الكيماوي ملف يلاحق الأسد: محكمة دولية خاصة بالنظر في الهجمات الكيماوية

العربي القديم – وكالات
في الوقت الذي تتفنن بعض الدول في مد جسور التطبيع مع نظام الأسد، رغم جرائمه الموصوفة، ورغم ما يجره بقاؤه على المنطقة من كوارث، سواء في إغراق دول الجوار السوري باللاجئين، أو إغراق دول الخليج بالمخدرات والكبتاغون، أو توفير منصة انطلاق للنفوذ الإيراني التخريبي؛ يسعى السوريون لملاحقة الأسد على جرائم الإبادة والتدمير التي ارتكبها بحقهم.
وفي هذا السياق يأتي إطلاق مجموعة خبراء قانونين دوليين بالتشارك مع مجموعات حقوقية سورية مبادرة في (لاهاي) التي تحتضن مقر محكمة العدل الدولية، لإنشاء محكمة جديدة تنظر في الهجمات بالأسلحة الكيمياوية التي وقعت في سوريا خلال السنوات العشر الماضية، والتي أثبتت التقنيات العسكرية استحالة قيام أي جهة مسلحة بها سوى نظام الأسد، لتضع الملف مجدداً في الواجهة، بعد الدفع المعنوي والحقوقي الذي قدمه إصدار فرنسا لمذكرة توقيف بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر على خلفية الملف ذاته.
خبراء عملوا في هدوء
القائمون على هذه المبادرة، عملوا في هدوء على مدى عامين لوضع الأساس لمحكمة جديدة قائمة على المعاهدات ويمكنها محاكمة من يُتَّهَمُون باستخدام المواد السامة المحظورة في جميع أنحاء العالم. ويهدف إنشاء المحكمة إلى وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، في ظل عجز المؤسسات القضائية الدولية الحالية عن محاسبة المتورطين رغم صدور العديد من تقارير الأمم المتحدة التي أكدت مسؤولية نظام الأسد على هذه الهجمات في سوريا. وأظهرت وثائق اطلعت عليها رويترز أنه قد عُقِدَت العديد من الاجتماعات الدبلوماسية واجتماعات الخبراء بين الدول لمناقشة الاقتراح، بما في ذلك الجدوى السياسية والقانونية والتمويلية.
وقال المحامي البريطاني السوري إبراهيم العلبي، وهو واحد من الشخصيات الرئيسية وراء هذه المبادرة، ”إن دبلوماسيين من 44 دولة على الأقل من مختلف القارات شاركوا في المناقشات، بعضهم على المستوى الوزاري“. ويوضح العلبي ”بينما يطالب بها السوريون بشأن استخدام الأسلحة الكيمياوية في سوريا، إذا رغبت الدول في ذلك فإن الأمر قد يتجاوز ما هو أبعد من سوريا بكثير“.
ودُشِّنَ مقترح إنشاء المحكمة الاستثنائية للأسلحة الكيمياوية في الثلاثين من نوفمبر، وهو اليوم الذي يتم فيه إحياء ذكرى ضحايا الهجمات الكيمياوية بجميع أنحاء العالم. وستكون الخطوة التالية هي أن تتفق الدول على صياغة المعاهدة.
وقال ثلاثة دبلوماسيين من دول في شمال وجنوب العالم لرويترز: إن حكوماتهم تناقش إنشاء المحكمة. ورفضوا الكشف عن أسمائهم؛ لأنهم غير مخولين بالتحدث في هذا الشأن. وذكر أحد المصادر ”هناك اهتمام جدي، واهتمام بالغ، واعتراف بالحاجة إلى شيء كهذا، إلى الحاجة إلى معالجة فجوة الحصانة بالأساس“.
قوانين واتفاقات
وتحظر اتفاقيات جنيف، التي قننت قوانين الحرب، استخدام الأسلحة الكيمياوية. وشددت على ذلك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1997، وهي معاهدة لمنع انتشار هذه الأسلحة انضمت إليها 193 دولة وتشرف عليها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. لكن الانقسام السياسي بشأن الحرب السورية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفي الأمم المتحدة عرقل الجهود الرامية إلى المحاسبة عن انتهاكات القانون الدولي واسعة النطاق في المئات مما يشتبه بأنها هجمات كيمياوية.
وأقامت دول، من بينها فرنسا، محاكمات بموجب ما يسمى بالاختصاص القضائي العالمي للنظر في جرائم الحرب، لكن في الحالات التي لا تستطيع فيها المحكمة الجنائية الدولية فعل شيء، لا يوجد كيان قانوني يستطيع محاكمة الأفراد المشتبه بهم في استخدام الأسلحة الكيمياوية على مستوى العالم.
وقال دابو أكاندي، المحامي البريطاني وعضو لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، ”عندما توجد أصوات تقول ‘نحن بحاجة إلى شيء من العدالة… أعتقد أن ذلك سيكون قوياً“.
محاولة لسد فجوة!
وذكر أكاندي أن هناك محاكم دولية لجرائم الحرب، من البلقان إلى رواندا ولبنان، لكن لم يركز أي منها على جريمة نشر الأسلحة الكيمياوية على وجه التحديد.
وأضاف ”ستكون محاولة لسد فجوة بمعنى أنها ستكون مخصصة في الأساس للقضايا التي لا تستطيع فيها المحكمة الجنائية الدولية ممارسة اختصاصها القضائي. وأعتقد أن هذا سيكون الشيء المبتكر في هذا الشأن“.
وتتمتع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بسلطة التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيمياوية وتحديد الجناة المزعومين في بعض الحالات، لكنها لا تتمتع بسلطة الملاحقة القضائية. وقالت في يناير إن نظام بشار الأسد مسؤول عن هجوم وقع في مدينة دوما عام 2018 وأسفر عن مقتل 43 شخصاً.
ووجدت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن نظام بشار الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين في هجوم وقع في أبريل 2017، واستخدم الكلور مراراً كسلاح. كما أقرت الأمم المتحدة باستخدامه الكيماوي في الهجوم على خان شيخون بريف إدلب وعقدت جلسة ساخنة لذلك شهدت ملاسنة بين مندوبة الولايات المتحدة والمندوب الروسي، لكن روسيا المتورطة في جرائم حرب في سوريا وغيرها أصلاً، استخدمت حق النقض (الفيتو) مراراً ضد محاولات تمديد آلية التحقيق المشتركة التي انتهت في نوفمبر 2017.
ذكريات عن حدث مروّع
بالنسبة للدكتور محمد سليم، الذي ساعد في علاج المئات من المرضى بعد هجوم الغوطة عام 2013، لا تزال صور الاختناق والموت تبكيه. ويتذكر أحد الأطفال الناجين وهو ملقى بين الجثث ويسأله ”عمو أنا عايش؟“.
وقال لرويترز في لاهاي ”الحقيقة عندنا شعور بالمرارة بأن المحاسبة تأخرت عشر سنوات. إذا قيد هلق مشروع انطلاق محاسبة فبيكون بعد عشر سنوات بدأ هذا المشروع. نتمنى ألا ننتظر عشر سنوات إضافية”. وأضاف “أنا يللي بدي قوله إنه خلّي القانون الدولي والعدالة تاخد مجراها“.
أما صفاء كامل (35 عاماً) وهي معلمة من حي (جوبر) الدمشقي، الذي سواه جيش الأسد بالأرض قبل استعادة السيطرة عليه، تقول: ”المحكمة بالنسبة إلى السوريين هي أمل“، متذكرة الهجوم بغاز السارين الذي وقع في الحادي والعشرين من أغسطس عام 2013 بمنطقة الغوطة والذي أدى إلى مقتل أكثر من 1000 شخص كثير منهم كانوا نائمين.
وتضيف مقدمة شهادة عما لا يمكن نسيانه: ”الأعراض التي تعرضنا لها الغثيان وإعياء واصفرار الوجه، وحالات إغماء.. حتى من الصغار. كان خوف كتير كبير… وعندما فتشنا عن الشهداء الذين فقدناهم أثناء هذا القصف الكيمياوي كان عدد الضحايا كتير كبير. لا تمحى من ذاكرتنا كيف كانت مصفوفة“.