فنون وآداب

الإنسانية أن ترفض الفناء

توقفت الحرب ليوم واحد؛ ليس لأن السياسيين اتفقوا؛ وليس لأن الدبلوماسيين تفاوضوا؛ بل لأن رجالًا عاديين تذكروا أنهم بشر...

ترجمة د. علي حافظ- العربي القديم

في يوم عيد الميلاد عام ١٩١٤، حدث أمرٌ لم يخطط له أي قائد عسكري ولم تُجيزه أي حكومة.. سكتت المدافع على طول الخنادق المتجمدة للحرب العالمية الأولى، حيث تقاتل الجنود البريطانيون والألمان لأشهر طويلة.

بدأ الأمر عشية عيد الميلاد…

في الظلام، سمع الجنود البريطانيون شيئًا غريبًا يتردد صداه عبر المناطق الفاصلة بين الطرفين. بدأ الغناء عبر أصوات ألمانية خافتة في البداية، ثم أصبحت أكثر وضوحًا:

“ليلة صامتة. ليلة مقدسة…”

” ليلة صامتة” – ردّت القوات البريطانية بترانيمها الخاصة.

تبعتها هتافات. نكات. ضحكات. ثم حدث ما لا يُصدق: خرج الجنود من خنادقهم.

لا أوامر. لا أعلام استسلام.

اجتمعوا في العراء بين الخطوط. تصافح رجالٌ كانوا أعداءً قبل ساعات، وتبادلوا السجائر، وتقاسموا الطعام، وعرضوا صور زوجاتهم وأطفالهم. دفن بعضهم موتاهم معًا. وفي أماكن قليلة، لعبوا كرة القدم على الأرض المتجمدة.

توقفت الحرب ليوم واحد؛ ليس لأن السياسيين اتفقوا؛ وليس لأن الدبلوماسيين تفاوضوا؛ بل لأن رجالًا عاديين تذكروا أنهم بشر…

امتدت الهدنة على امتداد أجزاء من الجبهة الغربية، من منطقة فلاندرز إلى شمال فرنسا. شعر الضباط بالقلق، واستشاطت القيادة العليا غضبًا. لقد اعتبروا هذا الأمر خطيرًا. إذا رأى الجنود العدو كبشر، فكيف سيواصلون الحرب؟

صدرت الأوامر في اليوم التالي: استؤنف القصف المدفعي، وأُطلقت النيران من جديد.

استمرت الحرب لأربع سنوات أخرى، حاصدةً ملايين الأرواح…

ولم تتكرر هدنة عيد الميلاد بهذا الحجم مرة أخرى. لكن ذكراها بقيت خالدة. لأنّه في لحظة وجيزة، في أشدّ صراع دمويّ شهده العالم، أثبت البشر أنّ الحرب ليست حتمية؛ والكراهية تُلقّن، والعنف يُنظّم، والسلام، مهما كان هشًّا، يبقى ممكنًا…

لم تنهِ هدنة عيد الميلاد الحرب؛ لكنها كشفت حقيقة لا تزال تُقلق أصحاب السلطة: “حتى في خضم أحلك لحظات التاريخ، يمكن للإنسانية أن ترفض الفناء”!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى