نحو تحرير الطائفة العلوية واستردادها
هزيمة الأسدية وفرار رأسها هو حجر الأساس لتحرر الطائفة العلوية من وعي زائف خلقته لديها الأسدية

أحمد برقاوي – العربي القديم
ليس هناك أشقّ على الذات المتحررة من الهويات الضيقة من أن تجد نفسها متورطة في ذكرها؛ فالسُّنّة والدروز – الموحِّدون، والإسماعيلية والعلوية والشيعة واليزيدية والمرشدية والكاثوليكية والمارونية… إلخ، هويات دينية واقعية لا شك، والأكثرية الشعبية الشامية ذات انتماء لها، إلا أقلية محدودة من المثقفين ممّن تجاوزوا هذا الانتماء.
ماذا أعني بتحرير الطائفة العلوية واستردادها؟
سرقت الأسدية الطائفة العلوية من الوطنية السورية: والطريقة التي مارسها النظام في مواجهة الطليعة المقاتلة، وبخاصة مجزرة حماة ومجازر أخرى في حلب وأي معارضة لها.
هناك مصطلح مهم لدراسة المرحلة الزائلة من الحكم، ألا وهو «الأسدية»، ويجب التمييز بين الأسدية والطوائف الأخرى، والكشف عن الأواصر التي تجمع: الأسدية مع العلوية والسُّنّة والدروز إلخ.
الأسدية ظاهرة سلطوية عسكرتارية أمنية همجية في علاقتها بالمجتمع، والشواهد على همجيتها لم تعد خافية على أحد، وهي تعفينا من ذكرها.
بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 كان يدرك أن المجتمع السوري لن يقبل بحكم الطائفة العلوية، ولهذا قرر أن يكوّن الظاهرة الأسدية.
كوّنت الأسدية، بوصفها سلطة مطلقة لا علاقة لها بالأعراف والقيم والقوانين ومنطق الدولة والسياسة والمجتمع المدني، عصبية سلطوية من جميع الطوائف والأديان والإثنيات. وكانت هذه العصبية السلطوية على نوعين:
عصبية حقيقية عسكرية أمنية إعلامية دبلوماسية، ذات ثقة بذاتها وبالمنتمين إليها، مؤسسة على الخوف على السلطة من أي خطر كان، وهي العصبية العلوية.
وكان الأسد يدرك أهمية المؤسستين العسكرية والأمنية للحفاظ على السلطة، وكان يدرك بأن ولاءهما الطائفي أمر أساسي، وعصبية من «بهارات» من السُّنّة وغيرهم، دون قيمة فاعلة، مؤيدة للعصبية الطائفية. وصارت الكليات العسكرية، مع الأيام، كليات طائفية، وتخضع لنسبة محدودة من الآخرين المختلفين.
وهكذا نشأ الوعي العام على التوحيد بين الأسدية والعلوية. هذا من جانب، ومن جانب آخر كوّنت الأسدية عصبية شكلية ذات أثر محدود من طوائف وأديان وإثنيات أخرى. تعيّنت هذه العصبية في الحزب الحاكم وأحزاب الجبهة ومجلس الشعب، ووزراء ومعاوني وزراء، وصحفيين، والمؤسسة الدينية السُّنية (وزارة الإفتاء والأوقاف)، وأثرياء جدد مرتبطين ببنية الفساد التي نخرت كل أجهزة السلطة، وقليل من العسكريين الأمراء. وهي عصبية شكلية مختارة بعناية، ودورها محدود في أوامر وتوجيهات العصبية الطائفية.
هوية مختلفة عن الأخرى
كانت كل عصبية من هاتين العصبيتين المكوِّنتين للعصبية الأسدية ذات هوية مختلفة عن الأخرى.
كانت العصبية الأولى حقيقية وصادقة، وذات إحساس بالتميّز وشعور بالخوف الذي ولّده الأسد الأب واستمر على طريقه الأسد الابن، فكانت فكرة: إمّا البقاء في السلطة أو الفناء. وكان من الضروري أن يكون حجم القوة التي تمتلكها كبيراً، ويحق للمنتمين إليها أكثر مما يحق لغيرهم. الأخطر من هذا وذاك أن الأسدية ولّدت شعوراً لدى العصبية الأسدية العلوية بالسيادة والتنمر، ويحق للمنتمين إليها ما لا يحق للمنتمين إلى غيرها. وهذا ما تبدّى في العنف اللفظي والعنف السلوكي وخرق القانون الذي أشاع الفساد.
فيما كانت العصبية الثانية الشكلية للأسدية، المتكوِّنة من الانتماءات الأخرى، عصبية صادقة في الظاهر لكنها كاذبة في الباطن، بل وحاقدة طائفياً أكثر من الحركات الاجتماعية والشعبية الطبيعية المعادية للسلطة. وآية ذلك أن الشعور بالدونية الدائم أمام الأسدية في صورتها الطائفية كان يحرمها من السعادة. لا شك بأنها كانت تمتلك فضلات قوة تغريها وتخاف على ضياعها، لكن المكبوت الشعوري العدائي لها كان كبيراً. وأعتقد بأن الأسدية في صورتها العلوية التسلطية كانت على وعي بذلك.
لم يشعر السُّنّة بهوية تعصّب في تاريخهم، ولم يشعروا بأنهم طائفة دينية، لسبب وحيد هو شعور الأكثرية بذاتها؛ ولهذا كان حزب الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي أضعف الأحزاب السورية في المرحلة الديمقراطية.
لكن الأسدية هي التي خلقت كل الشروط الموضوعية لتشكّل الوعي الهويّاتي الديني–الطائفي. وأخطر ما يكون من الوعي الهويّاتي هو وعي الأكثرية السُّنية بذاتها بوصفه وعياً بظلم الأقلية الحاكمة. فقد مست حالة التنمر الطائفي الأسدي طويلة الأمد بشعور الكرامة السُّنية بذاتها، وكونت ظاهرة التمييز في المكانة شعور الضغينة. وهكذا نشأ الوعي بالكرامة المهانة لدى الأكثرية السُّنية، حتى لدى سُنّة النظام، الذين كانوا أكثر حقداً على النظام كما تبيّن فيما بعد.
تحتاج هذه الواقعة لدى الأكثرية من الأكثرية إلى أجيال جديدة لتبرأ منها.
وحين نشأت الطليعة المقاتلة وارتكبت جرائم الاغتيال ضد النخبة العلوية العسكرية وغير العسكرية، تعزّزت الفكرة الخطيرة لدى الطائفة العلوية: إمّا البقاء في السلطة أو الموت. وكان رد السلطة قتلاً ومجازر في حماة وحلب وتدمر، مما عزّز هذا الوعي.
فعوضاً عن أن تدرك الأسدية معاني جزء من حركة الإخوان المسلحة، وخطر النزعة الطائفية التي ازدادت بعد الانتصار المادي على الطليعة المقاتلة، وأخطارها على مستقبل التعايش، اعتقدت بأنها تجاوزت أكبر خطر واجهته، وتغوّلت الأفرع الأمنية والفرق العسكرية ذات الأغلبية العلوية، وأصبح التنمر على الشعب السوري حالة طبيعية، وأصبح الخوف نمط حياة لكل ما هو منتمٍ إلى العصبية العلوية.
لم تخلق انتفاضة الشعب السوري – بأكثريته – السلمية لدى السلطة وعياً جديداً يحررها من هوية السلطة الطائفية ويساعدها على شق طريق جديدة للحياة السياسية، فواجهت الأكثرية بالوعي الأسدي القديم دون أن تدرك تغيّر الأحوال. فإذا بالهوية المقنّعة بقشرة خارجية من القومية والحداثة تخلع عن وجهها كل قناع، وانهزمت الأيديولوجيا أمام هوية متأخرة، وبالمقابل أدّى العنف هو الآخر إلى تراجع أيديولوجية المثقفين الحداثوية وبروز الهوية السُّنية لدى أغلب الجماعات المسلحة.
فإذا بالأيديولوجيا البعثية – اللباس الخارجي للنظام – تقع صريعة بالمطلق، بعد أن كانت في حال سبات تاريخي، لتستدعي الهوية الطائفية المشابهة لها من شيعة حزب الله وشيعة أبو الفضل العباس وشيعة المرشد الأعلى، وتعلن الهوية السُّنية عن نفسها في أسماء الألوية والكتائب والجيوش التي أصبحت واقعاً يستحيل القفز فوقه.
كان حجم الدمار والقتل والاعتقال والتهجير الذي قامت به الأسدية وإيران والمليشيات الشيعية وبعض المليشيات السُّنية والجيش الروسي لا مثيل له في تاريخ البشرية.
بل قل إنه لأول مرة في التاريخ تقوم سلطة بتدمير 707 (قرى، مزارع، أحياء)، وأضحت مهجورة حتى نهاية 2023، منها كثير من القرى التي جرى تهجير أهلها بسبب سيطرة النظام والمليشيات الحليفة. مئات الآلاف من القتلى، ملايين اللاجئين في الخارج والداخل، فضلاً عن مئات الآلاف الذين لم يُعرف مصيرهم حتى الآن، وبخاصة المختطفين إلى سجن صيدنايا وسجون سرية أخرى.
وبالمقابل فإن خسارة الطائفة العلوية من الأرواح الشابة كبيرة جداً بالقياس إلى عددها.
والأرقام مختلفة باختلاف المصادر، وقد تصل في بعض المصادر إلى 150 ألفاً، وفي بعضها الآخر إلى 200 ألف، فضلاً عن آلاف الجرحى.
حجر الأساس
لقد آل الصراع في سوريا بين أكثرية سُّنية وأقلية علوية وشيعية، مع مليشيات وأفراد من طوائف ومكوّنات أخرى، إلى صراع مصيري، وانتهى بهزيمة النظام الأسدي هزيمة غير متوقعة، وفرار زعيم دولة السلطة.
وعندي أن هزيمة الأسدية وفرار رأسها هو حجر الأساس لتحرر الطائفة العلوية من وعي زائف خلقته لديها الأسدية. بل إن أول من تحرروا من زوال الأسدية هم أبناء الطائفة العلوية التي دفعت ثمناً باهظاً لبقاء الأسد الذي فرّ هارباً نجاةً من خطر يناله.
لم تكن التسلطية الأسدية تسلطية دينية أو علمانية، بل لقد اختطفت الأسدية الطائفة العلوية بأساليب غير أخلاقية لتشكّل منها مؤسسة عسكرية وأمنية وإعلامية ولائية، وأضافت إلى هذه البنية التسلطية، كما قلنا سابقاً، مجموعة كبيرة من كل الانتماءات الدينية والإثنية، بل وأظهرت نفسها مدافعة عن الإسلام السُّني عبر الهيمنة على وزارة الأوقاف ومؤسساتها والخطاب السُّني المؤيد لها في كل المناسبات الدينية.
كانت الأسدية رباعية الغباء: الغباء العقلي، والغباء العاطفي، والغباء الوطني، والغباء الهَبَشي للثروة.
قاد الغباء العقلي إلى تحطيم التعايش المشترك للاحتفاظ بالسلطة.
وقاد الغباء العاطفي إلى القتل وكل أشكال انتهاك الجسد للمختلف من أجل السلطة.
وجعل الغباء الوطني كل خيانة وطنية مباحة من أجل السلطة.
وقاد الغباء الهبشي للثروة إلى تفجير اللاشعور والشعور المؤسَّسين على الفجع اللامعقول.
لقد عانت الطائفة العلوية بفعل الأسدية معاناة صعبة، وبخاصة في وعيها بذاتها ووعي الآخرين بها. لقد عاشت الاغتراب عن حقيقتها، واغترابها في وعي المجتمع غير العلوي، حتى إن العاملين في إدارات الدولة السياسية والأمنية والعسكرية من السُّنّة كانوا يخفون وعيهم المعادي للطائفة العلوية.
تنتمي الطائفة العلوية تاريخياً، وقبل الأسدية، في غالبيتها بالأصل، إلى الفئات الوسطى. والفئات الوسطى تضم العاملين في الجيش والتعليم، والموظفين في المؤسسات الحكومية والخاصة، والمثقفين، والأطباء، والمهندسين، وما شابه هذه الفئات. والفئات الوسطى هي قلب أي مجتمع كان. وقد تشكّل وعيها السياسي تاريخياً بالانتماء إلى الأحزاب العلمانية: البعث، والسوري القومي الاجتماعي، والشيوعي، والوحدوي الاشتراكي، ولم تتشكل لديها أية حركات وأحزاب دينية.
عصبية سلطوية
وإن نمط الحياة العلوية، بعاداته وتقاليده، نمط سلمي ومعشري وقروي منفتح.وإن نسبة المشتغلين بالثقافة الروحية نسبة كبيرة، ولم تكن العصبية الطائفية العلوية عصبية دينية بل عصبية سلطوية كما قلنا. ولما وجدت نفسها في قلب الخوف على مصيرها وعلى بقائها في السلطة من جهة، قررت أن تخيف المجتمع الذي هو مصدر خوفها من جهة أخرى.
ولعمري إن تحرير الطائفة العلوية من الأسدية، واستعادة مكانتها الاجتماعية، والحفاظ على كرامتها، وإعادة إدراجها في حياة سوريا، وإعادة بنائها، ليس فعلاً أخلاقياً فحسب، بل سياسة عملية ضرورية لبناء سوريا الجديدة.
والسؤال الأصعب الذي يحتاج إلى إجابة نظرية وعملية: كيف يمكن خلق وعي سُّني جديد بالطائفة العلوية، وبخاصة أن جرائم الأسدية تفوق الخيال؟ وكيف لنا أن نخلق وعياً علوياً جديداً يحرره من وعيه السابق؟
لا شك بأن العدالة الانتقالية شرط ضروري، ودونها لا يستطيع أحد أن يقتلع الحسّ الثأري لدى الأكثرية السُّنية؛ فالعدالة الانتقالية هي عملية ثأر قانونية.
فضلاً عن أن مسؤولية النخبة العلوية في الداخل على غاية كبيرة من الأهمية. وأهم ما هو ضروري: ألّا يفكر العلوي بالخلاص بوعي علوي، بل بوعي سوري، وصمّ الآذان عن خطاب الفلول في أوروبا.
بل إن تجاوز الأسدية غير ممكن إلا بتجاوز منطق دولة السلطة إلى سلطة الدولة.
وسلطة الدولة تعني دولة المواطنة، والمواطنة هي المواطنون المتساوون في الحقوق والواجبات.
وأما وقد تحررت سوريا من الأسدية، وهذا أكبر إنجاز في تاريخ سوريا، فإن استراتيجية بناء دولة المواطنة يجب أن تكون على جدول أعمال الدولة، سلطةً ومجتمعاً.
بقي لي أن أقول: إن من يتوهم أنه قادر عبر السلاح على مواجهة الدولة الجديدة، فإنه يسير على طريق الهاوية، ويؤدي إلى نهاية غير محمودة له وللمجتمع.