فنون وآداب

التلفزيون السوري الرسمي: هل تكفي النوايا الطيبة لإعلام منافس؟

بعد شهور من الانتظار، والمبررات، ظهرت قناة إخبارية هزيلة للأسف، افتقرت شروط التميز مرئياً وفنياً وبرامجياً، فلا برامج تحقيقات (استقصائية خصوصاً) أو وثائقيات إخبارية، ولا برامج تحليل اخباري تشرح وتفسر الخبر

عبد الرحمن ريا – العربي القديم

أثار إغلاق التلفزيون السوري لعدة أشهر بعد التحرير في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سلسلة طويلة من السجالات، لم تنتهي حين ظهرت القناة الإخبارية بعد طول انتظار، ولا أعتقد أنها ستقل عنفاً عند إطلاق القناة الفضائية في بداية رمضان “كما يعد القائمون على الإعلام الوطني”. فما الذي دعا إلى ذلك اللغط؟!

بعد عدة شهور من الاغلاق، أصدرت وزارة الاعلام بياناً أعادت فيه أسباب التأخر في إعادة افتتاح التلفزيون بعد التحرير إلى “تحديات تقنية وسياسية كبيرة”. مبرر بائس بالطبع، يدفعه البعض بأن التلفزيون السوري كان “شغّال” إلى ساعات الفجر الأولى من يوم 8 ديسمبر حين دخل الثوار إلى دمشق. فما هي تلك التحديات التي برزت صباح 8 ديسمبر ولم تكن موجودة قبله؟!

ربما يضيء الحديث عن التلفزيون السوري أيام العصابة الاسدية، مساحة تتيح للقارئ رؤية تأسيسية، قد تمكّنه من بناء رأيه الشخصي.

  عام 2000 كان عدد العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون حوالي 6000 موظف (أكبر من ملاك بعض الوزارات) ويبلغ اليوم أكثر من عشر آلاف موظف. للمقارنة فقط فإن عدد موظفي شبكة الجزيرة الشهيرة يبلغ حوالي 3000.

هذا التضخم الوظيفي الهائل يزداد أثره السيء عند معرفة آليات التوظيف التي كانت تعتمد المحسوبيات والدعم، والعلاقات مع مراكز النفوذ، ما يجعل ظهور مذيعة لديها مشاكل صوتية أمراً اعتيادياً، وما كان يؤدي إلى سيطرة طائفة ما “العلوية” على التلفزيون، إلى درجة أن أكثر من 70% من العاملين أو المتعاقدين ينتمون إلى تلك الطائفة “وفق ما أكده لي أحد كبار المدراء السابقين”.

أما الفساد فحدّث ولا حرج، لا نتكلم فقط عن عقود بمئات آلاف الدولارات تتحكم بها الرشاوى والعمولات، إلى درجة تصل بأحد مدراء التشغيل التلفزيوني إلى التفاوض مع التجار على حصته من الأرباح! ولا عن الطرق الملتوية لإنتاج البرامج وتوزيع الميزانيات المالية. ولا أيضاً عن أساليب تعديل “تسكيج” بناء التلفزيون الغريبة العجيبة التي حولت المبنى العريق إلى دكاكين كعلب الكبريت تتوزع كمتاهة يصعب على العاملين في المبنى فهمها! الفساد في التلفزيون منهجي وموغل في السوء..

يعلم مدراء الأقسام انهم في التقييم السنوي لموظفيهم سيجدون أسماء لم يسمعوا عنها أو يشاهدوها قبلاً! أما نظام البونات (طريقة خاصة بهيئة الإذاعة والتلفزيون للالتفاف على قانون العاملين والرواتب والأجور) فهو أسلوب منهجي مدروس للفساد المالي، وبقية فصول ملف الفساد تطول بالطبع.

تبقى بعد ذلك المشكلة الأساسية في التلفزيون “القديم”، مشكلة إدارية بالمقام الأول، لا هيكلية إدارية مدروسة، لا نظم رواتب وأجور، لا نظم دراسات برامجية تعتمد شرائح المتلقين وأنماطهم وطبائعهم و و و، لا أنظمة دوام مناسبة للطبيعة التلفزيونية، لا كوادر تحرير مدروسة للبرامج. لا، لا، لا… حتى أنه لا يوجد مستودعات بالمعنى الحقيقي للكلمة.

نعم أتفهم اندهاشك عزيزي القارئ ولكنها الحقيقة التي يعلمها كل العاملين السابقين في التلفزيون، فمن الناحية الهندسية كل قسم له مستودع خاص به، يحوي قطع تبديل بمئات الآلاف، يمكن لمدير القسم أو مهندسيه أن يستولوا على أحدها ويبيعوها لشركات الإنتاج، بعد أن يسجلوا انها معطلة، أو أو، دون أي متابعة أو تفتيش من الناحية العملية. أما مستودع الأشرطة التلفزيونية، فقصته طويلة ومليئة بالآلام التي انتهت بتسريب معظم الأرشيف إلى الأسواق العربية، وعندما حاول بعض المهندسين أتمتة المستودع، استطاع القائمون عليه تقويض المشروع برمته، لأسباب معروفة للجميع.

لقد كان هناك سيناريوهين للتعامل مع هذه البيئة الموبوءة، إما الاستمرار، أو اغلاق التلفزيون وإعادة بناءه من جديد. ومعلوم أن القائمين على البلد ارتأوا الاختيار الثاني. خصوصاً أن التلفزيون القديم كان مفصلاً هاماً لعصابة الأسد، له دور تسويقي وتحريضي خطير، نظرت الحكومة المؤقتة له ولأفراده على أنهم فلول في الحد الأدنى. وتلك مسألة فيها نظر، فرغم أن التلفزيون الرسمي ومعه قنوات الدنيا وسما، كانوا مثالاً صارخاً على الاعلام القذر الذي لعب أدواراً لا تقل سوءاً عما قام به جنود الأسد المجرمون على الأرض، ورغم أن الكثير من الكوادر الإدارية والتنفيذية، كانت متورطة بالدم السوري من خلال التحريض والتسويق وشرعنة إرهاب الدولة، إلا أن بعض الكوادر التنفيذية من صغار الموظفين في مفاصل كالتصوير والمونتاج والعمليات الفنية، اعتبروا العمل في التلفزيون نافذةً للرزق ليس لها بديل، إضافة إلى الخوف من النأي بالنفس (ما كان يعرض صاحبه للمساءلة على الأقل). من الناحية المثالية لن نختلف بأن أي مسوّغ لا يمكنه أن يكون مبرراً للوقوف مع الظالم، فضلاً عن التعاون معه. ولكنها من طبائع الأشياء فيما يبدو، فالثورات لا يشترك بها أكثر من 5-7% من الشعوب في أفضل الأحوال.

في العموم وكما أسلفت، تم اختيار الإغلاق كحل مؤقت استمر عدة شهور، قبل إطلاق القناة الإخبارية، كفاتحة لقنوات أخرى، فما الذي جرى خلال سنة مضت وأدى إلى ما شاهدناه وسنشاهده ربما، قريباً.

كان أول قرار إعلامي بعد التحرير، فيما تلا إغلاق الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بشكل مؤقت، إعادة تشكيل إدارة الهيئة من مجموعة شبان مندفعين، خلوقين، وموثوقين؛ من أبناء الثورة الذين قاموا بجهود وأدوار وطنية خلال سنوات الرباط في ادلب، من خلال منصات التواصل الاجتماعي.

سيكتشف أولئك الشبان خلال وقت قصير أن التلفزيون عالم آخر لا تجمعه مع منصات التواصل، حتى أساليب التصوير؛ وعوضاً عن أن تكون فترة الاغلاق فرصة لإعادة البناء المدروس والمنهجي، كانت تلك الشهور أقل من كافية ليتحسس المدراء الجدد طريقهم في عالم مجهول. ما يذكّر بقصة المخرج السينمائي الإيطالي الشهير “فيديريكو فيليني” عندما تعاقدت معه واحدة من أهم وكالات الإعلان العالمية لإخراج إعلان مدته أقل من دقيقة. على عكس ظنونه؛ سيكتشف “فيليني” خلال أول اجتماع مع الوكالة أن المهمة أصعب بكثير مما كان يعتقد، وأن جوائزه العالمية في مهرجان “كان” وغيره، لم تنفعه في عالم آخر لا يجمعه مع السينما التي امتلك ادواتها، سوى أن الإثنين يتم تصويرهما بكاميرا.

ليس ذنب هؤلاء الشباب أنهم قبلوا بمهمة اعتبروها استمراراً لتضحياتهم في سبيل البلد، ولا يمكن اعتبارهم فاشلين؛ كل المطلعين والقريبين من مطبخ إعادة بناء هيئة الإذاعة والتلفزيون مجمعون على اجتهاد الكوادر الادارية التي تم تعيينها. ولكنهم ببساطة لا يعرفون كيف، وليس لديهم معلومات أكاديمية سابقة بالإعلام أو الصحافة أو الهندسة التلفزيونية. حقيقة الامر التي يخجل معظمنا “أو يهاب” من ذكرها أن المسؤولية تقع على عاتق من اتخذ القرار، “مهما علا شأنه”.

يمكن فهم حساسية المكان والرغبة في تفضيل الولاء لمثل هذه المناصب، (والفهم لا يعني الموافقة بالطبع)، لكن ألم تكن هناك حلول أخرى، كتعيين مجلس أمناء من خبراء يمكنهم أن يوجهوا العمل. أو الاستعانة بخبرات في الهيكلة الإدارية، وأخرى لصنع أنظمة هندسية متكاملة ومؤتمتة، وخرائط برامجية مدروسة… للأسف لم يحصل كل ذلك، وأعاد القائمون “اختراع العجلة” من جديد وفق سياسة “النفخ” المعروفة، ولم يعد غريباً أن تصلك خوارزمية هيكلية إدارية ركيكة لا تتميز إلا بشكلها، تقوم على اجتهادات تم رسمها بإتقان، وارسالها للموظفين والأصدقاء لأخذ رأيهم! كما لا يجب على صحفي شهير ان يستغرب استشارته على الهاتف، بأسماء برامج “تضرب بالسوق” دون دراسة برامجية وظيفية وبنيوية. النوايا طيبة بالطبع، ربما تكون ضرورية، لكنها حتماً غير كافية للنجاح.

بالمحصلة، وتحت ضغط الشارع، المتطلّع لسماع الرواية الرسمية في الشهور الأولى لولادة سورية الجديدة. كان لا بد من حرق المراحل:

  • اجتماعات متعجلة لوضع أسماء البرامج قبل إتمام الدراسات البرامجية المهنية”
  • السعي وراء فقاعة تقنية اسمها بث HD دون النظر في ضرورة تكامل مفاصلها هندسياً.
  • توظيف سريع لأي كفاءة (أو نصف كفاءة) “تعرض نفسها”، دون هيكلية إدارية، أو منظومة رواتب وأجور، أو حتى توصيف وظيفي في بعض الأوقات، ما أدى لزيادة الترهل، وتوتر العمل اليومي بين الكوادر القديمة التي تنظر بعين الحقد لكوادر جديدة لا تزيد عنها كفاءة، لكنها تقبض عشر أضعاف الراتب أو أكثر أحياناً. عدا عن التخبط في إيجاد مسؤوليات لموظفين جدد، تم تعيينهم قبل معرفة كيفية استثمار خبرتهم.

كل ما سبق دون دراسات إدارية وبرامجية وهندسية، كان يمكنها ان تجعل فترة الاغلاق فرصة ذهبية لإجراء نقلة نوعية تعيد الاعلام المرئي إلى الحياة الصحية، بدلاً من سابق عهد التلفزيون في لعق أحذية العصابة الأسدية بعدسات ممزوجة بالدم.

بعد شهور من الانتظار، والمبررات، ظهرت قناة إخبارية هزيلة للأسف، افتقرت شروط التميز مرئياً وفنياً وبرامجياً، فلا برامج تحقيقات (استقصائية خصوصاً) أو وثائقيات إخبارية، ولا برامج تحليل اخباري تشرح وتفسر الخبر، ما أجبر المتلقي السوري على البحث في قنوات أخرى عن أخبار بلده (منها مصادر اسرائيلية للأسف، اضطررنا لمتابعتها لمعرفة ما جرى من مفاوضات مؤخراً!).

لا يعني ذلك طمس عيوننا عن بعض الإيجابيات في الخطاب الإعلامي ومساحة الحرية الإعلامية، أو بعض الاضاءات البرامجية التي نجحت في اجتذاب متابعة المتلقي؛ أقصد هنا برنامج “على الطاولة” للإعلامي معاذ محارب، الذي نقل برنامجه إلى القناة الإخبارية من محطة سوريا التي كان يعمل بها.

أما القناة الفضائية (قناة دراما أو أسرة) فقد تأخر ظهورها، ويبدو من الوعود الرسمية أن النية تتجه لإطلاقها في رمضان القادم، دون تغيير في أساليب التحضير. فهل يتوقع القائمون على الاعلام اختلافاً في النتائج!

بعد تأجيل لأكثر من سنة في ظهورها واعتياد المتلقي على غيابها، أليس الأجدى تأخير ذلك قليلاً بعد، وإعادة انجاز الأمور بشكل منهجي؟ لا نقصد فقط إيجاد حلول لمشكلة الترهل الوظيفي، أو الدراسات والهيكليات الإدارية والبرامجية والهندسية. هناك حاجة لإجابات خارج الصندوق.

لماذا لا نستفيد من تجربة شبكة الجزيرة الإعلامية القطرية الشهيرة؟ إن إطلاق قناة مشتركة يملك القطاع الخاص 51% من أسهمها، وتتبع وزارة الخارجية عوضاً عن وزارة الاعلام التي احتفظت بالقناة التقليدية، كان حلاً فريداً ذو نتائج باهرة. فلم لا تكون هناك شبكة إعلامية تتبع وزارة الرياضة والشباب، وأخرى تتبع وزارة الثقافة مثلاً؟ أليس في ذلك حلاً لمشكلة الترهل الوظيفي في التلفزيون. ناهيك عن فوائد كثيرة أخرى.

لقد اقترح الراحل “عبد النبي حجازي” حلاً سحرياً أتاح للتلفزيون الرسمي فضاءات من التعاون مع شركات الإنتاج الخاصة ولّدت مواسم رمضانية غنية باعتبارات مختلفة. أليس في الإمكان ابتكار أساليب جديدة تجعل القناة الفضائية منافسة في سوق صعب!

الحلول عديدة وممكنة، لكنها جميعاً تنتظر إجابة يجب أن تقدمها جهات عليا حول معضلة الولاء والكفاءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى