مونودراما تحاكي وجدان السوريين: (سوناتا الربيع) معركة الشرف الشخصي في ظل دولة الإفساد
يبدو العرض برمته قراءة عميقة في وجدان الشعب السوري، المؤمن بقيم الخير والحب والجمال، الأصيل اجتماعيا في اعتداده بثقافته المحلية، وفي تقبله للآخر

محمد منصور- العربي القديم
على مدى ثلاثة أيام، قدمت دار الأوبرا بدمشق أيام (8-9-10) كانون الثاني/ يناير الجاري، عرض مونودراما لعب بطولته الفنان مازن الناطور، وكتبه جمال آدم، وأخرجه ماهر صليبي.
العرض كان قدم في دبي عام 2012 بإنتاج الفنان مازن الناطور، أما اليوم فقد تكفلت وزارة الثقافة بتبني إنتاج العرض، الذي اختلفت خاتمته عن العرض القديم، وإن لم تختلف بنيته وتفاصيله.
في كل عروض المونودراما (عرض الممثل الواحد) ثمة شخصية تحكي قصتها، أو أجزاء من سيرة حياتها… وهذا ينسجم بالطبع مع فن المونولوج، الذي هو سرد ذاتي أحادي الرؤية، أي يروي كل الوقائع من وجهة نظر السارد/ البطل. هو عرض بطولة مطلقة، وبمقدار ما تبدو مساحة الممثل واسعة على امتداد العرض كله، بمقدار ما يبدو مرهقاً وشاقا. فأنت تحاول أن تقدم دراما تغيب فيها أطراف الصراع الأخرى على الخشبة، ولا تحضر إلا من خلال ممثل وحيد، عليه وهو يروي قصته أن يستحضر كل الأصوات والشخصيات والقوى التي شكلت مسار الصراع في حياته أو أثرت فيه.
هذه الإشكالية في فن المونودراما، جعلت نص الكاتب جمال آدم في البداية، يبدو وكأنه مقال صحفي، يفتتح بذاكرة الأغاني التي غناها المطربون العرب للشام، ثم يأخذنا في خطبة عن تاريخ سوريا الممتد والحافل، ما يطرح تساؤلا كيف لأبي حسن (بطل المسرحية) الذي يعمل دهانا أن يلم بهذا التاريخ التي لا تخلو روايته من فخر شعبوي يستحق المراجعة، قبل أن نكتشف أن هذا الدهان هو أستاذ جامعي يحمل دكتوراه في التاريخ… ما يجعل دراما العمل تتحرك من افتتاحيتها الصحفية، إلى مسارها الدرامي الصحيح، وتتخلص من بعض الترهل الذي اعتراها في البداية… رغم محاولة المخرج ماهر صليبي أن يبث الحيوية في تشكيل افتتاحية بمونتاج متقن يتداخل مع حوار الشخصية وذاكرتها على نحو مسرحي موظف.
يسير العرض بعد ذلك على وقع السيرة التراجيدية لبطله، فيمزج بين العام والخاص، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الخطابي والوجداني، ولكنه في كل ذلك يبدو موقفا إلى حد كبير، في ملامسة روح المأساة السورية في عهد نظام الأسد… فهذه المأساة كانت تصنعها على الدوام، صدامات غير مقصودة بين الأفراد والسلطة، ولا تندرج في باب معارضة نظام الحكم القائم أو محاولة إسقاطه، وإنما في باب تمسك هذا الفرد أو ذاك بمبادئه الشخصية في الحياة أو في مجال عمله، أو محاولته أن يبقى شريفا ونظيف اليد، أمام سلطة دولة قائمة فبي بينتها الصلبة على الفساد، وتريد إفساد الجميع.
ومن هنا يجد أبو حسن نفسه، في مواجهة تقوده إلى الاعتقال والتعذيب في أفرع المخابرات، لمجرد أنه لم يقبل أن ينجح ابنه المعلم في قسم التاريخ الذي يعمل فيه أستاذا جامعيا… وتتداخل مأساته مع مأساة والده الذي يموت بعد فترة اعتقال قصيرة… لكن أبا حسن لا يبدو استثناء في ذلك، فهو يتذكر قصص العديد من جيرانه أو معارفه الذين كانت مشكلتهم الوحيدة هي إصرارهم على نظافة يدهم في معارك شرف شخصية.
ثمة أصالة في إبراز قيم الوفاء الاجتماعي في هذا العمل، سواء وفاء الجار لجاره، أو الزوج لزوجته، أو الحفيد لذاكرة أجداده، مقابل تغول وفساد السلطة… ولهذا يبدو العرض برمته قراءة عميقة في وجدان الشعب السوري، المؤمن بقيم الخير والحب والجمال، الأصيل اجتماعيا في اعتداده بثقافته المحلية، وفي تقبله للآخر واحترام ثقافته كما نرى في موقف الأب من زوجته ابنته الفرنسية، والذي جسده مازن الناطور بنكهة محلية مشبعة… بخلاف عشرات الأعمال الدرامية التي انتجت في عهد نظام الأسد وأساءت لقيم الشعب السوري، وحاولت وسمه بالفساد والتحلل الأخلاقي والانغلاق من أجل تبرير فساد النظام وتغوله!

مازن الناطور: مهارات تمثيلية ومواهب وحضور موظف نهض بالعرض بجدارة (العربي القديم)
إن حضور الممثل في عرض المونودراما هو ركيزة أساسية من ركائز نهوض العرض، لا نجاحه وحسب… وعلى مدار أكثر من ساعة من الزمن، يستعرض مازن الناطور كل مهاراته التمثيلية ومواهبه. وهو استعراض موفق وموظف ومرهق وليس مجانيا بأي حال من الأحوال، فيتنقل في تجسيد شخصيات الجد والجدة والجار والمحقق.. محاولا في الوقت ذاته أن يبقى أبا حسن حاضرا على الخشبة لا يغيب. وهو ينجح في أن يأخذ المشاهد معه في انتقالات وجدانية سلسة، سواء بين الشخصيات المتعددة التي يستحضرها أو بين شخصية أبي حسن بكل عذاباتها وتقلباتها الشعورية والانفعالية، فيملأ فراغ الخشبة المسرحية بحضوره واجتهاده وحرصه على أن يبقى العرض مشتعلا ينتقل من ذروة إلى أخرى.
ومما شك فيه أن المخرج ماهر الصليبي قد أضاف برؤيته الإبداعية عناصر جوهرية ساهمت في ملء هذا الفراغ الذي تخلقه المونودراما كتحدي فني بالأساس… فاستخدم ببراعة عناصر الإضاءة والصوت والشاشة في تكريس تعدد الأصوات والمستويات، وبناء سينوغرافيا مسرحية جمالية بقدر ما تبدو درامية ومفعمة بالمشهدية التي تستخدم الغرض المسرحي بثراء إن في تشكيل الديكور، أو في إثراء عملية استحضار الشخصيات… كما يمكن الوقوف عند الإضاءة بمستوياتها التعبيرية والدلالية وظلالها المرتسمة على الجدران البيضاء، فلا أجمل من الضوء الذي يغمر الخشبة قادما من كواليس المسرح، حين يقوم البطل بتكسير الجدران، حين ينتفض الشعب، إذ يصل به القهر إلى نقطة اللاعودة.
يحضر الماغوط في نص شعري على الشاشة في ختام العرض، بالتوازي مع خبر اندلاع الثورة ومشهديات: الشعب يريد إسقاط النظام، والواقع أن شبح الماغوط يحضر في بعض التفاصيل في العرض، كمهرجان صنبور الحياة، الذي يذكرنا ب”مهرجان الحنيفة” في فيلم (التقرير)… لكن بالعموم يقدم مونودراما (سوناتا الربيع) عرضا مسرحيا حيويا ومتكاملاً… يعود فيه مازن الناطور إلى الخشبة بعد غياب أكثر من اثنتي عشر عاما، وأملا في أن يعود المسرح إلى جمهوره بعد أن انقشع ضباب الرقابة التعسفية الكثيف على الفن والمسرح والأدب، الذي طالما عانت منه سوريا في ظل نظام الأسدين.