رفعت الأسد : نهاية “المنفى الذهبي” لـ جزار حماة
رحيل رفعت الأسد يطرح سؤالاً مؤلماً : هل يمكن لـ "جزار" أن يرحل دون أن يدفع الثمن كاملاً على أرض وطنه؟

مرهف مينو * – العربي القديم
في مشهد يختزل عقوداً من التاريخ السوري المضطرب، أسدل الستار على حياة رفعت الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد، عن عمر يناهز 88 عاماً.
لم يكن رحيله مجرد خبر عابر، بل كان إيذاناً بنهاية فصل من فصول “إمبراطورية الظل” التي حكمت دمشق بقبضة من حديد ودم.
مسيرة رفعت الأسد هي دراسة حالة كلاسيكية في كيفية تحول “الجنرال الدموي” إلى “منفي ذهبي”، يشتري حصانته بكنوز منهوبة من خزانة دولة.
صعود رفعت الأسد كان مدوياً، ارتبط بـ “سرايا الدفاع”، تلك القوة العسكرية التي لم تكن مجرد وحدة نخبة، بل كانت “الذراع الحديدية” للنظام، مهمتها ضمان بقائه.
هذا الدور هو ما جعله شخصية مكروهة وموصومة إلى الأبد في الذاكرة السورية، خاصة بعد مذبحة حماة عام 1982، التي يصفها السوريون بـ “الجريمة الكبرى”.
كان رفعت ، في أوج قوته، يمثل تهديداً وجودياً حتى لشقيقه، وهو ما تجسد في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 1984، التي أدت إلى نفيه.
ما تلا النفي كان فصلاً آخر من فصول الفساد السياسي. استقر رفعت الأسد في عواصم أوروبا، تحديداً في باريس وماربيلا، حيث عاش حياة بذخ أسطورية، ممولاً من ثروة قُدرت بمئات الملايين من اليوروهات، تم تبييضها في عقارات فاخرة.
هذه الثروة، التي أطلق عليها المحققون الفرنسيون اسم “الكنز المنهوب”، كانت بمثابة “ثمن الصمت” الذي دفعه له النظام ليغادر المشهد.
لقد وفرت له أوروبا، لسنوات طويلة، “منفى ذهبياً”، حيث تمتع بالحصانة والترف، بعيداً عن أي مساءلة.
لكن هذا الهدوء لم يدم. ففي السنوات الأخيرة، تحرك القضاء الفرنسي والإسباني، ببطء ولكن بثبات، ليلاحق “إمبراطورية الظل” المالية.
الأحكام القضائية التي صدرت ضده بتهمة غسيل الأموال واختلاس الأموال العامة، ومصادرة ممتلكاته، كانت بمثابة “العدالة المتأخرة” التي لم تكتمل إلا جزئياً.
عاد رفعت الأسد إلى دمشق في عام 2021، في خطوة وُصفت بأنها “صفقة إنقاذ” لتجنب السجن في فرنسا.
لكن حتى هذه العودة لم تمنحه نهاية هادئة، إذ اضطر للفرار مجدداً مع سقوط النظام في ديسمبر 2024، ليموت في المنفى مرة أخرى.
رحيل رفعت الأسد يطرح سؤالاً مؤلماً : هل يمكن لـ “جزار” أن يرحل دون أن يدفع الثمن كاملاً على أرض وطنه؟ الإجابة هي أن رفعت الأسد خرج من الحياة دون أن يواجه محكمة وطنية أو يقدم اعتذاراً واحداً لضحاياه.
لكن موته يفتح الباب أمام استكمال مسار استرداد الأصول المنهوبة، وهو ما يمثل خطوة رمزية نحو تحقيق “العدالة الانتقالية” التي طال انتظارها في سوريا.
…………………………………………………………
*كاتب سوري