فنون وآداب

حين تتحول الأخلاق إلى أداة لإلغاء الفكر: ردّ نقدي على مقال* فواز حداد

المفكر ليس فوق الأخلاق، لكن الأخلاق ليست فوق النقد. والمفكر ليس قديساً، لكنه ليس شيطاناً أيضاً. هو إنسان، له فكره، وله مسلكه، وله سياقه

إيمان أبو عساف – العربي القديم

كنت أتوقع من روائي بمستوى فواز حداد أن يقدم مقالاً أعمق وأشمل. لكن ما قرأته كان طرحاً يختزل إشكالية معقدة في معادلة تبدو بسيطة: “الأخلاق هي الأخلاق”، ومن يفصل بين المسلك والفكر فهو “منصاع لنوازع مشبوهة”. هذه المعادلة، على بساطتها الظاهرة، تخفي وراءها إشكالات فلسفية عميقة: ما هي الأخلاق؟ ومن يحددها؟ وهل الفصل بين المسلك والفكر “مدان أخلاقياً” كما يقول، أم أنه ضرورة معرفية تفرضها طبيعة الفكر نفسه؟

لن أدّعي هنا أنني سأقدّم إجابة نهائية. لكنني سأحاول أن أطرح الأسئلة التي غابت عن طرح حداد، أو التي مرّ عليها مروراً سريعاً وكأنها محسومة. وسأحاول أن أفعل ذلك بهدوء، لأن الغاية ليست الانتصار على كاتب، بل فتح أفق أوسع للنقاش.

 الأخلاق ليست معطى مقدساً

يبدأ فواز حداد مقاله بالتأكيد على أن المثقفين ليسوا استثناءً من الأخلاق السائدة، وأنه لا يحق لهم أن يتذرعوا بـ”وازع ذاتي” مستقل لإعادة تعريف الأخلاق وفق أهوائهم. فالأخلاق، كما يقول، “هي الأخلاق”، ولا يُستثنى منها أحد، حتى لو كان مفكراً.

لكن هذه المسلمة نفسها هي أول ما يستدعي النقد. الأخلاق ليست هي الأخلاق. لم تكن يوماً معطى كاملاً ومطوّباً. هي، مثل كل نتاج إنساني، نسبية ومتغيرة، ومرتبطة تماماً بدرجة تطور المجتمع الذي تنتج فيه. إنها محددات تناسب لحظة تاريخية معينة، ثم تتغير بتغير شروط تلك اللحظة. فمن الذي يضع المعيار؟ ومن يضمن أنه أبدي لا يأتيه النقص؟ طالما أن الأخلاق منتج بشري، فهي ظاهرة بشرية، ومن المفترض أن تكون مرنة جداً. ومرونتها ليست دليل انحلال، بل دلالة على حالة موار وحراك مستمر.

هذا لا يعني إنكار القيم التي شغلت الفكر الإنساني وما زالت مفتوحة كأسئلة أبدية. لكن الفرق جوهري بين قيمة تُطرح كسؤال، وقيمة تُفرض كمعيار. الأولى تدعو إلى التفكير، والثانية تكتفي بالامتثال. وحين تتحول الأخلاق من سؤال إلى معيار مقدس، فإنها تفقد وظيفتها النقدية، وتصبح أداة للسلطة لا أداة للتحرر.

 الوازع الذاتي والأخلاق السائدة: من يحاكم من؟

ينتقل حداد بعد ذلك إلى مهاجمة ما يسميه “الوازع الذاتي” الذي يتذرع به بعض المثقفين، معتبراً أنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الأخلاق السائدة. ويرى أن هؤلاء يعيدون تعريف الأخلاق وفق أهوائهم ومصالحهم، ثم يبررون ذلك بأنهم “يستمدون أخلاقهم من داخلهم”، وهو تبرير خطير — كما يقول — لأنه يفتح الباب أمام كل أنواع الانحراف تحت غطاء “الأخلاق الذاتية”.

لكن هذه الفقرة تطرح إشكالية جوهرية: ما الفرق الذي يقيمه حداد بين “الوازع الذاتي” و”الأخلاق السائدة”؟ ولماذا يفترض أن الأول فوضوي بالضرورة، وأن الثاني عادل بالضرورة؟ إن الأخلاق السائدة نفسها ليست معطى نقياً، بل هي في كثير من الأحيان نتاج أهواء ومصالح فئة معينة فرضتها على المجتمع بوصفها “القيم العامة”. فإذا كان الوازع الذاتي مشبوهاً لأنه قد يخدم مصلحة صاحبه، فلماذا لا نوجه السؤال نفسه إلى الأخلاق السائدة؟ من وضعها؟ ولمصلحة من؟

ثم إن الافتراض بأن كل من يخالف الأخلاق السائدة هو منحرف، افتراض يلغي حقيقة تاريخية ثابتة: أن بعض أعظم الإنجازات الأخلاقية في تاريخ البشرية جاءت من الخروج على السائد. سقراط خرج على أخلاق أثينا، وابن رشد خرج على أخلاق فقهاء عصره. لو كان الخروج على السائد انحرافاً بالضرورة، لما كان هناك أي تقدم أخلاقي في التاريخ.

أما المثال الذي يسوقه حداد — مثقف يخون زميلته أو يسرق أبحاثه — فهو في حقيقته ليس نقداً للأخلاق، بل نقد للسلوك. والفرق بينهما جوهري. الخيانة والسرقة أفعال مادية لها ضحايا محددون، ويمكن محاسبتها قانونياً وأخلاقياً بمعايير واضحة. لكن حداد يستخدم هذه الأمثلة ليمرر فكرة خطيرة: أن أي خروج على الأخلاق السائدة هو بالضرورة خروج على الأخلاق ذاتها. وهذه مصادرة على المطلوب، لأنها تفترض مسبقاً أن الأخلاق السائدة هي الأخلاق الصحيحة الوحيدة.

وهنا يبرز سؤال لا مفر منه: كيف يمكننا أن نرفض الأذى الفعلي — كالخيانة والسرقة — دون أن نقع في فخ تحويل الأخلاق السائدة إلى معيار مقدس؟ الجواب يكمن في التمييز بين الفعل والفكر. الفعل الذي يضر بالآخرين يمكن محاسبته بمعايير عادلة ومتفق عليها. أما الفكر الذي يخالف السائد، فلا يمكن محاسبته إلا بالفكر نفسه. وإلا فإننا نكون قد ألغينا دور المفكر تماماً، وحولناه إلى مجرد صدى للأخلاق السائدة، لا ناقداً لها.

الوشاية والفكر: تمييز المحكمتين

لكن هنا لا بد من تمييز حاسم، حتى لا نقع في الفخ الذي يريدنا حداد أن نقع فيه. أن يكون مبدع ما قد وصل إلى الوشاية أو التعاون مع سلطة قمعية — وهذه حالات فريدة لا يمكن التسامح معها أخلاقياً — فهذا لا يعني بالضرورة أن فكره أو إبداعه يسقط بالكامل. الفعل الأخلاقي المدان شيء، والفكر الذي أنتجه صاحبه شيء آخر.

الوشاية فعل له ضحية، ويمكن محاسبته قانونياً وأخلاقياً بمعايير واضحة. لكن الفكر — حتى لو أنتجه من ارتكب الوشاية — يظل خاضعاً لشروطه الخاصة. هذه الشروط ليست أخلاقية بالضرورة، بل هي شروط معرفية: الاتساق الداخلي، القوة التفسيرية، الأصالة، القدرة على كشف ما هو مخفي. هذه الشروط لا تُقاس بسلوك صاحبها، بل بمنطق الحقل الذي ينتمي إليه.

وإلا فماذا نفعل مع تاريخ الفكر الإنساني؟ هل نشطب هايدغر لأنه انتمى إلى النازية؟ هل نلغي أعمال سيلين لأنه كان معادياً للسامية؟ هل نحذف إزرا باوند من تاريخ الشعر لأنه تعاون مع الفاشية؟ هذه أسئلة يطرحها الفكر النقدي على نفسه، لا ليدافع عن هؤلاء، بل ليعرف حدود العلاقة بين المسلك والفكر. العلاقة موجودة، لكنها ليست علاقة حتمية، ولا علاقة إلغاء.

وهنا المفارقة الكبرى في طرح حداد: هو يريد أن يحاسب الفكر بسلوك صاحبه، ثم يتهم من يفصل بينهما بأنه “يدين الأخلاق”. لكن الحقيقة أن من يفصل بينهما ليس ضد الأخلاق، بل هو ضد تحويل الأخلاق إلى أداة لإلغاء الفكر. وهذا فرق جوهري.

الوشاية تُحاسب بالعدل، لكن الفكر يُحاسب بالحجة. الخلط بين المحكمتين هو ما يجعل الأخلاق سيفاً على الفكر، لا ميزاناً للعدل.

من يحدد الخيانة؟ ومن يصنع المسايرة؟

وعندما نتساءل عن معنى “الخيانة” نفسها، نجد أنفسنا أمام سؤال أعمق: من يحدد الخيانة؟ هل هي تعريف سلطة، أو حزب، أو جماعة، بحيث تُصبح الخيانة مقدرة بالولاء والتبعية لا بالفعل نفسه؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن كل من يخرج على “الولاء المفروض” يصبح خائناً، بغض النظر عن طبيعة الفعل. وهنا يتحول المفهوم من وصف للفعل إلى أداة لإدارة الطاعة.

خذ مثال هايدغر. انحاز بتطرف للنازية، وهذا موقف لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً. لكن الفكر — كحقل معرفي — لم يشطبه. الفلسفة ما زالت تتناول فكره، لا بحياد وبرود مطلوبين فحسب، بل بوصفه إضافة حقيقية للفكر الإنساني. لم يقل أحد إن “الكينونة والزمان” باطلة لأن صاحبها انحاز للنازية. الفكر حاسب الفكر، والفكرة حاسبت الفكرة.

وإذا كان الأمر متعلقاً بمواقف مفكرين أو مبدعين حدثت أثناء المشهد السوري الممتد، فإن الحالة هنا تبدو مختلفة جوهرياً. نحن لا نتحدث عن انحياز طوعي كامل، بل عن ظاهرة تغذت بظرف الخوف والاستبداد المريع. والسؤال هنا لا يكون: “لماذا فعل هذا المفكر ما فعل؟” بل: بأي آلية استطاعت السلطات أن تسوق مفكراً أو مبدعاً للمسايرة؟ ما هي هذه الآلية؟ هل هي الترهيب المباشر؟ أم التجويع؟ أم الإغراء بالمناصب؟ أم التدجين التدريجي الذي يجعل الضحية تظن أنها لم تستسلم بعد؟

هذا السؤال هو ما يغيب عن طرح حداد تماماً. هو يريد محاسبة المفكر على مسلكه، لكنه لا يسأل عن الشروط التي أنتجت هذا المسلك. وكأن المفكر كائن معزول عن سياقه، يختار بحرية مطلقة، ثم يُحاسب كما لو أنه لم يخضع لأي ضغط. لكن الواقع أن الاستبداد لا يكتفي بقمع المفكرين، بل يعمل على تصنيع المسايرة بآليات معقدة: يخلق الخوف، ثم يقدم مخرجاً وحيداً، ثم يسمي هذا المخرج “الواقعية” أو “الحكمة” أو “المصلحة العليا”.

وهنا المفارقة الأخيرة: حداد يدين الفصل بين المسلك والفكر، لكنه هو نفسه يفصل المفكر عن السياق الذي أنتج مسلكه. يطالبه بأن يكون متسقاً مع فكره، لكنه لا يطالب السلطة بأن تكون متسقة مع أي أخلاق. يحاسب الضحية على ضعفها، ولا يحاسب الجلاد على جريمته. وهذا — في تقديري — ليس دفاعاً عن الأخلاق، بل استخداماً للأخلاق كأداة لإسكات السؤال الأصعب: من خلق هذا الواقع؟ ولماذا؟ وكيف نخرج منه؟

 المفكر ليس قديساً ولا يُطلب منه أن يكون

هنا نصل إلى جوهر الإشكال في طرح حداد: هو يفصل المفكر عن كينونته البشرية حين يطالبه بأن يكون متطابقاً مع فكره تطابقاً مطلقاً. لكن هل كان المفكر قد ضمه رحم غير بشري؟ هل عاش طفولة خارج أي مجتمع، مهما كان بسيطاً أو معقداً؟ إذا كان المفكر ابن بيئته وظروفه وتناقضاته، فلماذا نطالبه بأن يكون متطابقاً مع فكره تطابقاً مطلقاً؟ ولماذا لا يكون — في أحد جوانبه على الأقل — تحت سيطرة آلية نفسية معقدة لا نعرف عنها شيئاً؟

عندما نفترض الكمال والانسجام التام بين الفكر والممارسة، فإننا نلغي تماماً سياقات ومؤثرات عميقة ومتشابكة. الأجدر بنا أن نحاسب الفكر بالفكر، والفكرة بالفكرة، لا أن نحاكم الأفكار بسلوك أصحابها.

المفكر ليس قديساً، ولا يُطلب منه أن يكون. يُطلب منه أن يكون صادقاً مع أسئلته، لا أن يكون متطابقاً مع إجابات جاهزة. والمطالبة بالاتساق التام بين الفكر والسلوك هي مطالبة غير إنسانية، لأن الإنسان كائن متناقض، يتطور، يخطئ، يتعلم، يضعف. من يطالب المفكر بأن يكون ملاكاً، يدفعه لأن يصبح شيطاناً في الخفاء.

 نحو أخلاق نقدية لا أخلاق محكمة

الأخلاق التي يدافع عنها حداد هي أخلاق الامتثال، لا أخلاق المساءلة. هي أخلاق تُريد أن تُحاسب المفكر على مسلكه، لكنها لا تريد أن تُسائل نفسها عن الشروط التي أنتجت هذا المسلك. هي أخلاق ترفع “الأخلاق” كسلاح، لكنها لا تسأل: من وضع هذا السلاح؟ ولمن يُستخدم؟

الأخلاق الجديرة بالاسم هي التي تظل مجالاً مفتوحاً للسؤال، لا قيداً يُفرض على الفكر. هي التي تسأل عن الشروط التي أنتجت الفعل، لا التي تكتفي بمحاسبة الفاعل. هي التي تميز بين الفعل الذي له ضحية والفكر الذي له حجة. هي التي تعرف أن المفكر بشر، وأن البشر لا يُحاسبون على تناقضاتهم بقدر ما يُحاسبون على أفعالهم.

وإذا كانت الأخلاق لا تُنقد، فهي ليست أخلاقاً، بل أيديولوجيا. وإذا كانت الأخلاق لا تسأل عن الشروط التي أنتجت الفعل، فهي ليست أخلاقاً، بل أداة لشرعنة الواقع. وإذا كانت الأخلاق تحاسب الضحية وتُعفي الجلاد، فهي ليست أخلاقاً، بل انحياز مقنّع.

المفكر ليس فوق الأخلاق، لكن الأخلاق ليست فوق النقد. والمفكر ليس قديساً، لكنه ليس شيطاناً أيضاً. هو إنسان، له فكره، وله مسلكه، وله سياقه. والحكم على فكره يجب أن يظل منفصلاً — ولو جزئياً — عن الحكم على مسلكه. ليس دفاعاً عن المسلك، بل حمايةً للفكر من أن يُصادر باسم الأخلاق.

كلمة أخيرة

لم أكتب هذا الرد لأنتقص من فواز حداد، أو لأنكر وجود إشكالية حقيقية في العلاقة بين المسلك والفكر. الإشكالية موجودة، وهي معقدة. لكنني كتبته لأنني أعتقد أن طرحه — رغم نواياه — يقع في فخين: الأول أنه يقدّم الأخلاق كمعطى مقدس غير قابل للنقد، والثاني أنه يحاسب المفكر بمعزل عن السياق الذي أنتج مسلكه. وكلا الفخين يؤديان إلى نتيجة واحدة: إلغاء دور المفكر كناقد، وتحويله إلى مجرد صدى للأخلاق السائدة.

وإذا كان هناك سؤال يستحق أن نطرحه في النهاية، فهو ليس: “هل كان المفكر أخلاقياً؟” بل: “ما هي الشروط التي أنتجت هذا المفكر؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه الشروط؟” لأن الإجابة على هذا السؤال قد تكون أكثر إلحاحاً — وأكثر عدلاً — من محاسبة الأفراد على ضعفهم في مواجهة واقع لم يصنعوه.

……………………………………………………………………

*مقال فواز حداد “أخلاق لا يُستثنى منها المثقَّفون” العربي الجديد: 20/12/2022

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى