العربي الآن

موضة خطاب الكراهية في الحياة السورية

خطاب الكراهية السوري ما نزل علينا فجأة من السماء، ولا بدأ مع فيسبوك، ولا حتى مع الثورة، نحن مجتمع عاش عقوداً طويلة تحت سلطة كانت تمنع السياسة والكلام الحر عن الطائفة والإثنية والهوية، بينما المجتمع نفسه مليء بهذه الحساسيات

براء موسى- العربي القديم

كلمة “موضة” داخلة بحكينا السوري لدرجة إنو تقريباً نسينا إنها جاية بالأصل من الفرنسية mode، ومنها الشي الرائج، وخصوصاً باللبس والزينة، بس نحنا وسعنا رزقتها شوي، وصار عنا موضة مطاعم وسيارات وموبايلات واختصاصات جامعية وسفر، وحتى موضة أفكار ومواقف ومصطلحات، ولما السوري بيقول “هالقصة صارت موضة” مو شرط يكون قصده إنها كذبة، غالباً قصده إن انتشارها ما عاد سببه الحاجة أو الاقتناع فقط، بل دخل فيه التقليد والتماهي والبريستيج والرغبة باللحاق بالناس… وهي تقريباً الفكرة اللي بدي ناقشها مع “خطاب الكراهية”

 نوع غريب من النفاق الاجتماعي والسياسي

خطاب الكراهية ليس وهماً أو اختراع منظمات، بالعكس، هو موجود وخطير، ويمكن السوريين دفعوا ثمنه دماً قبل ما يتعلموا اسمه بالإنجليزي Hate Speech، لأن كتابة المصطلح بالإنجليزي بجانب العربي، متل ما رح نكتشف بهالمقالة، بتعطيه لحالها شي عشرين بالمية مصداقية أكاديمية إضافية.

بس قبل ما نسأل كيف صار “خطاب الكراهية” موضة، يمكن لازم نسأل سؤال أهم: من أين أتت كل هذه الكراهية أصلاً؟

لأن خطاب الكراهية السوري ما نزل علينا فجأة من السماء، ولا بدأ مع فيسبوك، ولا حتى مع الثورة، نحنا مجتمع عاش عقوداً طويلة تحت سلطة كانت تمنع السياسة والكلام الحر عن الطائفة والإثنية والهوية، بينما المجتمع نفسه مليء بهذه الحساسيات، يعني الطائفية موجودة بالغرفة، قاعدة معنا وعم تشرب شاي، بس ممنوع تشير إلها بإصبعك، لأنك إذا قلت “علوي” أو “سني” أو “درزي” ممكن تصير إنت الطائفي.

وهذا صنع نوعاً غريباً من النفاق الاجتماعي والسياسي. منعرف بعضنا، منعرف المناطق والعائلات والطوائف والإثنيات، ومنعرف إن السلطة بنت شبكات ولاء ومصالح وأجهزة أمن، وإن المجتمع عنده مخاوف وأحكام مسبقة متبادلة، بس الخطاب الرسمي كان يقلنا إننا كلنا “شعب عربي سوري واحد”، وكأن التنوع نفسه فضيحة لازم نخبيها، وحتى عبارة “إثارة النعرات الطائفية” كانت جاهزة لتخويف اللي بيحاول يحكي بالموضوع… يعني المشكلة مو بالطائفية، المشكلة باللي بيقول إن في طائفية.

وبعدين إجت 2011 وانفجر الغطاء، بالبداية كان جزء كبير من خطاب المظاهرات حريص بشكل واضح على الوطنية السورية، وعلى الحرية والوحدة وتجنب الطائفية، بس بنفس الوقت كانت ماكينة النظام عم تشتغل على الخوف، “فتنة”، “سلفيين”، “إمارات إسلامية”، أقليات مهددة، ومؤامرة بدها تفكك البلد، ومع ازدياد القتل والاعتقال والتعذيب والعسكرة بلشت الحدود الطائفية نفسها تقسى، وبلش يظهر خطاب طائفي حقيقي عند أجزاء من المعارضة والجمهور كمان، يعني ما عاد عنا مجرد دعاية نظام من جهة وثورة نقية تماماً من الجهة الثانية، صار عنا مجتمع عم يدخل شوي شوي بعملية تطييف للحرب نفسها.

ومن هون قصة الشعار الشهير “المسيحي على بيروت والعلوي على التابوت”، أنا بتذكر متل كثير من السوريين كيف جرى تداول هالشعار بكثافة باعتباره دليل على حقيقة الثورة كلها، بس القصة نفسها أقل بساطة من الرواية اللي استقرت براس كل طرف، في شهادات نفت سماعه بمظاهرات كثيرة، وفي شهادات وتقارير قالت إنه انسمع فعلاً بحالات محدودة، والنظام بالتأكيد استخدمه وضخمه لتخويف الأقليات، ويمكن هاد المثال بالذات بيوضح كيف بتشتغل صناعة الخوف، حادثة محدودة أو شعار موجود عند فئة صغيرة، بتاخده ماكينة سياسية وإعلامية وبتكبره لحد ما يصير تعريف لملايين الناس، وبعدين الخوف اللي صنعته الدعاية بيصير هو نفسه عامل من عوامل الواقع.

لأنو لما الناس تنقتل وتنعتقل وتتعذب وتتهجر، ولما جمهور واسع يصير يشوف أجهزة القمع مرتبطة بمخيلته بجماعة معينة، الانتقال من “هاد الجهاز قتلني” إلى “هدول قتلوني” بيصير أسهل، ومع دخول إيران وحزب الله ومقاتلين شيعة إلى جانب النظام، وبالمقابل صعود فصائل سنية وإسلامية ودعم إقليمي إلها، صار للصراع قاموس طائفي كامل، وهون بتصير الدعاية نبوءة بتحقق حالها، بتخوف العلوي من الثورة لأنها “سنية”، وبعدين القمع نفسه بيولد غضب سني طائفي، وبعدين بترجع بتفرجي العلوي هالغضب وبتقله: شايف؟ قلتلك.

فهم الكراهية ليس تبريراً لها

من هون عندي مشكلة قديمة مع الطريقة اللي استُخدم فيها لاحقاً مفهوم “خطاب الكراهية”، لأن أحياناً كان في نوع من التعالي الأخلاقي على جمهور عم يعيش قتل وقصف واعتقال وتعذيب وتهجير، واحد خسر أخوه وأبوه وبيته، وبعدين بيجيه شخص ليشرحله إن لغته بحاجة إلى Conflict-Sensitive Communication… والمصطلح ممتاز بالمناسبة، بس أحياناً المشكلة مو إنو الضحية ما تعلمت قاموسنا، المشكلة إنو عندها قبر وقهر.

 طبعاً المعاناة ما بتعطي حدا رخصة يكره جماعة كاملة، والضحية ممكن تتحول لجلاد إذا عممت ذنب جلادها على ناس ما إلهم علاقة، بس إذا بدك تعالج خطاب الكراهية لازم نفهم أول شي مصدر الكراهية، لأن فهم الكراهية ليس تبريراً لها، إذا واحد تعذب بفرع أمني على إيد ضابط علوي فيني أفهم كيف ممكن تتشكل عنده مشاعر عدائية تجاه العلويين، بس فهم الطريق النفسي والاجتماعي اللي وصله لهون ما بيعني إني أوافق لما يحمل ملايين العلويين مسؤولية الضابط… بالعكس، إذا ما فهمت الطريق، كيف بدك توقفه؟.

خطاب الكراهية بهالمعنى أقدم بكثير من Hate Speech، البشر كانوا بيكرهوا بعض وبيحرضو على بعض قبل اختراع المنظمات الدولية بوقت طويل، بس ما كان عندهم موظف مشروع يحط النشاط تحت بند Combating Hate Speech، كان في دائماً كلمات تحول الخصم من إنسان إلى كتلة، كافر، خائن، نجس، عميل، جرثومة، إرهابي… وأسهل طريق لتبرير العنف إنك تبطل تشوف الشخص المقابل كفرد، ونظام الأسد نفسه استخدم قاموس كامل من هالنوع تجاه المحتجين، يعني قبل ما نتعلم المصطلح الأجنبي كان المنتج المحلي موجود، وما كنا بحاجة للاستيراد.

بس بعد سنوات الحرب والمنفى والمنظمات صار عندنا الاسم كمان، وهون بترجع “الموضة”، وابن خلدون، بما إنو لازم يكون عنا ابن خلدون إذا بدنا المقال يطلع محترم، قال إن “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، والغالب اليوم مو ضروري يكون جيش، ممكن يكون جامعة أو مؤسسة دولية أو مانح أو نخبة ثقافية، ومنقلد قاموسه كمان، وأنا شخصياً عم أعمل هالشي بهالمقالة، بكتب “رأس المال الرمزي” وبحط جنبه symbolic capital، لأن المصطلح لما يكون بالإنجليزي بتحس سعر الجملة ارتفع شوي، وإذا ضفت بيير بورديو Pierre Bourdieu بصير المقال أكاديمي، وإذا دعوني بعدها ع ندوة ببروكسل بصير “خبير”… وساعتها الله يعينكم عليّ.

وشفنا هالآلية من بداية الثورة بأشكال مختلفة، كان “شاهد عيان” ضرورة حقيقية، وبعدين صار عند البعض صفة بتعطي ميكروفون ومكانة، ولما طلعت ع تركيا بآذار 2012 كنت اسأل السوري “شو بتشتغل؟”، يقلّي “بالإغاثة”، الثاني بالإغاثة والثالث بالإغاثة، لدرجة حسيت نص السوريين بالإغاثة والنص الثاني ناطر منظمة تفتح، والإغاثة كانت ضرورة فعلية طبعاً، بس الحاجة صنعت قطاع، والقطاع صنع وظائف، والوظائف صنعت قاموس ومكانة، وبعدين إجى المجتمع المدني ومعه advocacy وcapacity building وsocial cohesion… بتقول “تماسك اجتماعي” بيفهموك، بتقول social cohesion بتحس صار لازم يكون في مانح.

وهلق وصل الدور لـ”خطاب الكراهية”، والمفارقة إن السوري قبل ما يتعلم هالمصطلح كان عنده قاموس أقل أكاديمية ويمكن أدق أحياناً، كان يقول “عم يحرّض”، “عم يشحن العالم”، “عم يعمم”، “عم يلعب عالطائفة”، “عم يزرع فتنة”، وكل وحدة من هدول تقريباً بتقلك شو عم يعمل الشخص، بعدين تعلمنا Hate Speech  وصار فينا نحط كل هالأشياء بكيس واحد ونكتب عليه بالإنجليزي كمان… للاحتياط.

اختصار مريح لكل الاتهامات!

أنا شخصياً لمست هالشي بصفحتي، نسبة منيحة من معارضي الحكومة الحالية اتهموني علناً بنشر “خطاب الكراهية”، وممكن أكون غلطان، وممكن أكتب كلام قاسي، ومن حق أي حدا يحاسبني على جملة كتبتها، المشكلة لما التهمة تيجي بدل النقاش، ما عاد بدنا نسأل شو كتب؟ عن مين؟ هل انتقد سلطة أو جماعة سياسية؟ هل عمم فعلاً على طائفة؟ في اختصار مريح لكل هالشغل: “خطاب كراهية”… خلصت، العقل ارتاح من عناء التفكير، وصاحب التهمة أخد الموقع الأخلاقي الأعلى.

ولليوم في ناس من “الدقة القديمة” إذا قلت “علوي” أو “درزي” أو “سني” بيعتبروا إنك دخلت بالطائفية قبل ما تكمل الجملة، وهون عم يرجع إرث البعث من شباك حقوق الإنسان، زمان كان ممنوع تحكي بالطوائف لأن “كلنا شعب واحد”، واليوم عند البعض مجرد تسميتها ممكن يصير خطاب كراهية، مع إن ذكر الهوية مو كراهية، السؤال شو عم تعمل فيها، في فرق بين “في مخاوف عند العلويين لازم نفهمها” وبين “العلويين هيك”، في فرق بين محاسبة فصيل درزي وبين تحويل الدروز لجماعة متهمة، وبين نقد تيار سني وبين جعل السنة كتلة واحدة، المشكلة مو بكلمة “علوي”، المشكلة بالمسافة بين “فلان عمل” و”هدول هيك”.

ومن حوالي أسبوعين حضرت فعالية لسوريين ببروكسل عن خطاب الكراهية، أو Hate Speech طبعاً، لأننا ببروكسل والكراهية هون لازم تكون متعددة اللغات… وطلعت بانطباع محبط، حسيت إن جزء من النقاش ما كان يميز بدقة حتى بين خطاب الكراهية وبين التحريض، مع إن التحريض على التمييز أو العداء أو العنف مسألة أدق وأخطر من مجرد الكلام البغيض، والمفارقة إن وحدة من الحاضرين بعرفها ع الفيسبوك من حوالي عشر سنين كانت حاذفتني، وعلى ما يبدو بسبب موقفي السياسي المؤيد للحكومة الحالية، ومن حقها تحذفني طبعاً، حسابها مو دائرة أحوال مدنية وصداقتنا مو زواج كاثوليكي، وإذا اعتبرت حذفها إلي “خطاب كراهية” بكون أنا أول واحد خرب تعريف المصطلح، بس المفارقة أخلاقية، إذا ما منقدر نتحمل وجود شخص مختلف معنا بقائمة أصدقاء، شو بالضبط عم نعمل بساعتين حكي عن قبول الآخر؟

جزء من عدة الشغل

وهون حسيت إن “خطاب الكراهية” عند البعض صار من عدة الشغل، جنب advocacy وcapacity building وsocial cohesion، مو لأن هالمفاهيم فارغة، بالعكس، بس لأن أي قاموس مهني بعد فترة بيصير فيه ناس بتتقن أسماء الأدوات أكثر مما بتتقن استخدامها، ممكن الواحد يحكي ساعتين عن التسامح وما يتحمل مخالفه السياسي، وممكن يحكي عن الديمقراطية وما يتحمل نتيجة ما عجبته، وممكن يحكي عن حقوق الإنسان ويكتشف بالنهاية إن الإنسان المقصود تحديداً هو الإنسان اللي بيشبهه… والتسامح مع اللي بيشبهونا مو تسامح، هاد اسمه قعدة أصحاب.

لهيك أنا مو ضد مفهوم خطاب الكراهية، بالعكس، بدي نحميه من الابتذال، لما تقول “كل علوي شبيح”، أو “كل سني إرهابي”، أو تجعل كل كردي انفصالي وكل درزي خائن، هون في مشكلة حقيقية لأنك نقلت الذنب من الفرد للجماعة، أما نقد حزب أو دين أو سلطة أو أيديولوجيا أو سلوك سياسي، حتى لو كان قاسي ومزعج، مو تلقائياً خطاب كراهية، وإلا ما عاد عم نحارب خطاب الكراهية، منكون عم نحارب الخطاب اللي منكرهه.

والإفراط باستعمال التهمة ممكن بالنهاية يخدم الكراهية نفسها، إذا حطيت شخص انتقد حزب، وواحد قال نكتة ثقيلة، وواحد ناقش دور الدين، وواحد عم يدعو فعلاً لطرد جماعة أو قتلها، كلهم بنفس السلة، إنت ما وسعت المفهوم، إنت فرغته، ولما كل شي يصير خطاب كراهية ما عاد شي خطاب كراهية.

كراهية… أين تحديداً؟!

لهيك كل ما حدا قال “هاد خطاب كراهية”، يمكن لازم نرجع للسؤال البسيط: أين تحديداً؟ في تعميم للذنب؟ في تحقير للناس بسبب هويتهم؟ في نزع لإنسانيتهم؟ في تحريض على التمييز أو الانتقام أو العنف؟ ولا في رأي سياسي قاسي ما عجبنا؟

لأن المشكلة مو بالكلمات الكبيرة، المشكلة لما الكلمات الكبيرة تريحنا من التفكير، ويمكن هاي بالنهاية هي “الموضة” اللي عم أحكي عنها، مو إن القضية كاذبة، وإنما إن المصطلح بصير جاهز للاستعمال أسرع من استعدادنا نفهم معناه.

وحتى هالمقالة ما إلها حصانة… جبت ابن خلدون، ومرّقت بورديو، ورصيت مصطلحات إنجليزية بين قوسين، وحكيت عن symbolic capital وHate Speech وsocial cohesion، يعني طبقت جزء محترم من الموضة اللي عم اسخر منها، باقي بس أكتب تحت اسمي: “كاتب وباحث سوري مقيم في أوروبا، متخصص بخطاب الكراهية والتحولات الاجتماعية”، وساعتها بتكتمل الطبخة.

بس قبل ما أوصل لهالمرحلة، بفضّل أضل متمسك بالسؤال السوري الصغير اللي بيخرب كثير بريستيج… بس أحياناً بينقذ المعنى كله: “طيب… شو يعني؟”

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى