بين إرث الاستبداد وهشاشة ما بعد الحرب: لماذا اختارت الدولة سياسة الاحتواء؟
أخطر ما يمكن أن يواجه أي خطوة اعترافية هو تحويلها إلى مادة للاستقطاب والتحريض

ميسون محمد – العربي القديم
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس قرارات السلطة بمدى اكتمالها الدستوري بقدر ما تُقاس بقدرتها على منع الانفجار وإدارة التوازنات في مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الاستبداد والحرب والدمار. من هذا المنطلق، يمكن قراءة المرسوم رقم (13) الصادر عن الرئيس أحمد الشرع بوصفه محاولة واعية لضبط ملف شديد الحساسية، لا فرضًا لوقائع سياسية مغلقة. فالسلطة الانتقالية في سوريا لا تعمل في فراغ مؤسساتي، ولا تملك حرية اتخاذ القرارات المثالية، بل تتحرك ضمن هامش ضيق تحكمه الهشاشة المجتمعية وتراكم الخوف وانعدام الثقة.
جاء المرسوم في توقيت لم يعد فيه تجاهل القضية الكردية ممكنًا، وفي الوقت نفسه لا يحتمل فيه البلد صدامات هوية جديدة. لذلك اختارت السلطة مقاربة تقوم على الاعتراف والاحتواء بدل الإنكار أو المواجهة. الإقرار بأن المواطنين السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري لا يعيد تعريف الهوية الوطنية ولا ينشئ ثنائية داخل الدولة، بل يعالج خللًا تاريخيًا في الخطاب الرسمي كان يتعامل مع هذا المكوّن بوصفه مسألة أمنية أو إدارية، لا جزءًا من النسيج الوطني. هذا الاعتراف، في جوهره، هو إعادة إدماج سياسي ومعنوي، لا منح امتياز أو فتح باب لإعادة توصيف الدولة.

كما أن التأكيد على حماية الحقوق الثقافية واللغوية للكرد ضمن إطار السيادة الوطنية لا يمكن فهمه كقيد بقدر ما هو محاولة لطمأنة جميع الأطراف في آن واحد. فالسلطة الانتقالية، وهي تدير بلدًا متعدد المكونات خرج لتوّه من صراع دموي، تدرك أن أي اعتراف غير مؤطر قد يُقرأ بوصفه تهديدًا لوحدة الدولة، في حين أن أي تجاهل لهذه الحقوق قد يعيد إشعال التوترات القديمة. لذلك جاء الخطاب جامعًا بين الإقرار بالتنوع والحفاظ على وحدة الدولة، في محاولة صادقة لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة ومواطنيها.
وفي السياق ذاته، تبدو مقاربة اللغة الكردية انعكاسًا لهذا الحذر المدروس. اعتبارها لغة وطنية، مع السماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية، دون فرضها أو تهميشها، يشير إلى رغبة في الإدماج التدريجي لا في فرض سياسات تعليمية قسرية قد تولد ردود فعل عكسية. في دولة تعاني انهيارًا واسعًا في البنية التعليمية والإدارية، فإن هذا التدرج ليس تراجعًا عن الحق، بل إدارة واقعية له، تتيح للمجتمع والدولة اختبار الآليات وتطويرها بدل الاصطدام حولها.
أما معالجة ملف إحصاء عام 1962 ومنح الجنسية للمكتومين، فتُعد من أكثر نقاط المرسوم حساسية وأهمية في آن واحد. فالسلطة هنا لم تتعامل مع القضية كملف سياسي قابل للمزايدة، بل كظلم قانوني وإنساني متراكم لا يمكن بناء دولة مواطنة دون معالجته. حصر النص بالمقيمين على الأراضي السورية من أصول كردية يعكس محاولة لتصحيح خطأ محدد دون فتح باب فوضوي لمطالب متشابكة في مرحلة انتقالية دقيقة، وهو ما يوازن بين العدالة والاستقرار.
وفيما يتعلق بتجريم التحريض على الفتنة القومية، فإن تخصيص هذا الجانب في المرسوم لا يُفهم على أنه استهداف أو تمييز، بل كإجراء وقائي في سياق شديد الحساسية. فالسلطة تدرك أن أخطر ما يمكن أن يواجه أي خطوة اعترافية هو تحويلها إلى مادة للاستقطاب والتحريض، ولذلك جاء التشديد على الخطاب الوطني الجامع كآلية حماية للمجتمع وللمرسوم نفسه.
حتى إقرار عيد النوروز عطلة رسمية لا يخرج عن هذا الإطار العام. فهو استخدام ذكي للرمزية الثقافية كأداة سياسية ناعمة، تعزز الشعور بالاندماج والانتماء دون الدخول في نزاعات قانونية أو بنيوية. في سياق ما بعد الحرب، تصبح هذه الإشارات ذات أثر تراكمي مهم في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذا المرسوم كحل نهائي أو بديل عن الدستور أو العقد الاجتماعي القادم. لكنه في الوقت نفسه لا يمكن اختزاله بمبادرة شكلية. هو تعبير عن مقاربة انتقالية تحاول قدر الإمكان إدارة التعدد، وامتصاص التوتر، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أساس الاعتراف لا الإقصاء. وفي بلد خرج من الاستبداد والحرب، قد لا تكون السياسة الرشيدة هي الأكثر اكتمالًا، لكنها بالتأكيد تلك الأكثر قدرة على حفظ الاستقرار وفتح الطريق أمام تسوية وطنية أوسع.