هل أصبح الدروز شوكة في خاصرتنا؟
ما الذي اختلف بعد أكثر من 70 عاماً، لتخفت أصوات أحرار السويداء الوحدوية وترتفع أصوات الرافضين للتوافق والتفاهم مع حكومة دمشق؟

عبد الرحمن ريا- العربي القديم
هبّ السوريون لنصرة بلدة نوى في حوران بعد العدوان الإسرائيلي المجرم الذي طالها وقتل بعضاً من رجالها من أيام، تنادى الجميع لحمل السلاح وإغاثة الجنوب السوري بالأنفس والأموال. فاسترجعنا ما قرأناه عن بطولات أجدادنا وتآخيهم في ثلاثينات واربعينات القرن المنصرم. وحدها الجارة “السويداء” بقيت صامتة وكأنها لم تسمع أصوات الانفجارات خلف كتفها، أو تشم رائحة البارود وقد ملأت حواريها وأزقتها.
اصطاد ناشطو وسائط التواصل الاجتماعي ذلك الصمت، مستغربين حيناً، متهمين أو مشككين أحياناً أخرى. ففي سياق مجريات الاحداث في الجبل منذ هروب الأسد وتحرير سورية، بدءاً من الخلاف على دخول قوات الامن العام إلى مدينة السويداء، ثم أحداث حي جرمانا بدمشق (ذو الأغلبية الدرزية)، إلى زيارة شيوخ من الطائفة الدرزية لإسرائيل؛ والاصوات التي تلتها مناديةً بفصل الجبل عن سورية. كل ذلك كان فِعلاً استدعى ردوداً قاسية لم تكتف باستنكاره، بل ذهبت بعيدأ لتنال الطائفة الدرزية وتتهمها بالعمالة والخيانة. فهل أصبح الدروز شوكة في خاصرتنا، وهل كانوا كذلك دوماً!
رغم أن سورية الحالية بتسميتها وجغرافيتها هي دولة حديثة لا يزيد عمرها عن قرن واحد، إلا أن ما يجري في السويداء منذ أشهر يتكرر في بعض مفاصله للمرة الثانية، ومحاولات إسرائيل لسلخ جبل العرب عن وطنه الأم، فعلتها فرنسا طوال سنين انتدابها لسورية. منذ أعلنت عن قيام دولة الجبل وعاصمتها السويداء سنة 1921[1]. وما تلا ذلك من قطع لسبل التواصل بين شبابها وبقية السوريين، لدرجة وضعهم لبعض رجالات السويداء الاحرار تحت الإقامة الجبرية حين أصروا على حضور أربعين إبراهيم هنانو. وفي تفاصيل القصة بعض الإشارات الجديرة بالرواية…
فعندما علم الفرنسيون بنيـّة بعض زعامات الجبل الوطنية (علي مصطفى الأطرش وآخرين) حضور أربعين هنانو، أوحوا للرؤساء الروحيين (أحمد الهجري وأحمد جربوع وعلي الحناوي) ليصدروا منشور اعتبروا فيه حضور الأربعين “عملاً غير موافق لمصلحة الجبل ومخالفاً لأساس الدين[2]” فما كان من مجاهدي الجبل الأشم إلا أن أصدروا رداً اعتبروا فيه رجال الدين “آلة تديرها الأهواء[3]” قبل أن يحرّم مشايخ حلوات البيّاضة على رجال الدين الاشتغال بالسياسة[4].
بعد ذلك وأثناء التحضير لمفاوضات الاستقلال عام 1936، قطع مجاهدو الدروز المنفيون، الطريق على محاولات الفرنسيين وعملائهم المؤيدين لبقاء الجبل منفصلاً عن سورية، وأكدوا على الوحدة السورية “التي هي في مقدمة أمانينا القومية المشروعة[5]“. وأنابوا الوفد السوري لمفاوضات الاستقلال عام 1936 للتكلم باسمهم. فعاد جبل الدروز (والعلويين) إلى سورية وحكومتها. وصدر عفو عام عن المجاهدين المنفيين، فاستقبلت دمشق سلطان باشا الأطرش ورفاقه في أيار 1937 باحتفالية حضرها نصف مليون شخص[6].
ورغم نكوص فرنسا عن معاهدة الاستقلال وإعادة فصل جبل الدروز عن سورية في تموز 1939، لم يتراجع إصرار أحرار الجبل الأشم عن الوحدة، بل ارتفع سقف المطالبات إلى “دمج الجبل الدرزي دمجاً نهائياً بالوطن السوري دون البقاء على شيء من الامتيازات الخاصة[7]“. تلك المطالبات تلاها اتخاذ مجلس محافظة الجبل قراراً بالاجماع لإلغاء الاستقلال الإداري والمالي في الجبل ودمجه نهائيا بسورية الأم عام 1944[8]. وفي تموز ١٩٤٥ هـدم حسن الأطرش ومـرافقوه نصب الحدود لدولة جبل الدروز الذي ظل قائما طوال عهد الانتداب. ثم احتفلوا برفع العلم السوري بصورة رسمية في ٢ آب[9].
ما الذي اختلف بعد أكثر من 70 عاماً، لتخفت أصوات أحرار السويداء الوحدوية وترتفع أصوات الرافضين للتوافق والتفاهم مع حكومة دمشق؟ وما الذي تغير لتمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بمشاركات ومقالات تخوّن بني معروف، وتتنكّر لماضيهم، وتنكره. هل الأمر مجرد سمة من سمات مرحلة التطرف التي تلي انتصار الثورات، أم أنه أكثر؟
إن فهم دولة الأوتوقراط (سلطة الشخص الواحد) التي أسسها حافظ الأسد وسار على نهجها ابنه الفار، يمكن أن يجعل المشهد أكثر وضوحاً…
فللتعويض عن سيطرة الحاكم الفرد على كل مفاصل الحياة السياسية بشكل مطلق السيادة والصلاحية، يصبح التسامح في التعددية المذهبية والدينية عنصراً أساسياً في استراتيجية السيطرة والتحييد. لكن هذا التسامح له أغراضه بالطبع، فالحاكم يصادر الدين ويسيطر عليه ويطور مؤسساته لتخدم سلطته، ما يؤدي بالضرورة إلى تدهور النظام العقائدي الديني وعودة أخلاقيات العصبية القومية والقبلية التي تسعى السلطة الفردية المطلقة لتغذيتها من أجل الحفاظ على الانقسام والتفكك ومنع نشوء إرادة جماعية مستقلة عن الدولة. هنا تصبح الأوتوقراطية حامية للتعددية الدينية والمذهبية التي تتحول إلى وسيلة فلكلورية يستخدمها الديكتاتور لتعزيز مواقفه. لذلك تصبح الفتنة وعودة الجماعات إلى توظيف العصبيات المذهبية في الصراع على الوجود والمصالح والمواقع؛ ثمرة من ثمار انهيار دولة الأوتوقراط التي أسسها المقبور وابنه[10].
أليس هذا ما يحصل اليوم، عندما تتعالى دعوات الانفصال بمسميات عديدة من كل اتجاه!
وبعد… ثار الجبل الأشم على الأسد الفار، وسطر أبناؤه الاحرار قصة إباء ستروى لأجيال، وأنا كالكثير من السوريين؛ واثق أن السويداء ستعود خاصرتنا المنيعة، وأن أهلها لن يقبلوا أن ينتصر الأسد بعد فراره، فنحن جميعاً هزمنا الأسد ولن نقبل أن يحرق البلد بعد أن هرب.
هوامش:
[1] تم توقيع اتفاقية التشكيلات الأساسية لحكومة جبل الدروز في آذار 1921، ثم اعترفت فرنسا بدولة جبل الدروز في شباط 1922
[2] نص منشور الرؤساء الروحيين ورد في مذكرات الأمير عادل أرسلان
[3] “الصفاء” عدد 23 آذار 1936
[4] “الصفاء” عدد 21 أيار 1936
[5] نص البيان في “الصفاء” عدد 30 آذار 1936
[6] الصفاء عدد 27 أيار 1937
[7] من أوراق علي مصطفى الأطرش الملحق رقم 27
[8] سعيد الصغير “بنو معروف الدروز” ص 196
[9] “دروز سورية ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي” د. حسن أمين البعيني
[10] يسهب د. برهان غليون في شرح علاقة الاوتوقراط مع الطوائف والقوميات والعصبيات في كتاب “النظام السياسي في الإسلام”