الرأي العام

خبزٌ وقصائد وبيوتٌ مؤجلة: لمن تعود الحياة في سوريا؟

حين يرى المواطن المنهك أن الأضواء والأموال تتجه بكثافة نحو المهرجانات، وتظل مناطقه أو همومه خارج دائرة الاهتمام الفعلي وخطط المعالجة، يتولد لديه انطباع مؤلم بإنكار معاناته وتهميش حقه في العيش الكريم.

براء الجمعة – العربي القديم

قد تعود الفعاليات الثقافية والمهرجانات إلى الساحات، وقد تضاء المسارح بألوان الفرح، قبل أن تعود الحياة إلى البيوت؛ يأتي هذا التوصيف الدقيق للمشهد مبتعداً عن الأحكام النقدية المتعسفة، ومترفّعاً عن التقليل من قيمة مساحات البهجة، ليضعنا أمام مفارقة بصرية ونفسية شديدة الدلالة. على جغرافية واحدة، تتقاطع الأضواء الساطعة للمهرجانات الثقافية والصيفية، والمعارض السياحية، والفعاليات الجماهيرية المزدحمة، مع أحياء ما تزال شواهدها مهدومة، وأسر تصارع يومياً لتأمين أدنى مقومات العيش الكريم، وآلاف المهجّرين والنازحين الذين يقفون على عتبات الانتظار، يحلمون بلحظة تمكنهم من العودة إلى ديارهم المنكوبة أو المتروكة واستئناف حياة قابلة للاستمرار.

ما وراء الأضواء

هذا المشهد المزدوج يفرض نفسه كحدثٍ يقتضي القراءة، متجاوزاً كونه مجرد تباين مألوف في أنماط التعبير الاجتماعي في البلدان التي اختبرت محناً قاسية. إنه مشهد يقتضي تشخيصاً موضوعياً وهادئاً، يفكك دلالاته، ويقرأ ما وراء الأضواء. تُصَدَّر هذه الفعاليات بوصفها برهاناً ساطعاً على استعادة الحياة لمجراها المعتاد، وفي الوقت نفسه يرى السائر في الشارع، والذي يتلمس نبض الناس اليومي، مفارقة تجعل من هذه الأضواء ظلاً حاداً يقع على أعين المتعبين. ومن هنا، يبرز السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تعني عودة مظاهر الحياة إلى الشوارع أن الحياة قد عادت فعلاً إلى الناس؟

دعونا نتفق، أولاً وقبل كل شيء، وبصورة لا تقبل المواربة، على حق الإنسان المطلق في الفرح. اجتياز الأزمات الطويلة والسنوات القاسية يتجاوز مجرد تأمين رغيف الخبز. الإنسان، بحكم تكوينه النفسي والاجتماعي، لا يحيا بالأساسيات المادية المجردة وحدها؛ فهو يتوق بفطرته إلى الأمسيات الثقافية، إلى مساحات اللقاء المشترك، وإلى الضحكة التي تعيد تذكيره بآدميته وتنفض عنه غبار التعب. الفرح حاجة إنسانية، والثقافة تقف دائماً إلى جانب الضروريات. نحن نحتاج الخبز والشعر معاً، لكي تستقيم إنسانيتنا ونستعيد توازننا.

ومن الخطأ الجسيم، ومن القسوة أيضاً، أن نُطالب مجتمعاً عانى ما عاناه بالبقاء في مساحات الحزن المطلق، أو أن نفرض عليه حالة من الحداد المستمر حتى تُحلّ جميع مشكلات أفراده المعقدة. الحياة تمضي ولا تنتظر اكتمال الحلول، والناس بحاجة إلى استعادة مساحاتهم الطبيعية لكي يتمكنوا من المواصلة. وتفرض علينا هذه القاعدة الإنسانية ذاتها توازناً أخلاقياً دقيقاً: يُمنع استخدام الشعر ستاراً يخفي غياب الخبز، ويسقط أي مبرر لاتخاذ الفقر أو المعاناة ذريعة لإلغاء حق الناس في الابتهاج. تتلخص الفكرة الأكثر إنصافاً هنا في معادلة بسيطة: من حق سوريا أن تفرح، ومن حق أبنائها أن يغنوا للحياة مجدداً، وفي الوقت ذاته، يمتلك السوري الذي لم يستعد مقومات حياته بعد كامل الحق في أن يقف متسائلاً: متى تعود حياتي أنا؟

هنا يتجلى الفارق الجوهري والفاصل بين “عودة مظاهر الحياة” وبين “عودة الحياة إلى الناس”. إقامة مهرجان حاشد للشعر أو الثقافة تعيد النبض والبهجة إلى تلك البقعة الجغرافية لساعات أو أيام معدودة، وهو أمر محمود يكسر رتابة الأيام الصعبة، وتتوقف حدوده هنا؛ فهو بطبيعة الحال، يعجز عن إعادة بيت مهدم إلى عائلة فقدت مأواها، ويفشل في تعويض عمل مفقود، ويقف قاصراً عن ترميم نسيج اجتماعي تمزق بفعل الأزمات المتلاحقة.

بين التعافي الرمزي والتعافي الهيكلي

في سياق سيكولوجيا المجتمعات الخارجة من المآسي الكبرى، يمكننا قراءة هذا المشهد عبر التمييز بين مسارين متوازيين: مسار “التعافي الرمزي” ومسار “التعافي الهيكلي”. يقوم التعافي الرمزي على صياغة المشهد وصناعة الانطباع من خلال الفعاليات، والمهرجانات، والأنشطة العامة، بغرض إرسال رسائل سريعة تفيد بأن الأمور تسير نحو الأفضل. يحتاج المجتمع بطبيعة الحال إلى هذا النوع من التعافي؛ كونه يعزز المعنويات ويخلق مساحة لالتقاط الأنفاس. ويأتي التعافي الهيكلي، في المقابل، كجهد بطيء، شاق، ومتراكم، يتجه إلى الجذور مباشرة: إصلاح شبكات الخدمات الأساسية، تأهيل المنازل، وخلق مسارات اقتصادية تضمن للإنسان كرامة العيش.

يحتفظ التعافي الرمزي بأهميته البالغة، ويبدأ المأزق الفعلي بالتشكل حين يتم اللجوء إلى إزاحة الانتباه من الملفات البنيوية الشاقة والمكلفة إلى مساحات أسرع في الإنجاز وأسهل في إظهار النتائج. في هذه اللحظة، يحل الفعل الرمزي مكان الفعل البنيوي، وتتحول الفعاليات، حين تتقدم على معالجة الاحتياجات الأساسية، إلى صورة تعافٍ تسبق التعافي نفسه، ليصبح الاستعراض واجهة تُغطّي على التعثر في حل الاستحقاقات الحياتية الكبرى.

وفي قلب هذه المفارقة المركزية، يقف الإنسان المهجر متسائلاً عن المعنى الحقيقي لمفهوم “العودة”. نميل أحياناً إلى الحديث عن العودة كمصطلح إداري أو جغرافي بحت، متناسين الحمولة النفسية المرتبطة به. إلى ماذا يعود الإنسان؟ أيكفي أن يصل إلى الحي الذي وُلد فيه لكي نقول إنه استعاد حياته؟ هل هناك سقف يأويه ويحفظ خصوصية أسرته؟ هل تتوفر الخدمات الأساسية التي تمنع حياته من التحول إلى صراع يومي بدائي؟ هل يمتلك طريقاً واضحاً للعمل وكسب العيش؟

العودة إلى المكان تختلف جوهرياً عن العودة إلى الحياة. يعود المرء أحياناً إلى جغرافيته، ليقف في منتصف شارعه القديم، ويجد نفسه غريباً في المكان الذي عاش فيه عمره كله، لغياب مقومات الحياة القابلة للاستمرار. المنزل يتجاوز كونه جدراناً صماء؛ إنه مستودع الذاكرة، ومركز الاستقرار، ونقطة الانطلاق نحو المستقبل. وحين يُفقد هذا المركز، يتحول المكان إلى مساحة للاغتراب، ويفقد قدرته على أن يكون حضناً للانتماء.

فجوة نفسية قاسية

من هذا المنطلق، تتشكل فجوة نفسية قاسية بين السردية العامة التي تحتفي بمظاهر التعافي وتقدم المشهد الاحتفالي كعنوان للمرحلة، وبين التجربة المعاشة للفرد الذي ما زال يكابد يومياته بصمت. لنتخيل معاً شخصاً يعيش بعيداً عن مدينته، يراقب عبر شاشات الهواتف صور الاحتفالات الثقافية والأضواء تملأ الساحات التي يعرفها جيداً. يفرح هذا الشخص، بلا شك، لأن مدينته تنبض بالحياة من جديد، ولأن أبناءها يختلسون لحظات من السرور المستحق، وفي اللحظة ذاتها يتذكر أن البيت الذي كان سيعود إليه ليلاً بعد انتهاء المهرجان غاب عن الوجود، وأن مساره للاندماج في هذا الفرح الجماعي مقطوع بظروف قاهرة.

تخلق هذه اللحظة حالة من الاغتراب، وتُفعّل ما يُعرف بـ “الحرمان النسبي”. يتجاوز الاغتراب هنا كونه مصطلحاً نظرياً نطلقه من باب الترف الفكري، ليعبر بصورة ملموسة عن إحساس الفرد بالغربة داخل وطنه، وشعوره بأن الإيقاع العام للمكان قد تجاوزه، وبأن ألمه الشخصي وحرمانه السكني وحاجاته الأساسية باتت مجرد هوامش خارجة عن المشهد المضاء. وحين تتسع هذه الفجوة بين “سوريا التي يُقال إنها تعافت” و”السوري الذي ما زال يعاني”، يميل الإنسان إلى الانكفاء، شاعراً بأن تجربته الشخصية القاسية تفتقد لمساحة الاعتراف في خضم الأصوات المرتفعة للفرح العام.

دعونا نتوقف هنا عند مفهوم “التضامن الاجتماعي” في فترات التعافي. يتسع التضامن ليتجاوز مجرد اقتسام رغيف الخبز في أوقات الشدة القصوى، ويمتد ليشمل “التضامن الوجداني” في مراحل استعادة الأنفاس. عندما تُدار دفة الاهتمام العام نحو الاحتفالات الكبرى، وتُكرَّس الجهود لإظهار صورة البلد المتعافي، يتولد لدى الفرد الذي فقد مقومات حياته إحساس بوجود خلل في هذا التضامن. رسالة التعافي التي لا تشمله تشعره بأن مجتمعه يمضي إلى الأمام تاركاً إياه في محطته القديمة المليئة بالفقد. هذا الشعور الفردي بالتخلف عن الركب الاحتفالي يولد حالة من الجفاء النفسي بين مكونات المجتمع. يفقد الإنسان حينها قدرته على الاندماج العاطفي مع أفراح مدينته؛ فالاستيعاب النفسي للفرح يتطلب أرضية من الاستقرار تسبق القدرة على الاحتفال.

ومع تراكم هذه المفارقات، يبدأ المجتمع بتشكيل عوالم متوازية داخله. يتجاوز الأمر هنا مجرد التقسيم الطبقي الاقتصادي المألوف، ليصل إلى اختلاف جذري في التجربة النفسية والاجتماعية ضمن الجغرافيا الواحدة. هناك عالم يمتلك أفراده القدرة والمساحة النفسية للمشاركة في المشهد الجديد، يحضرون الفعاليات، ويستمتعون بالأنشطة، ويجدون فيها متنفساً ضرورياً لمواصلة الحياة وبناء مساحات للفرح المشترك. وبموازاته، يقبع عالم آخر يراقب المشهد من بعيد؛ عالم تستنزف أفراده محاولات تأمين الأساسيات، ويسيطر عليهم الانشغال بتفاصيل البقاء اليومي، من تأمين الطعام والدواء إلى التفكير في سقف يحميهم من تقلبات الفصول.

تَرْكُ هذا التوازي في التجارب دون معالجة ودون جسور من التعاطف والاعتراف المتبادل، يؤدي حتماً إلى شعور صامت بالخذلان لدى الفئات الأكثر تضرراً. يحب الجميع أن يرى بلده جميلاً، وحين يرى المواطن المنهك أن الأضواء تتجه بكثافة نحو المهرجانات، وتظل مناطقه أو همومه خارج دائرة الاهتمام الفعلي وخطط المعالجة، يتولد لديه انطباع مؤلم بإنكار معاناته وتهميش حقه في العيش الكريم.

وظيفة الثقافة في المرحلة الراهنة

لأجل ذلك كله، تبدو الحاجة ملحة لإبعاد الثقافة والفنون والفرح عن قفص الاتهام، وتجنيبها دور كبش الفداء لمشكلات أفرزتها ظروف أخرى. الثقافة بريئة من هذه التهمة، والمهرجانات خالية من الخطايا، ومحاولة ابتكار الفرح تمثل سلوكاً صحياً بامتياز. الثقافة الحقيقية في أسمى تجلياتها تشكل أداة من أقوى أدوات التعافي؛ إنها الساحة التي يستطيع من خلالها المجتمع أن يعبر عن وجدانه، وأن يجمع شتاته، وأن يصيغ “المعنى بعد المأساة”.

تتركز الإشكالية إذن حول وظيفة الثقافة في المرحلة الراهنة، مبتعدة عن التشكيك في وجودها. تبدأ المشكلة عندما تأخذ الصورة الاحتفالية مكان الفعل الميداني الذي يعالج أسباب المعاناة، وعندما تنفصل هذه المظاهر عن جسد المجتمع لتبدو وكأنها تحلق في فضاء آخر غريب عن أرض الواقع. تكتسب الثقافة مشروعيتها الإنسانية وتكون جزءاً فاعلاً في مسار التعافي حين تنطلق من وجدان الناس، تعترف بآلامهم، تواسي جراحهم، وتوسّع مساحات التضامن والأمل بينهم. الفن الذي يعترف بالندبة يساهم في شفائها، والفن الذي يتجاهلها أو يطلب منا إخفاءها تحت مساحيق التجميل، يسهم في تعزيز الاغتراب.

وبناءً على هذه القراءة النفسية والاجتماعية، يتراجع سؤال “هل عادت سوريا؟” ليتقدم عليه سؤال يحمل دلالته الإنسانية والأخلاقية: “لمن عادت سوريا؟”.

  • هل يشعر المهجّر الذي طال غيابه عن حيه أنها عادت إليه؟
  • هل يستطيع المواطن الذي يصارع ظروفه الاقتصادية أن يكون شريكاً في هذه الحياة الجديدة غاضاً الطرف عن الشعور بالدونية أو العجز؟
  • هل يستطيع الشاب الذي يقف على عتبة مستقبله أن يتخيل غده بوضوح وأمل ضمن هذه الجغرافيا؟
  • هل يستطيع صاحب البيت المهدّم أن يرى في تلك الأضواء الساطعة ضوءاً حقيقياً يقربه من خطوة العودة إلى داره؟

تبتعد هذه الأسئلة عن التشاؤم والجلد الذاتي، وتترفع عن البحث عن إجابات سريعة وجاهزة، وتطرح نفسها لكي تضعنا أمام مرآة التجربة الإنسانية السورية بكل تعقيداتها. تذكرنا هذه التساؤلات بأن قياس جودة الحياة وتحديد مستويات التعافي يبدأ دائماً من الفرد، من الإنسان البسيط، ومن قدرته على الإحساس بالأمان والكرامة والانتماء.

فعاليات استعراضية وأناس بلا بيوت تؤويهم!

في نهاية المطاف، تجب صياغة رؤية واضحة ومتوازنة للمستقبل. نحن لا نريد سوريا بلا شعر، ولا نطلب أن تُغلق معارض الفنون وتتوقف المهرجانات الثقافية حتى يعود الخبز إلى كل مائدة، ونرفض لبلدنا أن يكون مساحة من التجهم والانغلاق ريثما تُبنى جميع الجدران التي سقطت. الجمال ضرورة للروح، والفرح وقود للبقاء.

وفي الوقت عينه، نحن نأبى أن نرى سوريا تكثر فيها الفعاليات الاستعراضية وتسطع فيها الأضواء بينما يبقى إنسانها بلا بيت يؤويه، أو أمل يسنده، أو كرامة تحفظ إنسانيته. ما نريده حقاً، وما تستحقه هذه الجغرافيا ويستحقه أهلها الذين كابدوا الكثير، يتمثل في مسار يتجه نحو الإنسان أولاً. نريد سوريا يستطيع فيها الفرد أن يأكل بكرامة، وأن يعود إلى بيته آمناً، ليجلس ذات مساء، ببالٍ هادئ وقلب مطمئن، ويستمع إلى قصيدة.

تكمن المشكلة الحقيقية في عجز جزء كبير من السوريين عن استعادة الحياة التي تتيح لهم الانضمام إلى هذا الفرح، متجاوزين فكرة مناقشة الاحتفال بحد ذاته. يكتمل التعافي الحقيقي ويتحقق فقط حين يصبح السوري نفسه بخير، متجاوزاً مجرد ظهور سوريا بخير في الصور والمنصات.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى