المراجعات-2 | استلام الدولة أو استلام السلطة
كان أداء الحكومة في استلام سلطة مترافقاً مع (إستيلاء) على الدولة التي هي كيان آخر مستقل

مصعب الجندي – العربي القديم
منذ فترة صرح أحد مسؤولي هيئة الأمم المتحدة أن سوريا تحتاج لخمسين عاماً حتى تتعافى اقتصادياً وتعود كما كانت قبل العام 2011 (وكأنها كانت معافاة)!!!
وقد كثر في الآونة الأخيرة ما يماثل هذا التصريح بشكل رسميّ أو غير رسمي، بما فيها ما تقاذفه المعلومات بلا دراية أو معرفة واضحة. لا بأس قد تكون هذه التخمينات محقة، وقد تصح حين يبقى هذا الوطن تحت الحصار الجائر بلا تبرير أخلاقي أو إنساني، لكنها أقاويل بصيغ خبيثة غير مباشرة تستسيغها الأطراف المتناحرة كلٌ منها لأهداف سياسيّة لا أكثر
أولها وأخطرها (صناعة العجز) أي انتظروا الهبات والمساعدات ورفع العقوبات فبدونها لا حياة ولا مستقبل للسوريّ.
وثانيها إن أحسنا النيات، (تضخيم حجم المنجز) بعيداً عن التراكمات التي أدّت إليه في محاولة اصطفاء انتقائي ما يناسب البعض من ماض (والقطع مع ما لا قطع فيه).
لا أقصد هنا أن سوريا ليست في الخراب وأن السوريين لا يقعون تحت عبء تركة ثقيلة من النهب الممنهج المدروس لنظام الأسد طيلة أكثر من نصف قرن، لكن لهذه النقطة بالذات مرحلتان وإن تداخلتا في الكثير في السمات:
الأولى: ما قبل 2011 حين كان النهب يحتاج ثروات ولا يكتفي بالبواطن منها (نفط وغاز) فهي ثروات كانت مخصصة لشخص بعينه لا يجرؤ بقية الفاسدين المسّ بها، هي خاصة بحافظ الأسد وعائلته فقط، وبعض العارفين يعلم أن من أسباب طرد شقيقه رفعت عدا عن محاولته الاستيلاء على السلطة خلال مرض حافظ كان مطالبته بحصة من النفط، وهي الثروة التي كان ممنوعاً تسجيل بياناتها بوضوح ضمن الموازنة العامة للدولة. إذن، لنضع هذه الثروة جانباً فقد احتاج حافظ الأسد لثروات أخرى ليرضي من خلالها بقية الفاسدين من كتلة حكمه الفاسد ضماناً لولائهم المطلق، احتاج معامل ومؤسسات وسدود ومنشآت وضرائب ورسوم وغيرها .. وغيرها: مثال بسيط هو انفجار سد زيزون في حزيران 2002 الذي أدّى إلى كارثة وقدر لي الاطلاع على جزء من أسباب الانفجار حيث كان كما أذكر أن مدير حوض العاصي (مهندس نذل حديث التخرج من الجامعة ومن أصحاب الحظوة الأسدية) وبالاتفاق مع بعض السفلة العاملين معه، كان يغلق تصريف المياه من السدّ التي يحتاجها المزارعون في السقاية إلى أن يتقاضى المعلوم حتى تراكمت المياه فوق قدرة السدّ على الاستيعاب لوجود مصدر بديل للمياه لدى الفلاحين، ومثل هذا النموذج الكثير كاختراع أزمة ما تفرض الاستثناءات مثل أزمة الاسمنت ومواد البناء التي خصصت أغلبها لآل خدام (مؤسسة عمران) مقابل العمولات عدا عن استيراد النفايات السامة ورميها في البادية، الأمثلة يصعب حصرها لكثرتها وحجمها.
الثانية: ما بعد 2011 فقد اختلفت الأوضاع مع بدايات الثورة لعجز النظام عن وقف مدّها، وازدادت تكلفة المواجهة بعد دفعها من قبل النظام باتجاه العنف الدموي الذي أدى إلى سقوطه عسكريا بالاعتماد على قواه الذاتية في العام 2015 حتى أصبح استمراره رهناً بدعم الإيرانيين والروس ومن وراءهم، وتلك القوى الخارجية رغم حاجتها العقائدية والاستراتيجية للنظام لم يكن دعهما بلا المقابل المادي وإن شاركت بالحد الأدنى بالمساعدات لتجنب أزمات خانقة مع مباشرة النظام بالتنازل عن الكثير من الثروات لصالحها عدا عما لحق بمجل البنى الاقتصادية من دمار وخسائر.
إذن السؤال: كيف تمكن النظام من الاستمرار كخيال مآتة على الأقل بتأمين الحد الأدنى المطلوب لاستمرار الحياة والظهور بأن الدولة موجودة وقادرة على سداد رواتب العاملين في الدولة وتغطية الخدمات الأساسية الأخرى والتي تصنف كنفقات جارية تسددها إيرادات جارية وهي ليست بالأرقام البسيطة؟ الأمر هنا ليس طلاسم لأنه محصور في أملاك الدولة وصلاحياتها وهي بمئات المليارات مع شرط المعرفة الدقيقة والإدارة الناجحة، (من الصعب الدخول في التفاصيل بمقال بسيط الهدف منه فقط الإشارة إليها).
للأسف كنت أتوقع من الحكومة المؤقتة حصر عملها (باستلام الدولة وليس استلام السلطة) والفرق بين الفعلين شاسع، بدلاً من تسريح هنا ووعد هناك، كان أداء الحكومة في استلام سلطة مترافقاً مع (إستيلاء) على الدولة التي هي كيان آخر مستقل، ومن يتذكر جيداً تاريخ سوريا الحديث الذي صنعته الانقلابات حين كان يحدث الاستيلاء على السلطة يترافق مع استلام الدولة بشكل دقيق ثم تليها التغيرات الإدارية… قد يقول قائل أو محلل سياسي ما، أن الدولة كانت ينخرها الفساد وهو واقع أكيد لا غموض فيه لكن الأصل /استلم ثم نظف/. خطيئة حصلت كل ما أتمناه هو تداركه في الحكومة الانتقالية.
تعليق واحد