التكنولوجيا والتغيير الاجتماعي: هل نحن أمام تحرر جديد أم شكل من السيطرة؟
ماذا يعني أن نوجد في هذا العالم؟ وهل يُمكن للحياة أن تُختزل إلى كفاءة الأداء؟

محمد صبّاح * – العربي القديم
في أسطورة بروميثيوس اليونانية، يتحدى بروميثيوس سلطة زيوس بسرقة شعلة النار ومنحها للبشر، معتقداً أنه يحررهم من استجداء الآلهة. لكن هذا الفعل، الذي بدا وكأنه انطلاقة نحو الاستقلال، جلب معه عقاباً أبدياً. يرى الفيلسوف الألماني غونتر أندرس أن هذه الأسطورة تجسد علاقتنا المعقدة بالتكنولوجيا الحديثة: فقد وُلدت التقنية كأداة للتحرر، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة طاغية، تحكم حياة البشر بدلًا من أن تحررهم. هذه الإشكالية، التي بدأت كصراع مع الآلهة، تكررت في العصر الحديث كصراع بين الإنسان ومنتجاته التقنية.
التكنولوجيا وإعادة تشكيل السلطة الاجتماعية
منذ الثورة الصناعية، لعبت التكنولوجيا دوراً حاسماً في تحديد ملامح الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. ففي الرأسمالية، ترتبط قيمة المنتجات بالسوق والربح، بينما في الاشتراكية، تُقدّر السلع بناءً على منفعتها الاجتماعية. وفي كلا النظامين، شكّلت وسائل الإنتاج مركزاً للسلطة، حيث لم تكن مجرد أدوات عمل، بل تجسيداً للهيمنة السياسية.
العقلانية، كما وصفها ماكس فيبر، أصبحت الأداة التنظيمية التي تُدير المجتمعات الحديثة. فهي ليست مجرد طريقة لتحقيق الأهداف الاقتصادية، بل آلية لضبط الأنظمة القانونية والبيروقراطية. ومع ذلك، يرى هربرت ماركيوز أن هذه العقلانية ليست حيادية؛ بل هي أداة للسيطرة، تُحاصر الأفراد في منظومة يصعب تجاوزها، مما يقلص قدرتهم على التغيير الاجتماعي.
أما مارتن هايدغر، فقد ذهب أعمق في تحليله للتكنولوجيا، حيث اعتبرها ليست مجرد أدوات في يد الإنسان، بل «طريقة للكشف» عن العالم. التكنولوجيا، وفقاً لهايدغر، تُحوِّل الوجود إلى مجرد «مورد» يمكن تسخيره واستغلاله، مما يؤدي إلى فقدان الإنسان علاقته الأصيلة مع الطبيعة ومع ذاته. بهذا المعنى، تتحول التكنولوجيا إلى قفص يُحاصر الإنسان داخل منطق الإنتاجية المستمرة، ويُبعده عن التساؤل الوجودي حول معنى الحياة.
الذكاء الاصطناعي وتحدي الوجود البشري
في عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح التساؤل عن مكانة الإنسان أكثر إلحاحاً. فالآلات لم تعد تقتصر على تنفيذ الأوامر البسيطة، بل أصبحت قادرة على التفكير وحل المشكلات المعقدة. وهذا يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية: هل ستُهمّش هذه التقنيات دور الإنسان كفاعل اجتماعي وفكري؟ أم يمكن تسخيرها لخدمة الإنسانية دون أن تُجرده من سيادته؟
هنا تبرز رؤية غونتر أندرس، الذي انتقد توثين التكنولوجيا، مستشهداً بمثال الجنرال دوغلاس ماك آرثر أثناء الحرب الكورية، حيث اعتمدت الولايات المتحدة على الحواسيب لاتخاذ قرارات مصيرية. اختزلت الآلة خيارات الحياة والموت إلى معادلات رياضية، متجاهلة التعقيد الأخلاقي الذي لا يمكن ترجمته إلى أرقام. هذه اللحظة تُجسد خطراً حقيقياً: عندما تُسند القرارات الكبرى إلى أدوات بلا وعي أو ضمير.
ويُكمل هذا الطرح بيونغ تشول هان، الذي يرى أن التكنولوجيا الحديثة، خاصة مع صعود الرقمنة، لم تفرض سيطرة قمعية خارجية فقط، بل خلقت أشكالًا من «الاستعباد الذاتي». الإنسان الحديث، في رأي هان، أصبح يراقب نفسه ويستنزف ذاته في سعيه المستمر للإنتاج والتنافس في ظل ثقافة الأداء القصوى. التكنولوجيا لم تُعد تُراقب الجسد، بل أصبحت تُدير النفس ذاتها، مما جعل البشر أسرى لمنطق الاستهلاك والإنجاز بلا انقطاع.
الدول النامية وسؤال العدالة التكنولوجية
بالنسبة للدول النامية، تمثل الثورة التكنولوجية فرصة وتحدياً في آنٍ واحد. فعلى الرغم من أن التكنولوجيا قد تُسرّع التنمية، إلا أنها قد تعمّق الفجوة بين الفئات الاجتماعية إذا احتكرتها النخب. لذلك، يصبح من الضروري وضع سياسات تُوجّه التكنولوجيا نحو تعزيز العدالة الاجتماعية، بدلًا من أن تصبح أداة لتعزيز التفاوتات الاقتصادية والسياسية.
لكن هايدغر قد يُحذرنا هنا من «الاغتراب التقني»، إذ أن استيراد التكنولوجيا من دون تأسيس علاقة وجودية معها قد يُكرّس التبعية بدلًا من التحرر. فالتقنية ليست محايدة؛ إنها تنقل معها منظومة فكرية وثقافية تُعيد تشكيل المجتمع من الداخل.
لذلك، لا يكفي مجرد امتلاك الأدوات التقنية، بل يجب التساؤل عن كيفية اندماجها مع السياقات الثقافية والاجتماعية المحلية.
نهاية مفتوحة: بين الإغراء والحرية
قد يبدو المستقبل الذي تؤدي فيه الآلات كل الأعمال مغرياً للوهلة الأولى، لكنه يطرح سؤالًا جوهرياً: هل ستظل الإنسانية تحتفظ بدورها كمُبدع وقائد؟ أم أنها ستتحول إلى كيان سلبي يعيش في ظل رفاهية تصنعها الآلات؟
ربما يكون الحل في إعادة التفكير في علاقتنا بالتكنولوجيا / ليس كقوة مستقلة، بل كأداة تُوظف لخدمة القيم الإنسانية. تماماً كما حاول بروميثيوس تحرير البشر بمنحهم النار، علينا أن نُعيد تعريف علاقتنا بالابتكار، بحيث تصبح التقنية وسيلة لتعزيز إنسانيتنا، وليس أداةً لتكبيلها. في نهاية المطاف، يكمن التحدي الحقيقي في إيجاد التوازن بين الراحة التي توفرها التكنولوجيا، والحفاظ على جوهر الإنسان ككائن قادر على الإبداع والاختيار.
كما قال هايدغر: «السؤال الحقيقي ليس كيف نستخدم التقنية، بل كيف نبقى بشراً في عصرها». ربما يكون هذا هو التحدي الأعظم الذي ينتظرنا في العقود القادمة: كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم تصنعه الآلات، دون أن نفقد قدرتنا على التساؤل، الحلم، والتمرد على ما هو مُعطى؟
التكنولوجيا كقدر الإنسان الحديث
التكنولوجيا ليست مجرد أداة تُسهّل الحياة، بل هي قدرٌ وجودي يعيد تشكيل معنى أن نكون بشراً. لقد أصبحت التقنية مرآة نحدّق فيها، فنرى انعكاساً مشوهاً لذواتنا: كائنات تركض بلا توقف في مضمار الإنتاج، تسعى للسيطرة على العالم، لكنها في النهاية تُسلّم مصيرها للآلات التي صنعتها. إنها لحظة مفارقة، حيث يصبح الإنسان سيّد العالم وعبده في الوقت نفسه، يخلق أدوات تحرره، ثم يكتشف أنها تزرع حوله أسواراً غير مرئية من الانضباط والاستلاب.
المعضلة ليست في التقنية ذاتها، بل في انعدام المسافة بين الإنسان وما يُنتجه. حين يفقد الإنسان قدرته على التعجب والاندهاش أمام الوجود، حين يُختزل العالم إلى معطيات قابلة للحساب، وحين تُختزل القيم إلى أرقام، يصبح الكائن البشري مجرد وظيفة في آلة كبرى تدور بلا غاية. ومع ذلك، يظل هناك أمل في أن تكون التكنولوجيا دعوة للتفكير مجددًا في ماهية الإنسان، في هشاشته وقوته، في حاجته للحرية أكثر من حاجته للراحة.
ربما يكون التحرر الحقيقي هو أن يتعلّم الإنسان كيف يعيش مع التقنية دون أن يفقد صوته الداخلي / ذلك الصوت الذي يسأل بلا كلل: ماذا يعني أن نوجد في هذا العالم؟ وهل يُمكن للحياة أن تُختزل إلى كفاءة الأداء، أم أن جوهر الإنسان يكمن في قدرته الأبدية على مقاومة التحوّل إلى آلة؟
بهذا السؤال، وليس بإجابة نهائية، يبدأ المستقبل.
__________________________________________
- كاتب فلسطيني.