فنون وآداب

سقف تحت الأرض: شهادة أدبية رفيعة في زمن الانهيارات

لا تقدم المجموعة شعارات سياسية أو أيديولوجيا معلبة، بل تطرح إدانة إنسانية عميقة لواقعٍ سُلب فيه الإنسان أبسط حقوقه الفطرية

د. أحمد كنعان * العربي القديم

تُعدّ المجموعة القصصية «سقف تحت الأرض» للكاتب والإعلامي السوري نوار الماغوط تجربةً أدبيةً استثنائيةً تنضح بالمرارة والواقعية الشفافة. يغوص الكاتب، عبر نصوصها، في تفاصيل الفقد والاغتراب، مقتفيًا أثر البيوت التي لم تعد موجودة إلا في حيّز الذاكرة.

يحمل العنوان مفارقةً صارخةً تهيئ القارئ للدخول إلى عالمٍ مشوّه ومقلوب؛ فـ السقف  في العرف الإنساني واللغوي يمثل الحماية والاستقرار والارتفاع، بينما تحيل عبارة  تحت الأرض فورًا إلى الملاجئ والقبور والعزلة والارتطام بالقاع.

ويعكس هذا التناقض الصادم، بدقة، أزمة الوجود السوري والعربي المعاصر، كما يتجلى في قصتي الشجرة وسقف تحت الأرض حيث تتحول الحماية إلى مخبأ اضطراري، وتغدو الحياة فوق الأرض عيشًا سفليًا محكومًا بالخوف والترقب ومصادرة الأمان.

تتميز البنية السردية في المجموعة بالمرونة العالية والتدفق السلس، إذ يبتعد الكاتب عن التعقيد اللفظي لصالح لغة بصرية مكثفة تقترب في تقنياتها من العمل السينمائي. وكما في قصتي (شهرزاد) و(ليلى) تعتمد اللغة هنا على أسلوب السهل الممتنع؛ فهي قاسية وشفافة في آنٍ معًا، وتترفع تمامًا عن الخطابية الزاعقة والبكائيات الفجّة، مائلةً إلى التراكم الهادئ للتفاصيل اليومية المشحونة بعواطف جياشة، والقادرة على تحويل المشاهد العادية إلى لوحات درامية مؤثرة.

كما يتجلى ذلك في قصة (نصف نعل)، حيث يبني الماغوط سرديته برصد الخسارات الصامتة والتغيرات التي تطرأ على ملامح الشخصيات وجغرافيا الأمكنة، مركزًا على الشروخ النفسية والندوب الداخلية، بدلًا من الحدث الخارجي.

وفي قصتي (الصفعة) و(غطاء الطاولة)، يتقن الكاتب استخدام الجمل القصيرة اللاهثة التي توحي بالقلق، وتواكب بدقة إيقاع الطفولة والفقروالخوف، مما يجعل القارئ شريكًا في الحدث، لا مجرد متلقٍّ عابر.

تتحرك نصوص المجموعة في فلك ثالوث وجودي رمزي مكثف: (الشرف، الكرامة ، والعدالة)، ويتجلى ذلك عبر  نصوص المجموعة؛ إذ يفقد الأبطال بيوتهم وأحبّتهم وملامح حياتهم السابقة، وسط رصد للخراب الروحي والمادي. كما يتحول المكان في القصص من حيّز جغرافي إلى عبء نفسي، وتصبح الذاكرة الملاذ الأخير لاستعادة الشعور بالرضا. ويطالعنا نمط من الشخصيات المغتربة التي تحمل في دواخلها بيوتًا كاملة وتفاصيل مدنٍ لم يعد لها وجود مادي، في صياغة لجغرافيا موازية تُخلق من طين الذكريات، ليربط الكاتب ببراعة بين تآكل الأمكنة وتآكل الهويات الشخصية تحت وطأة الزمن العبثي.

وعلى خطى  الشاعر والكاتب الكبير محمد الماغوط، يحمل نوار في قلمه جينات السخرية السوداء المبطنة بالمرارة، مع تركيز شديد على الإنسان الهامشي والمطحون. وقد وظّف هذا الإرث االماغوطي والإبداعي لتعرية الواقع دون السقوط في المباشرة؛ فلا تقدم المجموعة شعارات سياسية أو أيديولوجيا معلبة، بل تطرح إدانة إنسانية عميقة لواقعٍ سُلب فيه الإنسان أبسط حقوقه الفطرية، وأولها أن يكون له سقف آمن فوق الأرض، لا تحتها.

وفي المحصلة، تشكل مجموعة سقف تحت الأرض إضافة حقيقية ومتميزة إلى المكتبة القصصية العربية المعاصرة؛ فهي تأمل سردي عميق في الفقد الصامت، وصرخة إنسانية واعية توثق مآسي العصر بلغة أدبية رفيعة. لقد نجح المؤلف في وضع القارئ بين فكي الاختناق والتعاطف في آنٍ واحد، معلنًا ولادة صوت قصصي متميز يستحق المتابعة والدراسة، ومقدمًا شهادة أدبية رفيعة المستوى عن جيل يستميت بحثًا عن الاستقرار في زمن الانهيارات الكبرى.

……………………………………………..

* طبيب وشاعر ورسام وكاتب موسوعي، ألّف وكتب في مجال التنوير وتحرير العقل، ويتبنى الدعوة إلى العدالة والديمقراطية. وله عدة مؤلفات طبية وأدبية وفكرية وتاريخية.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى