فنون وآداب

أكرم خزام في كتابه الأول: رحلة الألف سؤال وسؤال

من محاولات الرشوة وشراء الذمم، إلى التهديد والطرد من البلاد، خاض هذا الصحفي أمواجًا متلاطمة خلال رحلته الشاقة.

 رائدة حمره – العربي القديم

في كتاب «من موسكو إلى الربيع العربي.. رحلتي مع الزلازل والتحولات»، للإعلامي والصحفي الدكتور أكرم خزام، الشهير بـ«موسكوووووووو»، ستجد ما لم يُقَل على شاشات التلفزيون، ولا في الإذاعات العربية، ولا في صفحات الصحف. ستجد رحلة صحفي جاب المشارق والمغارب، ليوثّق حقبة زمنية زلزالية عصيّة على الفهم، حتى يومنا هذا.

إنها رحلة الألف سؤال وسؤال، والألف عين وعين كانت تراقبه، وتراقب تحركاته الحذرة بين ألغام الفساد والجوع وقهر الشعوب. رحلة دوّن تفاصيلها لنا وللتاريخ، بدقة وعمق، كأنما كان يدرك أن بعض الشهادات لا يجوز أن تضيع في زحام الأحداث.

يبدأ أكرم رحلته من بلاد السوفييت، التي لا نعرف عنها، نحن أبناء الشرق، سوى شذرات محدودة وحكايات تقليدية، اجتماعيًا وسياسيًا. لكن أكرم يُخرج من حقيبته الصحفية قصصًا جديدة، تبدو وكأنها مشاهد مسرحية لها رائحة ولون وصوت.

في صفحات كتابه، شممتُ رائحة انفجارات مفاعل تشيرنوبل، وركبتُ قطارات أوروبا ذات الأسعار الخيالية، هربًا من موت كان يترصدني في تلك الحكايات. استمعتُ إلى شهادات من قلب موسكووووو، لأشخاص أسهموا في رسم المشهد السياسي هناك، وخشيتُ سطوة الكارتيلات الروسية التي ظهرت في الكتاب، بل تمنيتُ، في لحظة ساخرة، لو كنتُ واحدة من جماعة الأوليغارشية أصحاب الثروات الفاحشة! تخيّلوا! كل هذا عرّفني إليه أكرم، الذي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل أخذني إلى قلب الحكاية.

ثم رأيتُ أكرم وهو يراقب تفتّح ربيع العرب في البلدان التي اجتاحها ذلك الموسم، من تونس إلى الجزائر، وغيرها من العواصم التي اهتزت تحت وطأة التحولات السياسية والاجتماعية. ذهب إلى هناك، ودوّن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، ونقل شهادات مسؤولين وشهود عيان، وطرح الأسئلة الأصعب، تلك التي لا يرغب أصحاب السلطة في سماعها، مدفوعًا برغبة ملحّة في معرفة الحقيقة ونقلها إلينا.

من محاولات الرشوة وشراء الذمم، إلى التهديد والطرد من البلاد، خاض هذا الصحفي أمواجًا متلاطمة خلال رحلته الشاقة. حتى إنني وجدتني أخشى تقليب الصفحة التالية من كتابه، خوفًا من أن أجد خبرًا عن اعتقاله، أو أن تكون مغامرته الصحفية قد انتهت على نحو مأساوي.

ومع نهاية الكتاب، أُغلقت فصول ما عُرف بـ«الربيع العربي»، لكن رحلة أكرم الصحفي لم تنتهِ. لقد شهد سقوط رؤوس الطغاة، وبقي شاهدًا على ما ارتكبوه بحق شعوبهم، وعلى أحلام أُجهضت، وأوطان دفعت أثمانًا باهظة، وإنسانية ظلت تبحث عن نافذة للحرية.

في رحلة أكرم، ألف حكاية وحكاية، وألف ليلة وليلة من الوقائع والشهادات، تتقاطع جميعها عند جوهر العمل الصحفي الشاق، ذلك العمل الذي نفتقده اليوم بشدة، في زمن تتكاثر فيه المنصات والأصوات، بينما تتراجع أحيانًا مساحة الصحافة التي تبحث عن الحقيقة مهما كان ثمنها.

هذه دعوة إلى طلاب الإعلام والعلوم السياسية، وإلى الباحثين ومنظمات المجتمع المدني، لقراءة هذه المرحلة الزمنية المزلزلة، واستيعاب تحوّلاتها، واستخلاص دروسها، بعيدًا عن الروايات الجاهزة والأحكام المسبقة.

فقلّما نعثر على قلم صحفي مهني يأخذنا إلى قصص الشعوب في الشرق والغرب، ويكشف لنا ما وراء المشهد السياسي، وتحديدًا في موسكو، حيث تختبئ خلف عناوين السياسة حكايات البشر، وصراعات السلطة، وأسرار التاريخ.

يموت الطغاة، ويعيش الصحفي شاهدًا على حكاياتهم.

اكرم خزام،،، موسكوووووو

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى