فنون وآداب

المجتمع والدولة وحدود الفن: ماذا تكشف التجربة الإيرانية لسوريا الجديدة؟

من حفل أصالة في دمشق إلى سؤال المجال العام والتنوع

براء الجمعة – العربي القديم

في السابع عشر من أيلول 2026، وقفت أصالة نصري على مسرح صالة الفيحاء في دمشق، في أول حفل رسمي معلن لها في سوريا منذ نحو ستة عشر عاماً (منذ شباط 2010). وقد سبقت الأمسية حملة من الاعتراضات الدينية التي قادها دعاة سلفيون وطالبت بإلغاء الحفل وسائر الفعاليات الغنائية بحجة مخالفتها القيم الدينية، فيما أعلنت وزارة الثقافة السورية رعايتها للحفل. تحولت المناسبة الفنية إثر ذلك إلى نقاش متعلق بحدود المجال الثقافي العام في سوريا الجديدة؛ وحول الجهة التي تملك حق تحديد ما يجوز أن يسمعه الناس أو يشاهدوه، وما إذا كان اعتراض فئة اجتماعية على نشاط فني يُعدّ مسوغاً كافياً لتأسيس قاعدة عامة للمنع.

قد يبدو هذا التساؤل حديثاً في سوريا، وتبرز التجربة الإيرانية كواحدة من الحالات التي تستحق القراءة المتأنية في هذا السياق، بوصفها تجربة حاولت فيها الدولة تنظيم الموسيقى والغناء والحضور الفني في المجال العام وفق مرجعية دينية وسياسة ثقافية رسمية، لتضطر بمرور الوقت إلى التعامل مع واقع اجتماعي أكثر تعقيداً من أي هيكل إداري.

تتيح المعاينة الميدانية في الجامعات الإيرانية رصد الفارق بين النص الرسمي والممارسة الاجتماعية، وبين ما تسمح به المؤسسة وما يتداوله الناس في حياتهم الخاصة، وتبيان التباين بين السياسة الثقافية كما تصوغها الدولة والثقافة كما يعيشها المجتمع. ومن هذه الزاوية، تتطلب التجربة الإيرانية قراءة تتجاوز العبارة الشائعة: «إيران منعت الموسيقى»؛ فهذه العبارة تصف بدقة جانباً من المرحلة الأولى بعد الثورة، وتصبح مضللة عند تحويلها إلى وصف دائم ومطلق للحالة الإيرانية.

إيران: من الحظر إلى التنظيم

بعد الثورة عام 1979، دخلت الموسيقى مرحلة شديدة التضييق؛ وتوثق الدراسات الأكاديمية أن السياسات الثورية الأولى وصلت إلى حظر الحفلات وتشديد الرقابة على بث الموسيقى، قبل أن تبدأ الدولة لاحقاً بتخفيف بعض هذه السياسات وإعادة تنظيم المجال الموسيقي بصورة أكثر انتقائية. وتتبع الباحثة أمينة يوسف زاده هذا المسار من المرحلة الثورية بين 1979 و1989، مروراً بمرحلة إعادة البناء في عهد هاشمي رفسنجاني، ثم مرحلة الإصلاح في عهد محمد خاتمي، وصولاً إلى سنوات محمود أحمدي نجاد.

وتقدم الباحثة نهيد سيامدوست، في كتابها Soundtrack of the Revolution: The Politics of Music in Iran، صورة أكثر تركيباً: فالموسيقى كانت من أولى ضحايا الثورة، لتعود سريعاً إلى الثقافة والسياسة الإيرانية، وتستخدمها الدولة نفسها في سياقات معينة، بالتزامن مع نشوء مساحات فنية مستقلة وتحت الأرض، وتطور نظام رسمي للترخيص والرقابة.

تبدأ هنا المفارقة الجديرة بالانتباه؛ فالدولة الإيرانية لم تُخفِ الموسيقى من المجتمع، وما حدث أنها عملت بدلاً من ذلك على تحديد ما يمكن ظهوره في المجال العام الرسمي، وما يحتاج إلى ترخيص، وما يقع خارج المساحة المسموح بها. وتحولت السياسة، بدرجات متفاوتة عبر العقود، من التساؤل حول وجود الموسيقى إلى التساؤل حول نوعها، ومكانها، وشروطها، والجهة المخولة بأدائها.

المرأة والغناء المنفرد: بين الترخيص والقيود

 يصبح هذا التحول أشد حساسية عندما يتعلق الأمر بالمرأة. في إيران، لم تكمن المسألة في الوجود المطلق للمرأة داخل المجال الموسيقي. فقد وثقت الباحثة ويندي ديبانو، في دراستها المنشورة في Iranian Studies عام 2005، مهرجانات موسيقية للنساء، وأشكالاً من الغناء الجماعي، وغناءً منفرداً أمام جمهور نسائي. وتناولت في الوقت نفسه القيود المفروضة على الغناء المنفرد للمرأة أمام جمهور مختلط.

تكتسب هذه الملاحظة أهميتها من كون التعميم القائل بمنع المرأة من الغناء في إيران يفتقر إلى الدقة؛ فالوصف الأقرب للواقع هو استمرار حساسية الغناء المنفرد للمرأة أمام جمهور مختلط بوصفه أحد أشد القيود رسوخاً. وما يزال هذا الأمر واقعاً حتى اليوم؛ ففي أيلول 2025، ووفقاً لتقرير Iran International (منصة معارضة) الصادر في 17 أيلول 2025، صرح عبد الحسين خسروپناه، أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية، بمشاركة النساء في الجوقة وبعض الحفلات، مع تأكيده الصريح على عدم السماح للمرأة بالغناء منفردة أمام جمهور مختلط، رابطاً ذلك بالمرجعيات الفقهية التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية.

وفي نهاية 2024، برزت قضية المغنية برستو أحمدي (Parastoo Ahmadi) كمثال حديث على المسافة بين التنظيم الرسمي والممارسة الفنية. نشرت أحمدي حفلاً مصوراً على الإنترنت من دون ارتداء الحجاب، شاهده أكثر من 1.4 مليون شخص، لتفتح السلطات القضائية قضية ضدها وتُعتقل لفترة قصيرة، بحسب وكالة أسوشيتد برس (خبر بتاريخ 14 كانون الأول 2024). وجاءت القضية في سياق القيود المستمرة على أداء المغنيات أمام جمهور مختلط. ولاحقاً، في حزيران 2026، صدر حكم قضائي بحقها وبحق سبعة من أعضاء فريقها بالسجن والجلد (74 جلدة لكل منهم)، وفق تقارير حقوقية.

المجتمع الإيراني ليس كتلة واحدة

لا تشير هذه الوقائع إلى رفض شامل للسياسة الثقافية للدولة من جانب الإيرانيين، وتؤكد عدم تحول المجتمع الإيراني إلى موقف موحد تجاه الدين أو الفن، وهي نقطة محورية في أي قراءة تحليلية للتجربة.

في استطلاع GAMAAN لآراء الإيرانيين بشأن انتخابات 2024، عبر 27.9% من المستجيبين عن أهمية الدين المطلقة في حياتهم «مهم جداً»، وذكر 17.8% أنه «مهم إلى حد ما»، مقابل 16.4% عدّوه «غير مهم كثيراً»، و34.8% رأوه «غير مهم إطلاقاً». يبلغ مجموع هذه النسب 96.9%، وتبقى نسبة 3.1% بلا إجابات محددة. يعكس الاستطلاع، الذي شمل عينةً خاماً بلغت 58,015، واستجابة فعالة موزونة بلغت 14,573 من السكان المتعلمين فوق سن 19 عاماً، مؤشراً إحصائياً على التعدد في علاقة الإيرانيين بالدين.

وتكمن قيمة هذه الأرقام في التذكير بعدم تجانس المجتمع الإيراني، وبأن التدين الاجتماعي لا يُنتج بالضرورة موقفاً موحداً من كل قضية ثقافية أو سياسية.

وتقدم السنوات الأخيرة شواهد إضافية على مرونة الحدود بين الرسمي والاجتماعي. ففي شباط 2025، اعتُقلت المغنية هيوا سيفي زاده (Hiva Seyfizadeh) أثناء أداء حي في طهران، بحسب تقرير Iran International الصادر في 28 شباط 2025، والذي نقل عن الصحفي المتخصص في المجال الفني بهمن بابازاده حصول الحفل على ترخيص رسمي. ضمت القاعة جمهوراً مختلطاً قبل تدخل قوات الأمن لوقف العرض، وحُكم عليها لاحقاً بالسجن أربع سنوات بتهمة «الترويج للفساد والفحشاء»، وفق تقارير Hengaw وBBC Persian.

وفي أيار 2026 ظهر مشهد ذو دلالة أوضح: عادت الموسيقى الحية إلى إحدى الفعاليات في طهران في أعقاب وقف إطلاق النار الذي بدأ في 8 نيسان 2026 بين إيران وإسرائيل. شهد الحفل مشاركة نسائية، شملت مغنية أدت أمام جمهور مختلط، في تجاوز للقيود المعتادة على هذا النوع من الأداء وفقاً لوكالة أسوشيتد برس (خبر بتاريخ 22 أيار 2026).

يقود هذا إلى تقييم التجربة الإيرانية بعيداً عن ثنائية النجاح والفشل. لقد فرضت الدولة قيوداً قانونية وإدارية على أشكال الأداء العام، وأنشأت مساحة رسمية خاضعة للترخيص. وتُظهر الأدلة التاريخية والاجتماعية في الوقت عينه استمرار الموسيقى في المسارح المرخصة، والبيوت، والمساحات الخاصة، والإنتاج غير الرسمي، والإنترنت، وتحولها إلى جزء من النقاش الاجتماعي والسياسي.

سوريا: إدارة التعدد لا إلغاؤه

 تتجلى هنا القيمة التحليلية للتجربة الإيرانية بالنسبة إلى سوريا. الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 آذار 2025 يجمع بين مرجعيات متعددة. فهو ينص في المادة 3 على أن الإسلام دين رئيس الجمهورية، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، ويصون في الوقت نفسه حرية الاعتقاد، ويكفل حرية ممارسة الشعائر ضمن النظام العام. وتنص المادة 7 على أن الدولة «تكفل التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين»، وتضمن حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة.

تضع هذه الصياغة الدولة أمام استحقاق دستوري يتعلق بإدارة التعدد. يتمتع السوريون بتنوع ثقافي وديني واضح، وتتسم الأذواق والمواقف الاجتماعية بالتفاوت الشديد بين المدن والأرياف والمناطق والأجيال، في ظل وجود تقاليد دينية متعددة، وأناشيد، وموسيقى شعبية، وفنون حديثة. ويُعد الاختلاف في الموقف من الحفلات والغناء والظهور الفني للمرأة نتيجة طبيعية لهذا التنوع.

يتأسس تنظيم المجال العام على التمييز الواضح بين القناعات الفردية والالتزامات القانونية العامة؛ فكما يُكفل حق الامتناع الشخصي أو الاعتراض الفكري على الفعاليات الفنية، يُكفل في المقابل حق الممارسة المهنية والفنية تحت مظلة القانون. وتنحصر وظيفة الدولة في إرساء قواعد تنظيمية تطبق على الجميع، تشمل الترخيص، والسلامة، وتنظيم الأماكن العامة، وحماية القاصرين، ومنع العنف والتحريض، وتنظيم الضوضاء، واحترام القانون.

ويبرز هنا الفارق الجوهري بين تنظيم فعالية عامة وتوجيه قناعات الناس. يتيح تنظيم الفعاليات عبر القانون مساحة للمناقشة والتطوير، في حين يُحيل فرض التفسيرات الدينية الخاصة على المجتمع بأسره إلى إشكالية تمس طبيعة المجال العام.

تقدم التجربة الإيرانية مادة حيوية للتفكير؛ فحين ضبطت الدولة المجال الموسيقي وفق معايير أيديولوجية، حددت شروط الحضور الرسمي، مع استمرار التفاوض بين المجتمع والدولة والفنانين على حدود المسموح. وتتمثل حاجة سوريا الجديدة في تطوير قواعد واضحة لإدارة الاختلاف السوري ذاته، بعيداً عن استنساخ التجارب أو بنائها على أسس نقيضة.

المجال العام بين تنظيم التعدد وإلغائه

 يتمثل الاختبار المؤسسي في قدرة الدولة على حماية الفضاء العام من الإكراه، وضمان التعبير عن الاختلاف الديني والثقافي والتعايش معه ضمن أطر قانونية ناظمة.

شكّل حفل أصالة في دمشق مناسبة فنية كشفت عن تساؤلات مؤسسية أوسع. فمع رعاية وزارة الثقافة للحفل واحتشاد الجمهور، برز اعتراض ديني علني. ويُعد هذا الاختلاف جزءاً طبيعياً من ديناميكيات مجتمع متعدد يسعى لإدارة خلافاته في فضاء عام جديد.

يتجاوز السؤال المؤسسي في سوريا الجديدة الثنائيات التقليدية حول خيارات المجتمع الفنية أو الأحكام الفقهية المجرّدة، ليركز على المسألة الأكثر اتصالاً بالبناء التنظيمي: ماذا يحدث عندما تنتقل المسألة الخلافية من مجال الاجتهاد الشخصي إلى مجال الإلزام العام؟

تكمن الإجابة في استيعاب حقيقة اتساع المجتمع لأكثر من سياسة ثقافية، واستحالة اختزال الفن أو الدين في قرارات إدارية. وفي سوريا المنطلقة نحو مأسسة جديدة تستند إلى وثيقة دستورية تكفل الحرية والتنوع، يتمثل التحدي في بناء مساحة عامة تُسقط الحاجة إلى التنميط الثقافي للمواطنين.

تُقاس كفاءة الدولة الجديدة بمدى قدرتها على التنظيم المؤسسي المرن القادر على استيعاب الاختلاف. ويستهدف هذا التنظيم طمأنة المختلفين لجهة قدرتهم على العيش المشترك تحت قانون واحد يحفظ التعدد ويحول دون إلغائه.

المصادر والمراجع

أولاً: الدراسات والكتب الأكاديمية

  • Youssefzadeh, Ameneh. “The Situation of Music in Iran since the Revolution: The Role of Official Organizations.” British Journal of Ethnomusicology, Vol. 9, No. 2, 2000, pp. 35–61.
  • Youssefzadeh, Ameneh. “Veiled Voices: Music and Censorship in Post-Revolutionary Iran.” In Patricia Hall (ed.), The Oxford Handbook of Music Censorship, 2015, pp. 657–674.
  • DeBano, Wendy S. “Enveloping Music in Gender, Nation, and Islam: Women’s Music Festivals in Post-Revolutionary Iran.” Iranian Studies, Vol. 38, No. 3, 2005, pp. 441–462.
  • Siamdoust, Nahid. Soundtrack of the Revolution: The Politics of Music in Iran. Stanford University Press, 2017.
  • Siamdoust, Nahid. “Women Reclaiming Their Voices for Life and Freedom: Music and the 2022 Uprising in Iran.” Iranian Studies, Vol. 56, No. 3, 2023, pp. 577–583.

ثانياً: الاستطلاعات

  • GAMAAN. Iranians’ Attitudes Toward the 2024 Elections. February 2024. Raw Sample Count: 58,015؛ Effective Sample Count: 14,573.
  • GAMAAN. Position Paper: Survey Research on Religion and Politics in Iran. Presented to the Foreign Affairs committee, 23 October 2024. [رابط: tweedekamer.nl]

ثالثاً: المصادر الإيرانية والصحفية حول الوقائع الحديثة

  • Associated Press (AP). “YouTube singer arrested in Iran after performing an online concert while not wearing a hijab.” 14 December 2024.
  • Iran International. «خسروپناه: النساء لا يُسمح لهن بالغناء في تجمع يضم رجالًا»، 17 September 2025. [منصة معارضة]
  • Iran International. «رغم الحصول على ترخيص.. اعتقال مغنية إيرانية أثناء إحيائها حفلاً في طهران»، 28 February 2025. [منصة معارضة]
  • Hengaw. “Artist Hiva Seyfizadeh sentenced to four years in prison.” 20 August 2026.
  • BBC News فارسی. «هیوا سیفیزاده، بعد از تکخوانی در عمارت روبرو به ۴ سال حبس محکوم شد»، 19 August 2026.
  • Associated Press (AP). “Photos of live music stirring back to life in Tehran as a ceasefire offers a fragile respite.” 22 May 2026.

رابعاً: المصادر المتعلقة بسوريا

  • الجمهورية العربية السورية. الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، 13 آذار 2025. المواد 3 و7. منشور عبر Refworld.
  • سانا. “Assala returns to Damascus stage after 15-year absence”، 23 آب 2026. [sana.sy]
  • القدس العربي. «أصالة تحيي حفلة صاخبة في دمشق بعد 15 عاماً من الغياب وسط حملة من الإسلاميين»، 18 أيلول 2026. [alquds.co.uk]
  • يورونيوز عربي. «بين الدعم الرسمي وحملات الإلغاء السلفية: حفل أصالة في دمشق يشعل جدلاً حول الحريات والوصاية الدينية»، 11 أيلول 2026.
  • الغد برس. «أصالة تعود إلى مسارح دمشق»، 23 آب 2026. [alghadpress.com]
  • سوريا TV. «بعد الجدل الكبير.. ما حقيقة إلغاء حفل أصالة نصري الثاني في دمشق؟»، 16 أيلول 2026. [syria.tv]

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى