طبخة سياسيّة
سحبتُ الشّعب الطيّب من تحت الطّاولة، دلقته في الطنجرة، رششت الملح، سكبت الماء، وأوقدت تحته ناراً مستعرة.

خير الدين عبيد- العربي القديم
أغواني مصطلح “الطّبخة السّياسيّة”، لا أذكر بالضّبط هل قرأته أو سمعته، فقد كنت في سنّ الرابعة عشرَ.
مباشرة.. توجّهت إلى المطبخ، كانت أمّي تقلي الباذنجان، الصّاج على النار، الزّيت يغلي وشرائح الباذنجان تنزلق من حوافّه بمتعة أطفال يتزحلقون على حواف جدول وينغمسون بالماء، لكن.. في المطبخ السّياسي، حسب تحليلاتي المباشرة، يُقلَون بالزّيت.
***
تمعّنت في أرجاء المطبخ، أدواته، مكوّناته، علّني أفهم المعنى أكثر، وتساءلت: من يُعد الطّبخة السّياسيّة؟
في هذه اللحظة بالذات، التفتت أمّي نحوي، كانت عيناها حمراوين وفي يدها شوكة كبيرة.
صاحت: “طلاع لبرّة، وسكّر الباب وراك”.
مرّت السّنون، ولا أزال ألوك هذا المصطلح في فمي.
***
اليوم.. دخلت المطبخ، مستغلاً وجود زوجتي وأولادي خارج البيت، مرتاحاً من إرشاداتها.
لكل طبخة، كما تعرفون، مكونات ومقادير وطرق، وقد كُتبت في هذا الشأن مجلّدات، وأمامي كتابان، أزحتهما جانباً، لأنني أحبّ أن أطبخ على كيفي.
حاولت أن أبسّط المسألة، فالخزانة مثلاً عبارة عن: خشب، مسامير، زجاج.
والطّبخة السّياسيّة: وطن، حكومة، شعب.
ابتسمت، الأمور تنضج على نار هادئة.
الوطن: طنجرة. وأنزلت من فوق الرّف طنجرة المحشي الكبيرة.
الحكومة: بهارات. ملح وفليفلة حمرا ونعناع أخضر وكمّون وكزبرة وفلفل.
الأحزاب: كركم، سماق، بودرة ثوم، سمسم، وحب هال.
أمّا بالنسبة للشّعب، فالأمر بسيط للغاية، أرز أو برغل.
تعال يا ونستون تشرشل وتعلّم الطّبخ.
سحبت الشّعب الطيّب من تحت الطّاولة، دلقته في الطنجرة، رششت الملح، سكبت الماء، وأوقدت تحته ناراً مستعرة.
الجوع كافر.
الماء يبقبق، والبخار يتصاعد.
لم أحدد زمناً لاستواء طبختي، فقد كنت شارداً حالماً، أتمشّى متبختراً في رواق المطبخ.
وانتبهت.
كان الشّعب الذي طهيته قد ساح، وصار “سحلباً” لكثرة الماء والغلي.
ومما زاد الأرزّ بِلّة.. هو ضياع غطاء الطّنجرة، فكيف سأخفي الآن (مُخرجات المؤتمر التأسيسي الأوّل)؟

