الرأي العام

عبد الباسط الساروت: صوت الثورة وأسئلتها المُحقّة

لا يزال السوريون يواجهون صعوبة في التصالح مع ذاكرتهم القريبة، وتقبّل اختلاف رواياتهم عنها، من دون أن يتحول الخلاف إلى خصومة قاسية وتخوين متبادل

بشار عبود – العربي القديم

بعيداً عن أجواء المباراة والحماسة التي رافقت لقاء كرة السلة بين ناديي الوحدة والكرامة في دمشق قبل أيام، أعادت هتافات جمهور مدرجاتها اسم عبد الباسط الساروت إلى الواجهة، وفتحت باباً لسجال يتجاوز حدود الرياضة. فبعد أكثر من سبع سنوات على رحيل أيقونة الثورة، لا يزال هذا الاسم يثير مشاعر السوريين الجيّاشة، مواصلاً حضوره كأيقونة في ذاكرتهم الجمعية. فهو بالنسبة لكثيرين، سيبقى ذلك الشاب الذي غنّى للحرية واستشهد لأجلها، غير أن هناك من لا يزال يركّز على التحولات التي شابت تجربته، وما رافقها من مواقف متناقضة وخطاب إقصائي، ليختزل فيها مسيرته كلها.  

من حق الساروت أن نعيد حكايته، ليس دفاعاً عنه أو إدانته، ولا حتى كي نُخرِج تجربته من السياق التاريخي للبلد ككل، ولكن لنفهم كيف عاش هذا الشاب ثورته بكل ما حملته من أحلام وتقلبات وخيبات. فمنذ اللحظة التي حمل فيها حارس الكرامة أهازيج مشجعي كرة القدم إلى ساحات التظاهر، بجانب رفيقة دربه الفنانة الراحلة فدوى سليمان، وصولاً إلى مرحلة المقاتل التي غيّرت فيها الحرب مواقفه وتصريحاته، تمتد سيرة مناضل تشكلت بين بدايات حملت الكثير من الأمل، ونهايات أقل ما يمكن وصفها بأنها أليمة وموجعة. فمن غير الممكن اختصار كل تلك السيرة في لحظة واحدة فقط.

لذلك، لا بد من العبور على مسيرة كل تلك التحولات القاسية التي عصفت بعبد الباسط وبالبلاد حتى يتم استيعابها وتفهمها. وربما، لهذا السبب بالتحديد، لا يزال السوريون يواجهون صعوبة في التصالح مع ذاكرتهم القريبة، وتقبّل اختلاف رواياتهم عنها، من دون أن يتحول الخلاف إلى خصومة قاسية وتخوين متبادل.

قبل الثورة، كان عبد الباسط حارس مرمى في صفوف شباب نادي الكرامة الحمصي. ومع انطلاق الاحتجاجات، أصبح ركناً أساسياً في شوارع الثورة، محوّلاً أناشيد مدرجات الملاعب وإيقاعاتها لأشعار ثورية سرعان ما وجدت طريقها إلى وجدان المتظاهرين وعقولهم. فكان الناس يرددونها وراءه ويتمايلون عليها بحماس كما كانوا يفعلون في المباريات. فقد كان أملهم كبيراً أن ينتصر أحرار سوريا على المستبد الطاغية الهارب.

لم يكن الساروت مُنظّراً سياسياً، وإنما شاباً عفوياً عرف كيف يعبّر بصوته عن مشاعر شعبه، ويحوّلها إلى أغانٍ حفظتها القلوب ورددتها الشفاه حتى صارت جزءاً خالداً من ذاكرة تلك الأيام. هكذا أصبح “بلبل الثورة السورية” واحداً من أبرز وجوهها الشعبية، يتردد صدى صوته في كل أرجاء الوطن، حاملاً الأمل بالخلاص من أعتى الطغاة. وكان الساروت يمنح أغانيه التي استمدها من ألحان مألوفة، معانٍ جديدة تليق بلحظة التظاهر. ولم يكن يتوقف عند الخلفيات السياسية لأية أغنية يشعر أنها ممكن أن تؤدي الغرض. ولعل أغنية “جنّة جنّة” خير مثال على ذلك. فمن منّا لم يردّدها ونحن نستعيد شيئاً من جرأتنا على الحلم؟

لكن الساروت الذي عرفه الناس في ساحات التظاهر لم يبقَ كما كان. حوصرت حمص، وخرج الثوار منها، وكان واحداً منهم. ومع انتقال الثورة إلى مرحلة السلاح نتيجة بطش جيش الأسد واتساع دائرة العنف والانقسام الطائفي، تبدّلت مواقف وتعابير عبد الباسط. وظهرت له تسجيلات يهاجم فيها الأقليات بلغة إقصائية، كما أعلن في مرحلة ما نيّته مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً.

بالتأكيد، لا يمكن تبرير هذه المواقف بالعفوية أو المعاناة وحدهما، فاستهداف جماعات كاملة بسبب هويتها يتناقض مع الحرية التي ثار السوريون من أجلها. لكن فهم تجربة الساروت يقتضي أيضاً النظر إلى الظروف التي عاشها في حمص، من حصار ودمار وقصف عشوائي للأحياء السكنية، وما رافقها من تعمّد الأجهزة الأمنية وإصرارها على تأجيج الانقسامات الطائفية وتعزيزها. كل هذه العوامل دفعت كثيرين نحو التشدد والقبول بفكرة الثأر. ولا يمكن إغفال دور النظام البائد في خلق هذه البيئة القاسية، من خلال تصعيد العنف إلى أقصى مستوياته، بما أسهم في ترسيخ ثقافة الإقصاء والتطرف لدى غالبية المجتمع السوري، ومن ضمنها قوى المعارضة.

بين الصدمة من مواقف الساروت اللاحقة ومحاولة فهم الظروف التي دفعته إليها، تبقى حكايته أعقد من وضعها في خانة واحدة ما لم ننظر إلى ما فعلته الحرب بأفكار الناس ومواقفهم، فضلاً عن خذلان المجتمع الدولي لآلام الشعب السوري. لذلك، من الإنصاف أن نعترف بمكانة عبد الباسط الشعبية والثورية، ومن حقه علينا، أن نقدر تجربته، وأن نرويها كما كانت بكل ما فيها من أمل وألم.

ففي مقابلة أجراها االساروت عام 2018، أي قبل نحو عام من استشهاده، قال: “كثيرون من المقاتلين لا يمتلكون هذا الوعي العالي وأنا منهم، تأخذنا العاطفة دائماً”. هذه العبارة وحدها، تفتح لنا باباً واسعاً لفهم جانب مهم من شخصيته، فهي تتضمّن اعترافاً بمدى تأثير العاطفة الثورية والرغبة في التحرر عند اتخاذ المواقف في الظروف الاستثنائية.

ومما يجدر ذكره هنا أن كثيرين ممن قدّموا أنفسهم بوصفهم أصحاب وعي ورؤية واضحة، انتقلوا من موقف إلى نقيضه بمنتهى السهولة، واختلقوا في كل مرة (لتكويعاتهم) فذلكة وتبريرات نظرية لتسويغها. ونادراً ما اعترفوا بأخطائهم أو بعجزهم عن استيعاب تعقيدات الحدث السوري وتشابكاته، وكأن الاعتراف بالخطأ ينتقص من مكانتهم. في حين أن الساروت أقرّ بوضوح بأن العاطفة الثورية كانت المحرّك الأساسي لخياراته. وهذا قد لا يجعل أحكامه بالضرورة صائبة، لكنه يكشف عن فارق جوهري بين شخص تحرّكه ثوريته ورغبته في الخلاص من نظام مجرم، وآخر يصرّ على امتلاك الحقيقة في كل مرة، حتى عندما تتناقض مواقفه بصورة جذرية.

لا يعني ذلك أن البساطة فضيلة، خصوصاً في اللحظات المفصليّة، لكنه يدعونا بكل مسؤولية لرؤية كامل التجربة بكل تفاصيلها، بدلاً من انتقاء فقط ما ينسجم منها مع مواقفنا. فقد عاش الساروت تبدّلات قاسية، تركت آثارها في مواقفه التي وثّقتها تسجيلات من مراحل الثورة المختلفة، بكل ما تحمله من تناقضات. ولم تكن هذه التحوّلات منفصلة عن مسار الثورة، بل عكست جانباً مما عاشه السوريون جميعاً خلال سنواتها الدامية.

من هنا تكتسب واقعة المباراة معناها الأوسع. فهي فرصة لقراءة كل ما مررنا به بشكل واع وأن نستفيد منه في بناء حاضر البلد ومستقبله. فلا يجوز والحال كذلك، تحميل كل جمهور فريق الوحدة مسؤولية هتاف صدر عن بعض أفراده، ولكن من المشروع أن نتساءل وبمنتهى المسؤولية الوطنية، عن سبب استمرار استدعاء رموز الثورة في منافسات يفترض أن تجمع الناس حول الرياضة، لا أن تعيد إنتاج انقساماتهم.

ربما تكمن المشكلة في أننا لم نتعلم بعد كيف نتعامل مع ذاكرتنا المشتركة بدون كراهية، ولا أن نختلف حول شخصيات ثورتنا دون تمجيد أو إقصاء. لكن بين هذه وتلك ثمة مساحة ضرورية لا بد من تأملها بانتباه، وهي أن نحترم تجربة من ثار على الظلم وما مثّله حضوره لكل السوريين. ولنستذكر معاً نشيد الساروت الخالد “كبار زغار بنعرف إنو اللي بيقتل شعبو خاين”. هذه الجملة التي تستحق لقب البيان الأول لثورة آمن بها كل السوريين وظل يرددها حارس الكرامة حتى لحظة استشهاده.  

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى