الرأي العام

الخرافة في زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

عانى السوري طويلاً من إعلام رسمي لا يقول كل الحقيقة، أو يختار الحقيقة التي تخدمه، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف ملايين الأصوات إلى هذا المشهد. والنتيجة ليست دائماً مزيداً من المعرفة. بل مزيداً من الضجيج.

د. زياد الغزالي- العربي القديم

ليست الخرافة مجرد حكاية قديمة عن الجن والعين والحسد، ولا مجرد تفسير بدائي للظواهر التي عجز الإنسان عن فهمها. الخرافة، في جوهرها هي طريقة تفكير، تمنح الإنسان إجابة جاهزة   ويقيناً سريعاً عندما يعجز عن السؤال. ولهذا لم تختف الخرافة مع انتشار التعليم والجامعات والهواتف الذكية والإنترنت. على العكس، دخلت الخرافة عصرها الذهبي الجديد، فالهاتف الذي يتيح للإنسان الوصول إلى مكتبات العالم في ثوان، يستطيع في الوقت نفسه أن يحوّل إشاعة مجهولة المصدر إلى حقيقة يتداولها الآلاف. والمنصة التي تمنح الباحث إمكانية الوصول إلى آلاف الدراسات، تمنح أيضاً صاحب أكثر الأفكار غرابة القدرة على الوصول إلى الجمهور نفسه. لقد تغيرت أدوات الخرافة، لكن بنيتها العقلية بقيت كما هي.

كانت الخرافة في الماضي تحتاج إلى راوٍ ومجلس وذاكرة جماعية تحفظها وتنقلها من جيل إلى جيل. أما اليوم فلا تحتاج إلا إلى هاتف واتصال بالإنترنت. صورة بلا مصدر، مقطع مجتزأ، تسجيل صوتي مجهول، عنوان مثير، أو قصة تبدأ بعبارة وصلني من شخص موثوق، وكلها قادرة على أن تتحول خلال ساعات إلى حقيقة اجتماعية يصعب تفكيكها. تشير اليونسكو  إلى أن البيئة الرقمية جعلت التضليل والمعلومات الكاذبة أكثر سرعة وانتشاراً، وربطت مواجهة ذلك بضرورة امتلاك مهارات التفكير النقدي ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية.

من أكثر الأخطاء شيوعاً الاعتقاد بأن الخرافة نتيجة مباشرة للأمية. الحقيقة أن الواقع أكثر تعقيداً. قد يكون الإنسان متعلماً، وربما يحمل أكثر من شهادة جامعية، لكنه يؤمن بنظرية مؤامرة لا دليل عليها، أو يرفض حقيقة علمية لأن جماعته ترفضها، أو يصدق خبراً لأنه ينسجم مع موقفه السياسي، أو يشارك معلومة طبية لأنه سمعها من شخص يثق به. هنا نكتشف أن المشكلة ليست دائماً في كمية المعرفة، بل في نوع العلاقة التي تربط الإنسان بالمعرفة. فالعقل النقدي لا يسأل فقط: ماذا أعرف؟ بل يسأل: كيف عرفت؟ ما الدليل؟ من أين جاءت المعلومة؟ هل توجد مصادر أخرى؟ هل يمكن أن أكون مخطئاً؟ وهذه الأسئلة البسيطة هي في الحقيقة إحدى أعقد المهارات التي يحتاجها الإنسان المعاصر. التكنولوجيا لا تصنع عقلاً حديثاً، يمكن لإنسان أن يمتلك أحدث هاتف في العالم، لكنه يستخدمه بعقل قرون مضت. يمكنه أن يطلب سيارة عبر تطبيق، ويحوّل المال إلكترونياً، ويتابع الأسواق العالمية لحظة بلحظة، ثم يفسر مرضاً أو أزمة اقتصادية أو حدثاً سياسياً بمنطق الخرافة.

ربما تكون الخرافة المتعلقة بالحسد أو الأبراج أقل خطراً من الخرافة السياسية. فالخرافة السياسية قادرة على صناعة الكراهية، وتبرير العنف، وإعفاء الجماعات من مسؤوليتها، وتحويل الخصم إلى كائن شرير لا يستحق الحوار.

 في سوريا، أصبحت العلاقة مع الحقيقة أكثر تعقيداً. لقد عانى السوري طويلاً من إعلام رسمي لا يقول كل الحقيقة، أو يختار الحقيقة التي تخدمه، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف ملايين الأصوات إلى هذا المشهد. والنتيجة ليست دائماً مزيداً من المعرفة. بل مزيداً من الضجيج. كل جماعة تستطيع اليوم أن تنتج روايتها الخاصة، وتجمع حولها جمهورها، وتعيد نشر المعلومات التي تؤكد قناعتها، وتتجاهل ما يناقضها. وهنا لا تعود المشكلة أن أحداً يكذب والآخر يقول الحقيقة فقط، بل يصبح كل طرف محاطاً ببيئة معلوماتية تجعله يرى العالم من نافذة واحدة.

 الذكاء الاصطناعي أدخل الخرافة مرحلة جديدة. لم تعد المشكلة في الأخبار الكاذبة التي يصنعها الإنسان، بل في المحتوى الذي تستطيع الآلة إنتاجه. الصورة أو الصوت أوالفيديو لم تعد دليلاً بالضرورة. ومع تطور المحتوى الاصطناعي والتزييف العميق، أصبح من الممكن إنتاج مواد تبدو حقيقية بدرجة كبيرة، الأمر الذي يزيد أهمية القدرة على التحقق من المصدر والسياق والأدلة. وقد حذرت اليونسكو من أن المحتوى الاصطناعي والتزييف العميق يفرضان على التعليم أن يتجاوز مجرد اكتشاف التزييف إلى تعليم الناس كيفية التعامل مع الحقيقة والمعرفة في بيئة رقمية أكثر غموضاً. وهنا نصل إلى مفارقة جديدة. في الماضي كان الإنسان يقول: رأيت ذلك بعيني، أما الآن فقد لا تكفي العين وحدها.

التعليم هو خط الدفاع الأول. إذ لا يمكن مواجهة الخرافة بإصدار البيانات أو حذف المنشورات أو السخرية من أصحابها. العقل الخرافي لا يتغير بالإهانة. إنه يتغير عندما يتعلم صاحبه كيف يفكر، ولهذا ينبغي أن ننتقل من تعليم الطالب الإجابة الصحيحة إلى تعليمه كيف يصل إليها، يجب أن يصبح السؤال جزءاً من التعليم، لا خروجاً عليه، والبحث أهم من الحفظ، والتجربة أهم من الرواية، والقدرة على تغيير الرأي عند ظهور دليل جديد يجب ألا تكون علامة ضعف، بل علامة نضج. إننا بحاجة إلى جيل يستطيع أن يقول: لا أعرف. وهذه الجملة الصغيرة ربما تكون واحدة من أعظم علامات التقدم الحضاري. ولا يمكن بناء دولة حديثة بعقل يصدق كل ما يقال له، الدولة الحديثة ليست دستوراً ومؤسسات فقط. إنها ثقافة تقبل الاختلاف، وتحترم الدليل، وتفصل بين الحقيقة والرأي، وبين النقد والكراهية، وبين العدالة والانتقام.

في النهاية، لم تنتصر التكنولوجيا على الخرافة. لقد منحتها أدوات جديدة. والمعركة الحقيقية هي بين عقل يسأل وعقل يكتفي بالتصديق، وبين مجتمع يرى في المعلومة بدايةً للبحث، ومجتمع يراها نهايةً للنقاش. ومن يحاول أن يخرج من إرث طويل من الخوف والاستبداد والانقسام، لا بد أن يكون تحرير العقل من الخرافة شرطاُ سابقاً على كل إصلاح آخر.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى