الرأي العام

دلالات وقضايا | في النَّيروز والأعياد والاحتفالات والأعلام

فضَّل أحرار سوريا علم الاستقلال الأخضر بنجومه الثَّلاث على علم ارتبطت دلالاته بالظُّلم والإجرام

د. مهنا بلال الرشيد – العربي القديم

في آذار-مارس 2025 تزامنت احتفالات السُّوريِّين بمجموعة من الأعياد الشَّعبيَّة أو الأعياد غير الرَّسميَّة؛ لأنَّ الإعلان الدُّستوريَّ لا ينصُّ على أيٍّ من الأعياد الرَّسميَّة للجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة حتَّى الآن، ومثل هذه الأعياد ستُحدَّد لاحقًا في الدُّستور الدَّائم للجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة، لكنَّ السُّوريِّين اعتمدوا الثَّامن من كانون الأوَّل-ديسمبر عيدًا للاستقلال الثَّاني أو الجمهوريَّة الثَّانية أو عيدًا للتَّحرُّر من استبداد حزب البعث وعائلة الأسد المجرمة. ويبدو لي-بوصفي سوريًّا متابعًا ومهتمًّا-أنَّ بعض الأعياد تحتفظ بطابعها الشَّعبيِّ الجميل إن لم يعتمدها نصٌّ دستوريٌّ أو قانونيٌّ، لا سيَّما إن كان اعتمادًا قسريًّا، لا تدعمه أغلبيَّة جماهيريَّة ساحقة على النَّحو، الَّذي أرغم فيه حزب البعث البائد الشَّعب السُّوريَّ على الاحتفال بانقلاب المجرم حافظ الأسد في السَّادس عشر من تشرين الثَّاني-نوفمبر، وأطلق على هذا الانقلاب اسم الحركة التَّصحيحيَّة تزويرًا وتدليسًا؛ ولأنَّ البشر يميلون إلى الاحتفال بالمبادرة أو بالدَّافع الذَّاتيِّ، وينفرون من الاحتفال المفروض عليهم تُحافظ الاحتفالات بالأعياد الشَّعبيَّة على رونقها وجمالها الخاصِّ بها، وتحظى بمشاركات جماهيريَّة واسعة، لدى من يؤمن بفكرة ذلك العيد أو تلك المناسبة أو مَن يشارك بها بهجة وفرحًا احتفالًا حتَّى وإن لم يكن مؤمنًا بفكرتها. ولكي تمنح دولة البعث الأمنيَّة الاحتفال بانقلاب المجرم حافظ الأسد في السَّادس عشر من تشرين الثَّاني-نوفمبر طابعًا شعبيًّا أو مشاركة شعبيَّة واسعة أطلقوا على هذا الانقلاب اسم (الحركة التَّصحيحيَّة)، وفكَّر البعثيُّون وضبَّاط الأمن بطريقة لإرغام السُّوريِّين على الاحتفال بهذه (المناسبة)، الَّتي يكرهونها لأسباب كثيرة.

لم يكن أحد من السُّوريِّين الشُّرفاء يرغب بالاحتفال بهذه المناسبة إلَّا إذا سِيق لها سوقًا، لا سيَّما سائقو السَّيَّارات والحافلات، ومع بداية شهر تشرين الثَّاني-نوفمبر من كلِّ عام، يبدأ رجال المرور في عهد البعث البائد بمخالفة سائقي الحافلات، وتوزيع المهام والتَّكليفات الرَّسميَّة لتفادي المخالفات المروريَّة عن طريق إجبار السَّائقين على مراجعة شرطة المرور لإمضاء الأوراق وتفادي المخالفات المروريَّة في السَّادس عشر من تشرين الثَّاني-نوفمبر بعد أن ينقلوا النَّاس من مكان بعيد إلى ساحات الاحتفال في مراكز المدن. وكذلك أجبر مديرو الشَّركات والدَّوائر والمدارس الحكوميَّة طلَّابهم وموظَّفيهم على الخروج إلى السَّاحات العامَّة؛ لتصوِّرهم العدسات وآلات التَّصوير بين المحتفلين، وهم يرفعون الأعلام في مناسبات، لا يحبُّونها، ولا تشبههم أيضًا. وبعد الانتهاء من الاحتفال يحشد رجال الشُّرطة المحتفلين في الحافلات، ويرغمون أصحاب الحافلات على إعادتهم، ويختمون للسَّائق على مهمَّته المجَّانية وغير المأجورة كي يتفادى المخالفات المروريَّة عند عبوره الطُّرقات؛ ولمثل هذه الأسباب ينفر كثيرٌ من السُّوريِّين من بعض الأعياد الرَّسميَّة؛ لإكراههم على الاحتفال بأشياء لا يحبُّونها، أو لا تعنيهم على أقلِّ تقدير.

أعياد آذار-مارس الشَّعبيَّة في سوريا الثَّورة

بخلاف الإكراه على الاحتفالات السَّابقة بأعياد التِّشرينين (تشرين التَّحرير وتشرين التَّصحيح) وبطلهما الوهميِّ حافظ الأسد بادر السُّوريُّون إلى الاحتفال بأعياد انطلاق الثَّورة السُّوريَّة المباركة ضدَّ حكم البعث وعائلة الأسد المجرمة بين (15-18) آذار-مارس من كلِّ عام، وتلاها احتفال بعيد النَّيروز، الَّذي يحمل بقايا من عادات الشُّعوب السُّوريَّة القديمة عند احتفالها بكلٍّ من رأس السَّنة الإيبلاويَّة القديمة ويعطي اجتماع عيد عشتار أو عيد الأمِّ السُّوريَّة مع عيد النِّيروز وعيد رأس السَّنة الإيبلاويَّة هذه المناسبة طابعها الشَّعبيَّ الجميل، ويمنح المشاركة فيها بهجة عارمة؛ ولهذا شاهدنا أفراح السُّوريِّين العارمة في الحادي والعشرين من آذار-مارس 2025، وفرحنا بها لو لم تشبها بعض الأعلام والشَّوائب الَّتي سنتحدَّث عنها في الفقرة القادمة. والاحتفال بالأمِّ عشتار وأعياد دَجَن أو داجان طقوس قديمة في كلٍّ من بلاد الشَّام والرَّافدين والجزيرة الفراتيَّة، وتطالعنا وثائق إيبلا عن احتفال السُّوريِّين بهذه الأعياد منذ 2500 قبل الميلاد، وتتحدَّث هذه الوثائق عن إقامة الولائم والاحتفالات في السَّاحات العامَّة لمملكة إيبلا احتفالًا بالأمِّ وعشتار ودَجَن والرَّبيع والخصب والنَّماء، وتعدُّ (أنشودة المطر) لبدر شاكر السَّيَّاب بمثابة ملحمة شعريَّة شعبيَّة حديثة أو معاصرة، تنقل مظاهر الاحتفال بالأمِّ الأولى عشتار أو ربَّة الخصوبة وارتباطها بالدِّفء والنُّور والعطاء والنَّماء والموسم الوفير بعد الشِّتاء القارس في كلٍّ من بلاد الشَّام وبلاد الرَّافدين والجزيرة الفراتيَّة؛ فقد قال السَّيَّاب:

عيناك غابتا نخيل ساعة السَّحَر….. أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم…. وترقض الأضواء كالأقمار في نَهر

يرجُّه المجداف وهنًا ساعة السَّحر…. كأنَّما تنبض في غوريهما النُّجوم

وتغرقان في ضباب من أسى شفيف…. كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء

دفء الشِّتاء فيه وارتعاشة الخريف…..والموت والميلاد والظَّلام والضِّياء

فتستفيق ملء روحي رعشة المساء….. ونشوة وحشيَّة تعانق السَّماء

كنشوة الطِّفل إذا خاف من القمر….. كأنَّ أقواس السَّحاب تشرب الغيوم

وقطرة فقطرة تذوب في المطر… أنشودة المطر… مطر… مطر… مطر

زحمة الأعياد وشوائب دلالات الأعلام

تَغَيَّرَ كثير من أعياد بلاد الشَّام والرَّافدين وطقوس الاحتفال بها مع تحوُّلات الزَّمن وتبدُّلاتها؛ فقد احتفلت هذه المنطقة بأعياد النَّمرود، الَّذي أراد إحراق إبراهيم عليه السَّلام (1900-1800 قبل الميلاد تقريبًا) قبل أن يهاجر خليل الرَّحمن إلى مكَّة المكرَّمة، ويبدأ بنشر ديانة التَّوحيد الحنفيَّة الإبراهيميَّة، وقد تأمَّل إبراهيم-عليه السَّلام-بنور الشَّمس ودفئها، وراقب قمر السَّماء ونجوم اللَّيل وكواكبه، رغب بعبادة بعضها قبل تأمُلات زرادشت (زارادوشترا) (628-551 قبل الميلاد تقريبًا) في نور شمسه، الَّتي تحدَّث عنها في كتابه (الأفستا أو الأبستاق)، وقبل أن يعتمد الكُرد شمس زرادشت رمزًا على علم كردستان بوقت طويل. وقد تأمَّل خليل الرَّحمن في خالق هذا الكون، قبل أن يهتدي لعبادة الله سبحانه وتعالى؛ تلك التَّأمُّلات الَّتي تحدَّث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى : (فلمَّا جنَّ عليه اللَّيل رأى كوكبًا قال هذا ربِّي فلمَّا أفل قال لا أحبُّ الآفلين) [الأنعام 76].

ثمَّ ظهرت طقوس الأعياد والعبادات اليهوديَّة والمسيحيَّة والأعياد الإسلاميَّة، وسبقتها أعياد رأس السَّنة الإيبلاويَّة ثمَّ رأس السَّنة السِّريانيَّة أو عيد أكيتو في الأوَّل من نيسان. وهناك من يحتفل بالأعياد الزّرادشتيَّة، ويُشعل النَّار أو الشُّموع حبًّا بفِكر زرادشت وفلسفته وتأمُّلاته في الشَّمس والنُّور والطَّبيعة الَّتي دوَّنها في كتابه: (أفستا أو الأبستاق)؛ وهذا ما جعل نيتشه (1844-1900.م) يسمِّي واحدًا من أشهر كتبه في العصر الحديث باسم: (هكذا تكلَّم زرادشت). وهناك من يجد في نار النَّيروز شيئًا من بقايا عبادة النَّار المشهورة قديمًا في معابد بيرسوبوليس عاصمة فارس القديمة قبل أن يحطِّمها الإسكندر المقدونيُّ الكبير (356-323 ق.م). ولا نعدم أشخاصًا يحتفلون بالنَّيروز؛ لأنَّهم يرون فيه شيئًا من الدِّلالات السَّابقة كلِّها، ويحتفل آخرون لأنَّهم يحبُّون مشاركة السُّوريِّين بأفراحهم بعيدًا عن تلك الدِّلالات.  أمَّا كتاب زرادشت (أفستا) فقد شُرح في العصر العبَّاسيِّ في (زند أفستا)، وأُطلق لقب (زِنديق) أي (مؤمن بالزِّند إفستا) على مَن حافظ على زرداشتيَّه، وظلَّ يعبد النَّار، أو يتأمَّل في نور النَّار ولهبها، أو بقي على منهج زرادشت في كتابه (أفستا) أو (زند أفستا)، و(زِنديق) تعني (مؤمن بالأبستاق) أو (أفستا) أو (زند أفستا)؛ وبالمحصَّلة تدلُّ على مَن تشبَّث بطقوسه وأعياده القديمة الموروثة من الزُّرادشتيَّة أو من أزمنة عبادة النَّار في بيرسوبوليس الفارسيَّة قبل أن يغزوها الإسكندر المقدونيُّ الكبير، ويحطَّم بيوت عبادة النَّار فيها، ثمَّ تطوَّرت دلالة كلمة (زنديق)، وارتبطت بدلالات أكثر قسوة فيما بعد.

في العصور الإسلاميَّة هيمن الاحتفال بعيد الفطر بعد شهر رمضان المبارك وفي مطلع شوَّال وعيد الأضحى في ذي الحجَّة على باقي الأعياد والاحتفالات الأخرى. ومع تشكُّل خارطة البلاد العربيَّة والشَّرق الأوسط بعد نهاية الحرب العالميَّة الأولى 1918 والحرب العالميَّة الثَّانية 1945، ظهرت أعياد الاستقلال، واحتفلت الشُّعوب ضمن خرائط الدُّول النَّاشئة بأعياد جيوشها واستقلالها، ورسَّخ ظهور الأمم المتِّحدة بعض الأعياد العالميَّة المشتركة لدى شعوب الأرض كلِّها؛ مثل عيد العمَّال في مطلع أيَّار-مايو من كلِّ عام. كما تمايزت بعض الدُّول من بعضها الآخر بأعياد استقلالها تبعًا لاختلاف مناسباتها واختلاف الأيَّام والتَّواريخ، الَّتي حدث فيها الاستقلال، كما فضَّلت بعض الشُّعوب جدولةَ (يوم المعلِّم ويوم الأمِّ) بما يتناسب مع التَّقويم المدرسيِّ أو غيره؛ ومن هنا توافق عيد النَّيروز مع عيد الأمِّ ورأس السَّنة السُّوريَّة أو الإيبلاويَّة القديمة في الحادي والعشرين من آذار-مارس؛ بسبب خصوصيَّة التَّقويم الدِّراسيِّ في الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة، وقد شجَّع تزامن (عيد الأمِّ وعيد رأس السَّنة السُّوريَّة وعيد النَّيروز) بعض السُّوريِّين على المشاركة والاحتفال بالرَّقص والغناء والتَّأمُّل أنوار الشُّموع ولهب النَّار برغم الورع الدِّينيِّ، الَّذي يمنع بعضهم عن المشاركة في أيِّ طقس لا يعرفون دلالاته بشرط أن يرفع المشاركون فيه علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة لا أن يرفعوا أعلام كردستان أو إسرائيل أو غيرها؛ فعلم إسرائيل مرتبط بالظُّلم واغتصاب الأرض واحتلالها، مرتبط بالمآسي الَّتي يتعرَّض لها أهلنا في فلسطين وغزَّة، ورفعُ مثل هذا العلم يحمل دلالات لا يقبلها كلُّ حرٍّ شريف يرفض الظُّلم والعدوان. كما يدلُّ رفع علم كردستان داخل أراضي الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة على تقديم الولاء العرقيِّ لدى من يرفعه على الولاء الوطنيِّ، وهنك مَن يرى أنَّ شمس زرادشت على علم كردستان لا تناسبنا نحن السُّوريِّين؛ لكنَّها قضيَّة تخصُّ إقليم كردستان ذاته؛ لأنَّه أدرى منَّا بدلالة الشَّمس على علمه عندما يُرفع في الإقليم لا في أراضي الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة؛ ولذلك لم يعد هناك أيُّ مبرِّر لرفع هذا العلم الَّذي صار علمًا رسميًّا لإقليم مجاور، ولأنَّ الدَّولة منحت السُّوريِّين الكُرد وغير الكرد حرِّيَّتهم التَّامة للاحتفال بهذا العيد بمظاهر الاحتفال المشروعة كلَّها؛ لذلك أيضًا كان على المحتفلين ألَّا يرفعوا علم كردستان فوق أراضي الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة، بل كان عليهم ألَّا يرفعوا إلَّا علمًا واحدًا هو علم الثَّورة السُّوريَّة أو علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة المحدَّد في الإعلان الدُّستوريِّ، الَّذي أعطى الكُرد حقوقهم كاملة، ولم يُشعرهم أو يُشعر غيرهم بأيِّ تمييز عرقيٍّ أو طائفيٍّ، وكان على العقلاء أن يمنعوا رفع أيِّ علم آخر غير علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة في هذه الاحتفالات، والكُرد في الجمهوريَّة التُّركيَّة-على سبيل المثال-كُرد وطنيُّون يحتفلون بعيد النَّيروز لكنَّهم يرفعون علم الجمهوريَّة التِّركيَّة، ولا يرفعون أعلام كردستان أو إسرائيل، وكذلك تُجرِّم قوانين العالم ودساتير الدُّول كلُّها رفع أيِّ علم على أراضي الوطن غير علم الوطن ذاته، ويمكن لمن لا يشعر بالولاء لعلم الوطن والجمهوريَّة أن يفكِّر قليلًا في دلالات العيش داخل وطن يعطيه حقوقه، ويشاركه باقي أبناء الوطن باحتفالاته، لكنَّه يتجاوزهم جميعًا، ويرفع علم هذا الكيان أو ذاك الإقليم.

التَّجربة اللُّبنانيَّة

سمح حزب البعث البائد للسُّوريِّين أن يرفعوا واحدًا من علمين: علم البعث أو علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة في احتفالاتهم قبل سقوط حكم البعث وعائلة الأسد المجرمة في الثَّامن من كانون الأوَّل-ديسمبر 2024، وقد نبذ أحرار سوريا هذا العلمين منذ انطلاق الثَّورة في آذار-مارس 2011؛ لأنَّ مرتزقة بشَّار الأسد والميليشيات الدَّاعمة له ارتكبوا أفظع الجرائم تحت هذا العلم أو ذاك؛ ومن هنَّا فضَّل أحرار سوريا علم الاستقلال الأخضر بنجومه الثَّلاث على علم ارتبطت دلالاته بالظُّلم والإجرام، وجاء الإعلان الدُّستوريُّ؛ ليعلن هذا العلم علمًا رسميًّا للجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة. كان علم حزب البعث البائد منغِّصًا لكلِّ بهجة أو فرحة أو مناسبة وطنيَّة في الوقت الَّذي كان فيه علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة يوحِّد السُّوريِّين كلَّهم، ويجمع شملهم، ويشعرهم بالمساواة، ويلغي التَّمايز الحزبيَّ أو العرقيَّ أو الطَّائفيَّ فيما بينهم. وتبدو هذه الحالة أكثر وضوحًا في لبنان، وخلال متابعتنا لتاريخ لبنان الحديث منذ 14 شباط-فبراير 2005 حتَّى وقتنا الرَّاهن، كنَّا نرى الأشقَّاء اللُّبنانيِّين وهم يحملون كثيرًا من الأعلام الحزبيَّة بجوار العلم اللُّبنانيِّ، وكنَّا كمتابعين حياديِّين نشعر بكثير من مهابة المشهد والحبِّ والتَّقدير ودلالات الوحدة الوطنيَّة كلَّما طغى العلم اللُّبنانيُّ على الأعلام الحزبيَّة الأخرى؛ مثل أعلام: (تيَّار المستقبل والحزب التَّقدُّميِّ الاشتراكيِّ وحزب الجمهوريَّة القويَّة وتيَّار المردة والتَّيَّار الوطنيِّ الحرِّ وحركة أمل وحزب الله) وغيرها، مع أنَّنا لا نحمل أيَّ موقف سلبيٍّ أو إيجابيٍّ من تلك الأعلام الحزبيَّة؛ إلَّا الأعلام الَّتي شاركت بسفك دماء السُّوريِّين، لكنَّ تلك الأعلام كلَّها بقيت أعلامًا فرعيَّة لا تحمل هيبة العلم اللُّبنانيِّ وجماله ومهابته؛ لذلك كنَّا نشعر بالحبِّ والاحترام والتَّعاطف والتَّقدير لمطالب كلِّ متظاهر يحمل العلم اللُّبنانيَّ دون التَّفكير بمذهب حامل العلم أو طائفته، وفي الوقت نفسه يوقظ كلُّ علم حزبيٍّ في المتلقِّي نعرة طائفيَّة ميتة أو دفينة؛ فينتقل المشاهد من التَّفكير بدعم المتظاهر إلى الخلفيَّات الأيديولوجيَّة الكامنة وراء رفع العلم؛ ومن هنا كم نتمنَّى على السُّوريِّين كلِّ السُّوريِّين ألَّا يرفعوا أيَّ علم آخر غير علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة وعلى اللبنانيِّين كلِّ اللُّبنانيِّين ألَّا يرفعوا أيَّ علم آخر غير علم الجمهوريَّة اللُّبنانيَّة، وإن كانت دُول العالم كلُّها تُجرِّم رفع أيِّ علم آخر غير علم دولتها إلَّا في إطار التَّضامن مع بعض القضايا الإنسانيَّة، فإنَّ الواجب الأخلاقيَّ لا غيره يدعو كلَّ محتفلٍ من الآن وصاعدًا إلى التَّخلِّي عن النَّعرات الكامنة وراء رفع بعض الإعلام لصالح رفع علم الثَّورة؛ ثورة الأحرار؛ أي رفع علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة وليس أيَّ علم آخر سواه، وتدعو الواجبات الوطنيَّة والأخلاقيَّة إلى تجريم رفع أيِّ علم غير علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة في المستقبل دون ترخيص للاحتفال، الَّذي سيرفع تلك الأعلام بعد توضيح الأسباب الموجبة لرفعها بدلًا من رَفْعِ علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة ذاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى