توركان مختارة حارتنا: عندما تعمل الديمقراطية!
العقد الاجتماعي المُبرم بين أفراد المجتمع ليس ملكاً لأيّ فرد بحدّ ذاته. إنه ملك عام لجميع أولئك الذين يخضعون له لأنهم اختاروه وأقرّوه بالتصويت الحر. ولكن لكي يتم ذلك يجب أن يتصرّفوا كمواطنين أحرار، لا رعايا خاضعين

عبد الرزاق دحنون – العربي القديم
توركان مختارة حارتنا في المرتفعات الجبلية في مدينة إزمير على شاطئ بحر إيجة، وقد فازت للمرّة الثانية في انتخابات المخاتير في دورة عام (2024 – 2029) حيث يُنتخب رؤساء البلديات والولاة والمخاتير كلّ أربع سنوات في مدينة إزمير وعموم الولايات التركية، ولا فرق بين رجل وامرأة. ومُختار في العربية والتركية (MUHTAR) هو رئيس الحيّ أو القرية. وبما أن توركان منتخبة من أهل الحي بعملية انتخابية حرة ونزيهة فهي تعمل مع الديمقراطية التي تُرافقها من أجل تقديم أفضل الخدمات لأهل حارتها، وسبحان الله هي مثل شعلة النار لا تهدأ لا في اليل ولا في النهار، “وإن توركاناً تأتم الهداة بها كأنها جبل في رأسه نار” ورقم موبيالها مُتاح للجميع أهل الحي على مدار الساعة.
وهنا يخطر في بالي السؤال التالي: هل الديمقراطية امرأة؟ فأعود معكم إلى أكثر من ألفين سنة مضت إلى أثينا القديمة في بلاد الأغريق حيث وصلتنا لوحةٌ فنية حُفرت بأسلوب النقش البارز في الرخام الأبيض، تمثّل السيدة ديمقراطية وقد ارتدت ثوباً طويلاً محتشماً، تُكلّل بيدها اليمنى، ديموس (الشعب) الجالس على عرش السلطة، وقد نُقش أسفل تلك اللوحة نصاً مُعبراً يحمل عنواناً عريضاً: (ديمقراطية ضد الطغيان تحمي حقوق الإنسان). يعود هذا النصب الرمزي إلى عام 326 قبل الميلاد. وقد وجد في الميدان العام بأثينا. والنص يفسر معنى الديمقراطية عند الأثينيين.
الديمقراطية في الأصل تعني قوة عمل الشعب مجتمعاً، لأن كلمة ديموس اليونانية تعني الشعب، أو المواطنين، أو الجمهور، أو عامة الناس، أو الكافة. وكانت كل القرارات التي تخص المجتمع الأثيني يجري البت فيها في العلن. وتناقش القرارات المهمة نقاشاً عاماً أمام الجمهور، ثم يجري التصويت عليها من كل أفراد الشعب. غير أن عدداً من ذوي الجاه والثراء الأثينيين أرادوا التميّز عن العامة، وأن يسيّروا دفة سفينة المجتمع بأنفسهم، في الاتجاه الذي يرغبون. وفي المقابل كانت عامة الأثينيين متمسكة بمبدأ المساواة في حق إبداء الرأي بين المواطنين كافة. كان هذان الاتجاهان في صراع دائم، ومع هذا فقد استمرت الديمقراطية الأثينية قائمة لفترة تقرب من مئتي عام ولم تتخللها إلا أحداث قليلة نسبياً من الصراعات المدنية العلنية بين العامة والصفوة، ويدل تاريخ أثينا المستقر نسبياً على أن سكانها قد وجدوا سبيلاً للتعايش معاً. والديمقراطية عند الأثينيين ليست إعفاء من كل القيود فقط، بل إنها في الواقع أكثر الاستخدامات فعالية لكل قيد عادل على كل أعضاء مجتمع حر، سواء كانوا حُكّاماً أم رعايا.
يحاجج عالم الاجتماع الفرنسي موريس غودلييه بأنّ العقد الاجتماعي المُبرم بين أفراد المجتمع الأحرار ليس ملكاً لأيّ فرد بحدّ ذاته. إنه ملك عام لجميع أولئك الذين يخضعون له لأنهم اختاروه وأقرّوه بالتصويت الحر. ولكن لكي يتم ذلك يجب أن يتصرّفوا كمواطنين أحرار، لا رعايا خاضعين لسلطة فرد يكاد يتمتّع بالحق الإلهي في الحكم. وتتشكّل الهيئة المؤسّسة (أي دعامة الديمقراطية) من جميع المواطنين الذين توالوا على أرض الأمة منذ أن نصّب الشعب نفسه للمرّة الأولى سيّداً ومصدراً للقوانين. وقد برزت هذه الهيئة كما يؤكّد موريس غودو لييه (على الأقل في وطنه فرنسا) مع الثورة الفرنسية ومع تشكّل أوّل مجلس تأسيسي. واستمر وجود هذه الهيئة منذئذ بشكل من الأشكال عند السواد الأعظم من أمم الأرض.
و بالعودة إلى سيرة توركان مختارة حارتنا ومُدبرة شؤونها، فسبحان الله الذي وهبها هذا الجلد والجسارة في الخدمة العامة، لا ترد شاكٍ ولا مظلوم، حتى المريض أو المُصاب تطلب له سيارة إسعاف، وتجدها دائماً مع ورش البلدية التي تعمل في خطوط الماء أو الكهرباء أو الإنترنيت أو في تزفيت الشوارع وإصلاح الأرصفة وحدائق الأطفال وأجهزة الرياضة الصباحية والمسائية في الحدائق العامة، ومن النادر أن تجدها جالسة في مكتبها الأنيق. وأختم بحادثة طريفة قادة المختارة توركان لأن تجمع أطفال الحارة وتصحبهم في باص إلى رئيس البلدية لتقنعه بإنشاء حديقة جديدة للأطفال في مكان يصلح لذلك، ولسان حالها يقول: هذه الحديقة ضرورية وإن اعترضتم فدعوا الأطفال يلعبون عندكم في مبنى البلدية. وخلال شهرين كانت الحديقة جاهزة، والأطفال الآن يلعبون ويمرحون بها في هذا الصيف الحار.

