فنون وآداب

لقاء ثقافي في دمشق: مصالحة بين العودة والمنفى… بين المدينة وذاكرتها

خرجتُ من اللقاء وأنا أكثر اقتناعًا بأن بعض الكتّاب لا يكتبون ليُقرأوا فقط، بل ليبقوا شهودًا

عمر جمعة – العربي القديم

كان عمر جمعة العائد من ألمانيا إلى وطنه سورية في زيارة، جزءاً من لقاء رتبه وجمعه مع الروائي فواز حداد والناقد محمد منصور في دمشق اليوم، وقد نشر على صفحته على فيسبوك هذا النص البديع، الذي قرأ فيها المعنى الرمزي لهذا اللقاء الثقافي ولشخوصه ولتلك العدالة الرمزية التي عبّر عنها، إزاء الانتصار على الاستبداد وعلى منافيه… وقد استأذنته (العربي القديم) في إعادة نشره.

الروائي فواز حداد والناقد محمد منصور، ولقاء عائدين يطوفان في قلب دمشق (العربي القديم)

في دمشق… لا في لندن أو في برلين، تمّ اللقاء.

كأن المدن كلّها كانت محطات مؤجَّلة، وكأن الأقدار كانت تصرّ أن يُكتب هذا المشهد هنا، بعد أن تنفّست البلاد هواءها الأول خارج قبضة الخوف.

التقيتُ الأستاذ فواز حدّاد للمرة الأولى وجهًا لوجه في دمشق، بعد سنوات من تواصلٍ إنساني وفكري خلال إقامته في لندن. كنّا قريبين بالكلمات، بالأسئلة، وبالقلق المشترك على مصير الإنسان السوري، لكن المسافات كانت أقوى من النوايا. لم نلتقِ هناك، لا في المنافي الألمانية أو البريطانية، بل انتظرنا دمشق… دمشق التي تغيّرت، والتي تغيّرنا معها.

لم يكن اللقاء ثنائيًا فقط؛ كان معنا صديقنا الصحفي محمد منصور، الذي شاركنا الحديث والذاكرة من موقعه المهني والإنساني معًا. تحدّث عن تجربته في الصحافة، عن ثمن الكلمة حين تُكتب خارج السقف المسموح، وعن العلاقة الملتبسة بين الحقيقة والخطر في بلدٍ كان فيه السؤال نفسه تهمة.

وكان حضور محمد منصور أكثر من مجرّد مشاركة في جلسة حوار. كان شاهدًا من نوعٍ آخر؛ شاهدًا كتب الحقيقة في زمنٍ كان فيه الاقتراب منها مخاطرة يومية. صحفي يعرف أن الكلمة ليست محايدة، وأنها قد تتحوّل في هذه البلاد إلى عبء ثقيل على صاحبها. في حديثه لم يكن يستعرض تجربة مهنية، بل يستعيد سيرة خوفٍ طويل، ومساوماتٍ لم يقبلها، وأسئلةً ظلّت مفتوحة لأن الإجابة عنها كانت، في وقتٍ ما، ثمنًا أكبر من الاحتمال. وجوده أعاد إلى الطاولة معنى الصحافة بوصفها فعل مقاومة صامت، لا يقل قسوة ولا شرفًا عن الرواية.

كان واضحًا أن ما جمع فواز حدّاد ومحمد منصور لم يكن الصداقة وحدها، بل موقع الشهادة. شاهدان من مسارين مختلفين: أحدهما واجه العنف بالسرد، والآخر واجهه بالخبر؛ أحدهما اشتغل على تفكيك الخوف عبر الرواية، والآخر لاحق الحقيقة في لحظتها الخام، تحت ضغط الوقت والخطر. كلاهما عرف أن الكلمة ليست آمنة، وأن ثمنها قد يُدفع عزلةً أو منفى أو صمتًا قسريًا. وفي هذا التقاطع بين الأدب والصحافة، بدا المشهد أوسع من لقاءٍ ثقافي، كأنه استعادة لدورٍ غائب: أن يكون هناك من يكتب ليحفظ المعنى، ومن يكتب ليمنع تزويره.

ما يجعل هذا اللقاء استثنائيًا ليس رمزيته فقط، بل تلك المفارقة التي يصعب على العقل السوري تجاوزها بسهولة.

فأول مرة سمعتُ فيها باسم فواز حدّاد لم تكن في ندوة ثقافية، ولا بين رفوف مكتبة، بل في فرع الأمن الجنائي في حمص.

كنتُ يومها أستخرج ورقة “لا حكم عليه”، وثيقة البراءة الرسمية في بلدٍ يُدان فيه الفكر قبل الفعل. في الممرّ الضيّق، أدخل عناصر الأمن رجلًا مقيّدًا، وسؤالٌ عابر تحوّل إلى صدمة:

ما التهمة؟

جاء الجواب باردًا، رسميًا، ومرعبًا في بساطته:

“يقرأ رواية السوريين الأعداء.”

كان ذلك أول احتكاك لي باسم فواز حدّاد.

اسمٌ مرتبط بالقيد، لا بالكتاب.

بالجريمة، لا بالرواية.

بالخوف، لا بالفكر.

وكان في اللقاء تفصيلٌ صغير، لكنه مشحون بكل ما لا يُقال.

كنتُ قد حملتُ معي من سويسرا نسختي الخاصة من رواية السوريون الأعداء، نفس الرواية التي سمعتُ باسمها أول مرة في مكانٍ لا تُقرأ فيه الكتب، بل تُصادَر الأرواح. عبرتْ الحدود في حقيبتي، لا ككتابٍ فقط، بل كذاكرة نجت. وعندما ناولتها اليوم إلى فواز حدّاد ليوقّعها بيده في دمشق، شعرتُ أن الدائرة اكتملت: كتابٌ كان تهمة، صار توقيعًا. رواية خيف منها، صارت أثرًا حيًّا. وما عجز الخوف عن مصادرته، أعادته الكلمة إلى مكانه الطبيعي… بين أيدينا.

واليوم، بعد كل هذا الخراب، وبعد أن سقط المعنى الأمني للكلمة، نجلس مع فواز حدّاد في دمشق الحرّة، لا بوصفه “اسمًا خطيرًا” في تقارير السلطة، بل كأحد أهم العقول السردية التي اشتبكت بجرأة مع الاستبداد، والدين المسلّح، والعنف المؤدلج، وهشاشة الفرد داخل البنى القمعية ، ومع الإنسان المكسور في هذه البلاد.

جلستُ أمامه لا بوصفه روائيًا كبيرًا فقط، بل بوصفه ذاكرة تمشي على قدمين. رجل يعرف كيف يُصغي كما يعرف كيف يكتب. حديثه هادئ، لكن خلف هذا الهدوء طبقات من التاريخ، ومن الخيبات، ومن إصرارٍ عنيد على الفهم. لم يكن يتحدّث كمن يقدّم خلاصات، بل كمن يفتح أسئلة، ويتركك متورّطًا فيها.

كاتب المقال عمر جمعة مع فواز حداد ومحمد منصور وحديث السوريون الأعداء والعربي القديم

ولم يكن الحديث عن فواز حدّاد ممكنًا من دون أن تحضر رواياته بوصفها شواهد حيّة على ما عجزت الوقائع الجافة عن قوله. في “جنود الله ” واجه الدين المسلّح من الداخل، لا بوصفه شعارًا، بل كمنظومة عنف تُنتج يقينها وتبرّر دمها. وفي ” الروائي المريب ” اشتبك مع سؤال الكاتب نفسه: موقعه، خوفه، وشبهته الدائمة في عين السلطة. أما ” المترجم الخائن ” فكانت تفكيكًا قاسيًا لمعنى الخيانة حين تصبح اللغة نفسها ساحة اشتباه. وفي ” جمهورية الظلام ” بدا الاستبداد كمنظومة كاملة، لا كحاكمٍ عابر، بينما جاءت ” مرسال الغرام”  لتكشف هشاشة الإنسان العاطفية في عالمٍ لا يرحم ضعفه. وحتى في “عزف منفرد على البيانو” ، حيث يبدو الصوت فرديًا، كان العزف في جوهره شهادة على وحدة الإنسان داخل الخراب العام. روايات لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تضع القارئ في قلب السؤال الأخلاقي، وتتركه هناك، بلا أجوبة جاهزة.

تكلّمنا عن الرواية لا كجنس أدبي، بل كمساحة مقاومة. عن سوريا التي لا تظهر في نشرات الأخبار، بل في التفاصيل الصغيرة: في الخوف، في التواطؤ، في الحب المؤجّل، وفي الشخصيات التي تشبهنا أكثر مما نحبّ أن نعترف. شعرتُ أنني لا ألتقي كاتبًا كتب عن سوريا، بل رجلًا حملها داخله، ورفض أن يبسّطها أو يجمّل مأساتها.

كان في اللقاء شيء يشبه المصالحة: بين الكاتب وقرّائه، بين المنفى والعودة، بين المدينة وذاكرتها. أن تلتقي فواز حدّاد في دمشق المحرَّرة، بعد كل هذا الخراب، هو أن تدرك أن الرواية لم تكن يومًا ترفًا، بل تدريبًا طويلًا على قول الحقيقة، بانتظار أن يأتي وقتها.

خرجتُ من اللقاء وأنا أكثر اقتناعًا بأن بعض الكتّاب لا يكتبون ليُقرأوا فقط، بل ليبقوا شهودًا. وفواز حدّاد واحد من هؤلاء القلّة الذين لم يساوموا على اللغة، ولا على الذاكرة، ولا على حقّنا في أن نفهم ما جرى لنا.

أن تلتقي كاتبًا خرج من خانة “العدو” إلى مساحة الضوء، في مدينة خرجت بدورها من الظل، وبرفقة صحفي مخضرم يحمل الذاكرة ذاتها والجرح ذاته، فذلك ليس لقاءً شخصيًا فحسب، بل استعادة للمعنى.

معنى أن الكلمة، مهما حوصرت، تصل.

وأن الرواية التي خيف منها يومًا، كانت أصدق من كل التقارير.

وأن ما كُتب تحت الخوف، بقي حيًّا…

بينما سقط الخوف نفسه.

لم يكن هذا اللقاء مصادفة.

كان لحظة عدالة رمزية.

واعتذارًا متأخرًا من الزمن.

وشهادة جديدة على أن الثقافة، وإن تأخرت، لا تُهزم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى