا الخيار في البداية غير مفهوم، فالحدث قدري لا يد للبشر في صنعه، ونتائجه هي مفرزات كارثة طبيعية، توقع الكثير من الضحايا وتخلق واقعاً جديداً على الأرض عادة… لكن الكاتب ينجح في أن يجعل من هذا الزلزال، حدثا درامياً كاشفاً يهز شخصياته من الداخل، مثلما يهز السوريين المشردين والمشرذمين والمتباينين في الأيديولوجيات والقناعات على حقيقة أنهم بشر متساوون أمام الموت، وأنهم أبناء وطن واحد في بلاد غريبة، لا تخفي تنامي التوجهات العنصرية في التعامل معهم.

تدور أحداث الرواية في الجنوب التركي، في مدينة أنطاكية التي كانت من أكثر المدن تضررا من الزلزال، ليقدم لنا شريحة من السوريين الذين يعيشون في ذات البناء أو الحي تقريباً، بعضهم تربطهم علاقات الجوار في بلاد الغربة، وبعضهم الآخر كبطلي الرواية (محمود وندى) يرتبطون بعلاقة سابقة نشأت خلال مشاركتهم بالثورة عندما كانوا في سورية، وتحولت إلى رباط عاطفي وثوري قوي، سرعان ما سيغدو حاملا من حوامل الرواية كلها.  

ضمن هذه البانوراما السورية المختارة، نعثر على كل النماذج التي ظهرت خلال الثورة، حاملة معها موروثات البيئات الاجتماعية المختلفة في الخارطة السورية ناهيك عن موروثات الاستبداد الطويل الذي ثارت ضده. من المثقف الشاب الذي رأى في الثورة أفقاً على مستقبل أفضل، وخصوصا من خلال عمله في الصحافة كبطل الرواية (محمود الغريب) إلى الفتاة التي جسدت العزيمة والإرادة الصلبة وذاقت صنوف العذاب المختلفة ليس لدى النظام فحسب، إنما لدى جهات أخرى انتمت ولو شكليا إلى الثورة، إلى الضابط المنشق الذي رفض أن يكون أمير حرب وانتهى بائع خضار في بلاد الغربة، إلى المقاتل الذي قبل أن يكون أمير حرب وأثرى واستفاد، إلى المتدين المعتدل، والمتدين المتنور، والمتزمت الجاهل الذي غدا داعشياً، والمشكك الذي يوشك أن يصير ملحداَ، إلى سليل النسب واللقيط الذي حررته حالته الاجتماعية من الالتزام بالقيم والقيود العائلية، فلم يعد يرى في سلوكه ما يشين أو ما يعير به حتى لو غدا قواداً… ناهيك عن بانوراما النساء الفاضلات المقهورات، أو اللواتي انحرفن تحت ضغط الحاجة وقسوة الحرب… يطوف بين الكاتب عبر هذه البانوراما المنتقاة ليقدم لنا صورة المجتمع السوري الذي تهتز قيمه وعقائده ببطء بفعل متغيرات الثورة وقسوة إجرام النظام وتفرج العالم المتحضر على عذاب السوريين وموتهم اليومي وتشردهم، ثم تهتز على نحو أعمق وأشد وأكثر حدة على وقع الزلزال… هذا الزلزال الذي يمثل اختبار التغيير الأقوى أمام الموت الوشيك: “تغيّر إسماعيل كما تغيّر غيره. دقيقة وثوان عدة من رجفان الأرض كانت كفيلة بزلزلة النفوس أيضاً. إلى هذه الدرجة يخاف الإنسان الموت. إلى هذه الدرجة يخاف ملاقاة ربه” ص (143).

مستويات الصراع وأبعاده

يعالج الكاتب صراعات الثورة السورية في هذه الرواية على مستويات عدة… فإذا كان الصراع الأساسي والأقسى هو مع وحشية نظام الأسد وقسوته، وتشبثه المدمر بالحكم على حساب أي قيمة إنسانية أو وطنية، وهذا ما لا يغفل الكاتب عنه على مدار الرواية، ولا عن بعده الطائفي الذي يعترف بوجوده ولا ينكره كما فعل كثير من المثقفين الذين ظنوا أنهم بذلك ينبذون الطائفية، فإنه لا ينسى الصراعات الأخرى… سواء مع التنظيمات المتشددة وأبرزها تنظيم داعش، أو الصراعات الفصائلية التي صنعت أمراء حرب، أو حتى الصراعات الذاتية في نفوس أبناء الثورة، بين ما دفعوه من ثمن باهظ حطم حيوات الكثير منهم، وما كانوا يأملون الوصول إليه.

لكن الصراع الأهم الذي ينجح الكاتب أن يعالجه برؤى وطنية لا شائبة فيها، وفي الوقت نفسه: واقعية وبعيدة عن تصنع المثالية، هي المشكلة الطائفية داخل السلطة، أو في بيئتها الحاضنة. لا ينكر الكاتب استغلال السلطة للعلويين، وإقناعهم أن بقاءهم وحمايتهم مرتبط ببقائه. ولا ينكر أن هناك من اقتنع بذلك وتصرف بوحشية وغل استنادا إلى هذه القناعة الزائفة، لكن الكاتب في الوقت نفسه، يظهر أن هناك علويين آخرين اكتشفوا هذه الحقيقة، وأدركوا أن حياتهم وحاضرهم ومستقبلهم ليس أكثر من ورقة يلعب بها النظام من أجل استمرار حكمه، ودفعوا ثمن انشقاقهم عن هذا الفكر الطائفي، ولا ينكر الكاتب أن انتماءهم كان مثار ارتياب لدى بعض ناشطي الثورة، لكنه يقدم لنا ناشطين آخرين آمنوا بهم وسعوا لمساعدتهم. إن هذا البناء الجدلي للقاعدة والاستثناء، وللمفهوم الخاطئ الذي ينتج سلوكا منحرفاً، والمفهوم الصائب الذي يتم اكتشافه بالتجربة المعاشة لا بالتنظير أو المعرفة التي يسبغها الراوي على شخصياته، هو الذي يجعل هذه الصراعات ترسم المشهد المتوازن، ولا تخطئ البوصلة الوطنية بالمحصلة.

على أن أهم الصراعات التي تضفي على هذه الرواية قيمة درامية هي صراع الإنسان أمام لحظة الموت، مجسدة بالزلزال… وصراع السوريين المشرذمين والمنقسمين مع حاجتهم لأن يكونوا يدا واحدة في مواجهة آثار الزلزال… هنا يشرق المشهد البديع عن روح إنسانية ووطنية تصنعها التجربة القاسية على أكثر من مستوى: تجربة الغربة، وتجربة الضعف الإنساني أما كوارث الطبيعة، وتجربة التشبث بالحياة من تحت الركام… إنها التجربة السورية بكل تجلياتها وأبعادها وقد كساها الكاتب لحظة درامية امتحانية برع في توظيفها وصقل أحداثها، وصقل شخصياته من خلالها.  

بناء الشخصيات والنجاح الفني

القوة الأساسية التي ترتكز عليها هذه الرواية، إلى جانب اختيار اللحظات الدرامية الفارقة التي تغير مصائر الشخصيات، هي بناء الشخصيات نفسها. يبرع محمد أمين بريشة إنسان متأمل في تصاريف الدهر وتقلبات الحياة وما الذي تفعله بالبشر، في أن يصوغ لنا مجموعة من الشخصيات الروائية المشبعة بنكهة الحياة الحقيقية، تبدو ملامحها قاتمة إلى حد ما وهي تحمل ألوان العذاب والشقاء في محياها، إما عذاب أقدار الحياة أو شقاء العقائد الخاطئة المنحرفة حين تستبد بالتفكير والسلوك، أما لحظات السعادة والهناء، فلا تعدو كونها ذكرى من ماض ولى سريعاً، أو حلماً بمستقبل قد يأتي أو لا يأتي. وما بين هذا الشقاء المثقل والهناء الآفل، ثمة صراع إرادات… ثمة عزائم تصمد أو تنهار، تتبدل أو تعيش ثباتاً مستنقعياً يفت عضدها في النهاية. أما في معالجة الكاتب لها فثمة حنان إنساني أخاذ يسبغه على كل شخصيات الرواية بلا استثناء. حتى شخصية الداعشي لا تستثنى من هذا الحنان، ليس عبر أي تساهل مع تطرفها وجهلها، وإنما عبر إبراز لحظات ضعفها الإنساني. فلا سواد مطلق أو بياض مثالي. ثمة لحظة ضعف، وثمة لحظة خديعة، وثمة لحظة معرفة ويقين نخفيها كي لا تطير الرؤوس في حمى صراعات أطراف الثورة وأبنائها، أو الراكبين على موجتها. وهذا ما يجعل كل الشخصيات بلا استثناء ناضجة فنياً، مكتملة البناء. لها ماض وسيرورة حياة وعقدة ألم ومعاناة، وهدف تسعى إليه، خاطئا كان أم صائباً، استسلاميا أو مشبعاً بصلابة الوعي والإرادة.

ثمة نبل يضفيه الكاتب على بعض شخصياته حتى تلك التي تمر في عمق المشهد، أو من خلال ذاكرة الشخصيات واسترجاع التحولات التي مر بها، كما نرى في شخصية حسن السرحان زعيم مجموعة حي الصاخور في حلب الشرقية، الذي كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ومن أصحاب السوابق وكان يتاجر بالمخدرات قبل الثورة، لكنه قاتل تنظيم داعش ببسالة، وكان قريبا من البسطاء والفقراء، ثم قضى وهو يقتحم مكان احتجاز (ندى) بطلة العمل، لدى تنظيم داعش… وبعد أن تمكن من تحريرها. إن مفهوم النبل لا يرتبط لدى الكاتب بحسن السيرة والسلوك، ولا بالثقافة والوعي والمعرفة، وهو لا يراه في طبقة دون أخرى، بل هو يشمل جميع البشر الذين يشعرون في لحظة ما أن عليهم أن يمارسوا فعلا بطوليا شجاعاً ولو كلفهم ذلك حياتهم. وهذا ما يضفي نجاحا ملحوظا للكاتب في إثراء شخصياته، ورؤية جوهرها البشري النبيل بصفاء… وهو أمر يسعى إليه الكاتب مع شخصيات أخرى، يطهرها قبل موتها… مؤمنا بجوهرها النبيل الذي كدرته قسوة الحياة.

مستويات السرد وتداخل الأزمنة

يعتمد الكاتب على تقنية الراوي الكلي المعرفة، الذي يقود السرد بمفرده، ضمن رؤية موضوعية، ترى الحدث والشخصيات من الخارج، وضمن رؤية ذاتية تتموضع داخل الشخصيات لتكشف عوالمها وصراعاتها من الداخل.

هذه التقنية السردية التقليدية والشائعة جدا في كتابة الرواية، دفعت بالكاتب إلى أن يعرف بشخصياته سريعة قبل أن يدخل في حدث الزلزال، ورغم رشاقة التكثيف في ذلك، إلا أن الراوي الكلي المعرفة، أرهق الكاتب ربما بكم كبير من الشخصيات التي مر عليها سريعاً، في مساحة كانت تحتمل سياقاً أرحب، يتيح للقارئ استيعاب ملامح كل شخصية على حدا. في المقابل ساهمت لغة الكاتب الأدبية الرفيعة المستوى والبالغة الثراء في جعل السرد ممتعاً جمالياً، يكتنز فضاء شعرياً مشحوناً بالدلالات، قادراً على التعبير عن أعقد الأفكار التحليلية ببلاغة أدبية تختزل التراجيديا السورية: “ما رأته في أقبية المخابرات جعلها تدرك أن البلد دخل نفقاً لن تخرج منه ربما لعقود آتية، فالدم لا يموت، والدماء ملأت الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. صرخات المغتصبات لا تموت. أنين المعذبين لا يموت. حسرات الآباء والأمهات لا تزول. لقد تراكمت الأحقاد والضغائن. ستظل جاثمة على القلوب زمناً مديداً. سيمر وقت طويل قبل أن تبتلع الأرض من شهدوا هذه المأساة. لن تنتهي المصيبة أبدا إلا إذا غاب شهودها وأبطالها” ص (152)

على صعيد الزمن، ثمة ثراء واضح في التعبير عن المستويات الزمنية في الرواية… فهناك زمن الحدث الحاضر (الزلزال) وزمن الثورة الماضي الذي يتدفق ويبقى شديد الحضور عبر ذاكرة الشخصيات.  وهناك المستقبل الغائم، المتشح بالسواد والشك. لكن دراميا هناك أكثر من بعد للزمن خارج هذه المستويات. فهناك زمن الثورة المتقد بأحلام الحرية والذي يبدو لاهثاً مسكوناً بالعزيمة والأمل والحذر، وهناك زمن الاستبداد كما يتبدى في أقبية المخابرات والسجون، حيث يمر الزمن بطيئاً مثقلا بالموت والعذاب والانهيار “انهيار الأخلاق” كما سماه الكاتب، وهناك زمن الحياة تحت الردم، حيث تصارع بطلة العمل (ندى) الموت بالتشبث بالحياة، وتصارع باقي الشخصيات موتها تحت الردم بالأمل والسعي لحشد القوى والإمكانات، والشعور بوحدة المصير الإنساني أولا، والوطني السوري ثانياً، وبكافة أطيافه وانتماءاته فيركز الكاتب بين فرقة الإنقاذ السوري على الكردي (آرام) ابن مدينة عفرين، ويشيد بتعاون المحيط العربي عبر تقديم الآلات التقنية (المساعدات) متى توفرت الإرادة والمبادرة الوطنية السورية.

قناعات تستدعي المراجعة

لا تخلو رواية (كأن الريح تحتي) من قناعات ذاتية للكاتب في رؤية التاريخ السوري المعاصر، والمجتمع السوري، وباعتباره هو الراوي كليُّ المعرفة، فهي تحضر في سياق السرد الروائي، كرؤيته للحكم الوطني قبل انقلاب البعث، التي يصفها بالقول: “كانت الدولة في ذلك الحين لسكان المدن، وليس كل المدن، بل لدمشق وحلب وحماة، كانت بقية سورية بقرة سمينة تدر لبناً وعسلاً على هذه المدن، في حين يأكل سكان تلك البقية الهواء” ص (28) وهو حكم ظالم دون شك يفتقر للموضوعية. فالمعروف أن مشروع سد الفرات، تم توقيعه في عهد الانفصال ومن تحمس له هو ابن الأسر الإقطاعية، خالد العظم الذي كان حينها رئيسا للوزراء، كما أن الجامعة السورية كان تخصص مقاعد لأبناء الريف… وهو ما مكن العديد من النخب أمثال ابن الرقة د. عبد السلام العجيلي، وابن السلمية د. سامي الجندي، من أن يتخرجوا كأطباء.. وقد كان الأول نائبا للبرلمان ووزيرا في ذلك العهد الوطني الذي يذمه الكاتب. صحيح أن عجلة التنمية لم تكن متوازنة في كل المناطق السورية، لكن هذا لها علاقة بالنشاط الاجتماعي أكثر من القرارات الحكومية. فحين بنى صائم الدهر شركة النسيج الخاصة في حلب، أو أسس خمسة من التجار الشركة الخماسية في دمشق، كان ذلك بمعزل عن الدولة أو الشراكة معها، وعن البقرة التي تدر لبناً! وبالمقابل تحمل الرواية قناعات الكاتب الإيجابية المتوازنة تجاه أبناء المدن، فيتحدث عن تعلق الدمشقي بمدينته وعن الأثر الذي يحمله منها في حله وترحال، ويقدم صورة دافئة لأبناء حلب ولباقي أبناء المدن الشرقية، بعيداً عن المناطقية أو التعميم العنصري الذي طالما اعترى النسيج السوري على أرض الواقع.

ميلاد روائي ناضج

إن رواية (كأن الريح تحتي) تقدم لنا روائياً ناضجاً، تأخر في هذه مقاربة المغامرة وقد استنزفه العمل الصحفي طويلا، لكنه خاضها وهو يمتلك ناصية اللغة، وعمق تحليل الواقع، والقدرة على بناء شخصياته بلمسة فنية تمزج بين صفاء التعامل مع الواقع، وأصالة الإضافة الإبداعية… وهي بلا شك تستحق أن تتحول إلى عمل درامي سينمائي او تلفزيوني، بما تحمله من ثراء في مقاربة الواقع الاجتماعي السوري خلال الثورة، ومن صفاء في الإخلاص لفكرة الثورة النبيلة، التي تقول لنا الرواية إنه رغم كل الآلام والخسائر والنكبات، لم يكن هناك أمام السوريين بد من القيام بها، حتى إذا ما تحولت الثورة إلى زلزال خلخل القناعات والبُنى والنفوس، نهضت سورية بعزيمة وهمة أبناء من تحت الركام، تتطلع إلى مستقبل جديد، وزمن جديد.  

محمد منصور

رئيس تحرير العربي القديم، صحفي وناقد من أبناء مدينة دمشق، يعمل في الصحافة منذ عام 1990 وله عشرون كتاباً مطبوعاً في النقد الأدبي والفني والتاريخ السوري وعشرات الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى