الرأي العام

مقامات أمريكية | موقف “الطائفة” السنية

عبر التاريخ، كانوا أشبه بالنسيج الذي تتلاحم خلاله عناصر المجتمع على تنوعها.

د. حسام عتال – العربي القديم

ما هو موقف الطائفة السنية من المذابح التي تحصل في الساحل؟ كتب لي صديقي على المسنجر الخاص.

صداقتي مع هذا الرجل تمتد سنوات طويلة، وهي لم تتأثر باختلاف مواقفنا من الثورة السورية ومن النظام البائد ومن أشياء لا تقل أهمية مثل تفضيله للمطبخ الدمشقي فيما أميل أنا للحلبي، ولا من الاتهامات والإشارات بالبنان الموجهة لي بأنه لدي صديق “موال” – كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟

سألته إن كان يريد الجواب القصير أم الطويل، محذراً إياه أن الجواب الطويل مملّ لأنه سيكون محاضرة وليس فقط جواباً، فردّ علي قائلاً أنه يريد الاثنين. الأول للعلم والمعرفة، والثاني ليساعده على النوم في الليل. تلك هي طبيعة علاقتنا نمزج الجد بالمزاح، والواقع بالأمنيات، والخلاف بالتوافق، في محاولتنا لإبقاء صداقتنا رغم وطأة الضغوط المتراكمة خلال السنوات الماضية. 

قلت له أن الجواب القصير هو أننا ندين دون أي تردد، وبكل شدة، قتل أي إنسان برئ دون حق، حتى لو كان شخصاً واحداً، فما بالك بالعديد. وأخبرته أن هذه الإدانة هي من دون تحفّظ، فهي غير مشروطة بأن يعترف آخرون بمذابح سابقة، أو أن يعتذروا عنها، أو أن يتوبوا ويستقيموا، فالشأن ليس “اعترف بمذبحتي كي أعترف بمذبحتك.” لأنه ليس هناك من مقارنه، فلا يستوي من حرر البلد من الطغيان دون إراقة دم وأعطى عفواً عاماً، وبين من غدر بمن يحمونه ونصب الكمائن، وحاصر المشافي، ونصب القناصة على الأسطح. الإدانة غير المشروطة ليست أمراً دينياً فقط بل هي أمر مبدئي إنساني في أساسها، تتماشى مع كل الأعراف والأديان.

أما الجواب الطويل فهو يتعلق بخطئه المعجمي (lexicon) عندما قال “رأي الطائفة السنية”، وهو وصف فضفاض، لأنه ليس هناك من شيء من هذا القبيل. فلو كان هناك “طائفة” سنية، لامتدت من المغرب إلى ڤيتنام، ولشملت أكثر من خمسين دولة فيها ١،٦ مليار إنسان، لهم أهواء وآراء في كل منحى واتجاه. وحتى في بلد صغير مثل سوريا فالسنة ليسوا وحدة متجانسة، لها موقف محدد تتبعه أغلبيتها (أكثر من ٨٠٪؜ تعريفاً)، فهم يتضمنون المؤمن والملحد، والصوفي والسلفي والاخونجي، والمحافظ والمتحرر (وما بينهما)، وابن المدينة والريفي والقبلي، والوطني والقومي، والعربي والكردي، والتركماني والشركسي، وابن الساحل والداخل والجبل، والسلمي والعنيف، والمعارض والموالي، وأصناف أخرى لا حصر لها.

لذلك ليس من المستغرب أن تجد في عائلة سنية الهوية أخاً شيوعياً وآخر من الإخوان، وثالث ناصري أو بعثي، ورابع قومي سوري، وخامس صايع لا هوى له سوى الكأس والنساء الحسناوات. فعائلة معروفة كعائلة عصام العطار وأخته نجاح ليست حالة استثنائية عندما ننظر، ولو بسرعة، لتركيبة العوائل السنية الأصل في سوريا. معظم عائلات سوريا السنية مزينة بهذا التنوع، وتبتهج به، وعندما تجتمع في المناسبات تكون هناك خلافات على عدد الحاضرين، فكل واحد له رأي وشأن، إن لم يكن حقيقياً فهو فقط للوقوف “سنجق عرض”.

لذلك من الأصح النظر لسنة سوريا بأنهم ينتمون لأمة سنية بدلاً عن وصفهم بأنهم طائفة، فهم، عبر التاريخ، كانوا أشبه بالنسيج الذي خلاله تتلاحم عناصر المجتمع على تنوعها. ولعل من أسوأ أخطاء حافظ الأسد (ومن بعده ابنه بشار)، بسبب نظرتهما الطائفية الضيقة، هو محاولتهما إضعاف هذا النسيج وتمزيقه، ظناً منهما أن ذلك سيضمن لهما الخلود، لأنه كان في تلك المحاولة تمزيق أواصر المجتمع السوري بأكمله. فوصفُ المكون السني بأنه “البيئة الحاضنة” صحيح ولكن ليس بالمعنى الذي قصداه “الحاضنة للإرهاب”، والذي استعاراه من السردية الشائعة في الغرب. المكون السني هو عملياً البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية الحاضنة لكل مكونات في المجتمع السوري، والذي إن صحّ، صحّ معه المجتمع كله، وإن مرض، اشكى معه المجتمع كله. بشار الذي ورث الحكم عن والده بشكل كارثي، زاد الطين بلّة بتحالفات غريبة عن فطرة الواقع السوري، أدخلت في نسيجه خيوطاً واهنة زادت في تآكله. ورغم تماديه في القتل والتدمير والتهجير كوالده وأكثر، فقد فشل أيضاً، حتى انتهت سوريا إلى ما نراه من حالها اليوم.

ويخطئ من يظن أن حكام اليوم يسعون لإرضاء أو طمأنة ما يسمى بالأقليات (مع جلّ احترامي لهم، وهذا ليس انتقاصاً من شأنهم)، فحكام اليوم، في الحقيقة، مشغولون أكثر بعمل أصعب وأشق وأعسر، وهو استمالة وإرضاء المكون السني نفسه، والذي بسبب تنوعه، وتعدد مشاربه، واختلافه، وتضارب مصالحه وعناده، هو أعصى عن الطلب وأقسى على المراد.  إذا أردتم أن تعرفوا أين هي المعارك الحقيقية في سوريا، فيجب عدم النظر أبعد لما يحصل في مساجد وجوامع أهل السنة.

قد يقول قائل إن الأمر غير مهم، لأنه في دولة المواطنة يتساوى الأفراد بغض النظر عن اختلافاتهم الطائفية والقومية والعرقية، وهذا حق. لكن نظرة واقعية لحالنا اليوم، ولو سريعة، تُظهر بُعدنا الفكري الشاسع عن تطبيق دولة المواطنة.  وهو فكري لأنه يقبع في فكر الناس، وينعكس على تصرفاتهم، ولا يعني أبداً أن القوانين يجب تقوم على أساسه، تلك لا تقوم سوى على اساس المواطنة، والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات لكل الأفراد. يجب علينا أن نصبو إلى تكريس فكرة المواطنة ودعمها بكل ما نملك من قوة، لكن القوانين شيء والممارسة العملية شيء آخر، فنحن اليوم قد برزنا من صراع طويل مع النظام الأسدي الذي أفشل دولة المواطنة وكاد يدفنها، فالطريق أمامنا طويل، والتحدي الأساس هو في كيفية رتق النسيج السني الذي مزقه النظام الأسدي، والذي عانى وتكبد، لكنه صبر وتحمل، وأخيراً ظفر.

“هل سيرقى حكام اليوم لهذا التحدي الشاق؟” هذا هو السؤال الذي كان على صديقي أن يسألني إياه، وفشل في ذلك لأنه لم يدرك حقيقة الواقع السني، لكني أسامحه لأن صداقتنا قد تحملت أصعب المحن – حكم نظام الأسد وحرب ضروس شنها على الشعب السوري لسنوات طويلة بدت كنفق طويل مظلم لا نهاية له. لكن بقدرة قادر انقلبت الأمور في تصحيح جدلي، وهناك اليوم، على الأقل، بصيص ضوء في مدى الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى