ما بعد الأشرفية والشيخ مقصود: الدولة تختبر حدود القوة والسيادة
المسألة الهامة لا تكمن فقط في مستقبل قسد، بل في طريقة إدارة القيادة السورية لما بعد هذه العملية

ياسر الظاهر – العربي القديم
بدت العملية العسكرية للجيش العربي السوري في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب منذ عدة أيام محاولة جادة وواضحة لكسر نموذج الوجود المسلح لتنظيم قوات سوريا الديمقراطية الذي يسيطر على الجزيرة السورية والرقة وشرقي الفرات في محافظة ديرالزور منذ عام 2017 أكثر من كونها حرباً مفتوحة القوة، فالدولة السورية لم تكن تريد تحويل الأحياء السكنية في مدينة مركزية هامة كحلب إلى ساحات استنزاف قد تطول بقدر ما تسعى إلى إنهاء وجود مليشيا مسلحة، أوجدتها مجموعة من الظروف الأمنية والسياسية المحلية والدولية في داخل نسيج مدني معقد، فسكان فالحيين خليط من العرب والكرد، وغيرهم من بقية مكونات الشعب السوري.
كانت الرسالة هنا سياسية بقدر ماهي عسكرية، مفادها: أن لا سلاح خارج مؤسسات الدولة داخل المدن السورية، ولا سيادة تُدار بالتفاهمات المؤقتة خارج مؤسسات الدولة والذي تستقوي به هذه الجهة أو تلك من أي فئة كانت من فئات الشعب السوري، وأن السيادة السورية لاتدار بالتفاهمات الهشة المؤقتة.
بالمقابل يجد تنظيم قسد نفسه أمام خيارات تحصره في زاوية ضيقة، فالتصعيد داخل مدينة حلب من خلال الاستفزازات التي كان يقوم بها منذ عدة أشهر الماضية من عمليات قنص وقصف التي طالت عناصر من الأمن العام والمدنيين في أحياء حلب المتاخمة لحيي الأشرفية والشيخ مقصود، وكذلك تصريحات بعض قياداته الداعية للزحف إلى حلب ودمشق، وقد ثبت أن كل ذلك لم يمنحه أوراق قوة حقيقية على الأرض مما يجعلنا ندرك مع الكثيرين أنه قد خسر المعركة في هذه المنطقة.
وقد سعت قوات سوريا الديمقراطية منذ اللحظات الأولى للعملية العسكرية إلى استثمار الخطاب الإعلامي المتعلق بالمدنيين، عبر الترويج المكثف لروايات تتحدث عن «تطهير عرقي» بحق الأكراد، في محاولة واضحة لإعادة إنتاج سردية الضحية واستدعاء التعاطف الدولي، ولا سيما الغربي. غير أن هذا الخطاب بدا منفصلاً إلى حد كبير عن الوقائع الميدانية، إذ حرص الجيش السوري على إدارة العملية بأسلوب يقلل من الكلفة الإنسانية، من خلال فتح ممرات آمنة، ومنح مهَل زمنية للمدنيين، وتأمين أماكن إيواء داخل مدينة حلب نفسها، ما أفقد رواية «التطهير» كثيرًا من صدقيتها، وحوّلها إلى أداة ضغط إعلامي أكثر منها توصيفًا واقعياً.
في السياق ذاته، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بمثابة ضربة سياسية لقسد، إذ عكست تحولًا واضحًا في أولويات واشنطن، وغياب أي استعداد للدخول في مواجهة مع الدولة السورية دفاعًا عن مشروع حكم ذاتي أو فيدرالي. هذا الموقف فسّره كثيرون كرسالة ضمنية تمنح القيادة السورية هامش حركة أوسع وضوءاً أخضر لإنهاء هذا الملف العالق بين مماطلة قسد أمام جدية القيادة السورية في سرعة تنفيذه، وتؤكد أن الرهان على الحماية الدولية لم يعد مضمونًا، وأن لغة الإعلام ليست قادرة على تعويض اختلال موازين القوة على الأرض.
الآن ربما سيلجأ قادة هذا التنظيم الى المناورة السياسية، وطلبه مهلاً أو تفاهمات جديدة للمحاولة بالاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من النفوذ داخل المدن التي يفرض سيطرته عليها في الرقه والحسكة وشرق دير الزور دون الانخراط في مواجهة مفتوحة ستكون خاسرة، في ظل ما حققته القوات العسكرية في عمليتها من مكاسب أمنية وسياسية، ولكن المسألة الهامة لا تكمن فقط في مستقبل قسد، بل في طريقة إدارة القيادة السورية لما بعد هذه العملية، فنجاحها لا يقاس بانسحاب جنود التنظيم وسحب سلاحه الثقيل وإخلاء الحيين منهم بل بقدرة مؤسسة الدولة العسكرية والمدنية على:
– إعادة الخدمات من ماء وكهرباء ورعاية صحية وكامل سبل الحياة الطبيعية إليهما بسرعة.
-حماية جميع المدنيين دون تمييز أو انتقام.
-إنهاء عسكرة الأحياء بدل استبدال قوة مسلحة بأخرى،والاقتصار في حمايتها وفرض النظام فيها على قوى الأمن الداخلي فقط.
وأي خروج عن هذه الخطوات سيحول الإنجاز الأخير الذي قامت به الدولة إلى حالة من عدم الاستقرار وإعادة التشكيك والاحتقان.
إن ما جرى في الأيام الماضية في حلب قد يكون إعلاناً غير مباشر عن نهاية الاستثناء الحلبي اي القبول بوجود كيانات مسلحه خارج السيطرة الكاملة للدولة داخل المدن، قد يتحول أيضا إن أُسيء التعامل معه إلى حلقة جديدة من تدوير الصراع بأدوات ربما ستكون مختلفة عما سبقها، و الفرق بين هذا المسار وذاك لا تحدده البيانات العسكرية ولا خرائط السيطرة على الأرض ولا التحليلات السياسية والإعلامية أو المؤتمرات الصحفية السريعة على شاشات الفضائيات، بل القرارات السياسية التي تُحوّل القوة إلى مسؤولية والنصر إلى عدالة، والدولة إلى مظلة يحتمي بها الجميع قولاً لا فعلاً، فما بعد الأشرفية والشيخ مقصود ليس سؤالا أمنيا فقط، بل سؤال عن معنى السيادة السورية( في هذه المرحلة الهامة)
وحدود القوة، ومكانة المواطن المدني في معادلات الصراع، فإما انْ تكون هذه العملية التي أراها ناجحة مدخلاً لإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها في حلب وغيرها من المدن السورية على أساس الأمان والقانون ، أو تتحول إلى محطة أخرى في تاريخ طويل من الحلول المؤجلة التي ستعيق بناء الوطن والمواطنة، وفي كلا الحالين يظل المدني هو الفيصل والضحية الأولى إن كان الاختيار خاطئاً.