مفاوضات باريس: لماذا تحتاجها إسرائيل أكثر مما تحتاجها سوريا؟
الأهم من النتائج المباشرة هو ما تكشفه هذه الجولة عن اختلال السردية التقليدية: إسرائيل ليست الطرف الذي يمنح، بل الطرف الذي يطلب.

أسامة منير ابراهيم – العربي القديم
ليست مفاوضات باريس بين سوريا وإسرائيل حدثاً مفاجئاً، ولا اختراقاً سياسياً استثنائياً، بل حلقة محسوبة في مسار طويل من إدارة الصراع لا إيجاد حلٍ له. الجديد ليس انعقاد الجولة بحد ذاته، بل من طلبها، ولماذا الآن، وبأي سقف.
بحسب ما كشفه موقع Axios الأميركي في سلسلة تقارير متقاطعة، فإن الجولة الخامسة من المحادثات الأمنية غير المباشرة بين الجانبين تُعقد اليوم في باريس بوساطة أميركية مباشرة، وبرعاية شخصية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبقيادة مبعوثه الخاص إلى سوريا توم باراك. أما الهدف المعلن لهذه المفاوضات فهو: التوصّل لاتفاق أمني يضبط حدود الجنوب السوري ويمنع الاحتكاك العسكري بين الطرفين. وأما الهدف غير المعلن، فهو أعمق وأكثر ارتباطاً بتحولات ميزان الردع في الإقليم. ولنفهم ما يحدث أكثر سنستعين بمنهج مدرسة الردع، ولا سيّما منظرها الأشهر باتريك مورغان، وننقتل خطوة بخطوة لتفكيك جولات المفاوضات منذ التحرير وحتى جلسة اليوم.
أولاً: من طلب المفاوضات فعلياً؟
تبرز هنا النقطة الجوهرية التي يُفترض التوقف عندها، وهي التقارير الأميركية نفسها التي تؤكد أن الجانب الإسرائيلي هومن طلب الوساطة الأميركية لإطلاق هذا المسار. وهذا التفصيل بالتحديد ليس بروتوكولياً، بل كاشفاً للاتجاه العام.
وفي منطق الردع، الطرف الذي يطلب التفاوض الأمني ليس بالضرورة الطرف الأضعف عسكرياً، بل الطرف الأكثر قلقاً من عدم قابلية الوضع القائم للاستمرار. وإسرائيل اليوم، خلافاً للصورة الشائعة، تواجه معضلة ردعية مركبة على الجبهة الشمالية، تجعلها بحاجة إلى تثبيت قواعد اشتباك واضحة أكثر مما تحتاج سوريا إلى تنازلات سياسية.
ثانياً: إسرائيل ومأزق الردع المتآكل
من منظور مدرسة الردع الكلاسيكية، لا تقوم قوة طرف على التفوق العسكري فقط، بل على قابلية هذا التفوق للترجمة إلى استقرار. وهنا تكمن المشكلة الإسرائيلية.
فإسرائيل قادرة على توجيه الضربات، نعم، لكنها غير قادرة على تحويل الضربات المتكررة في سوريا إلى بيئة ردعية مستقرة. فالغارات الجوية، رغم كثافتها، لم تُنتج انسحاباً كاملاً للقوات السورية، ولا تفكيكاً لشبكات النفوذ، ولا ضمانة دائمة لحدود هادئة. بل على العكس، أنتجت حالة احتكاك مزمن، قابل للانفجار في أي لحظة.
من هنا، يصبح الاتفاق الأمني – حتى لو كان محدوداً – أداة استقرار ردعي لإسرائيل، ويعتبر هذا تنازلاً منها. وهو محاولة للانتقال من الردع بالقوة العسكرية التي لم تحدث نتيجة تذكر ولن تحدث رغم وضع سوريا المعروف عسكرياً بعد انهيار النظام البائد، ولتحقق إسرائيل خطوة نسميها الانتقال إلى الاتفاق على الردع المتبادل بالقواعد.
ثالثاً: سوريا بين التفاوض والانتظار
في المقابل، تدخل سوريا هذا المسار من موقع مختلف تماماً. دمشق لا تطرح نفسها اليوم بوصفها طرفاً باحثاً عن سلام، ولا حتى عن تسوية سياسية شاملة. موقفها، كما تعكسه التسريبات، هو اختبار النية الأميركية، وفتح نافذة لكسر العزلة، من دون دفع أثمان سيادية.
فالملفات الكبرى – مثل الجولان، السيادة، التطبيع – أُخرجت عمداً من هذه الجولة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن سوريا لا تعتبر هذا المسار بوابة نهائية، بل قناة وظيفية مؤقتة.
في منطق الردع، سوريا ليست مضطرة لتقديم أكثر مما يقدمه الوضع القائم أصلاً. فالجنوب السوري اليوم، رغم هشاشته، لا يشكّل تهديداً استراتيجياً مباشراً لدمشق (ثغرة)، بقدر ما يشكّل مصدر قلق دائم لإسرائيل. وهذه معادلة تفاوضية غير متكافئة، لكنها ليست بالضرورة في غير مصلحة الطرف السوري.
رابعاً: الدور الأميركي… إدارة لا حل
الوساطة الأميركية، كما تظهر في تقارير Axios، لا تهدف إلى إطلاق مسار سلام شامل، بل إلى تجميد الجبهة. و واشنطن لا تبحث عن اتفاق تاريخي، بل عن منع انزلاق إقليمي واسع في لحظة دولية مضطربة.
هذا ينسجم تماماً مع المقاربة الأميركية التقليدية في الشرق الأوسط: خفض التصعيد، ضبط الحواف، وتأجيل الأسئلة الكبرى.
خامساً: إلى أين يمكن أن يؤول هذا المسار؟
وفق المعطيات الحالية، الاحتمال الأكثر واقعية هو نجاح محدود: بوضع قواعد اشتباك أوضح، قنوات اتصال مفتوحة، وخفض مستوى الاحتكاك. فالآن سيكون الوضع كالتالي: لا سلام، ولا تطبيع، ولا إعادة رسم للخرائط.
لكن الأهم من النتائج المباشرة هو ما تكشفه هذه الجولة عن اختلال السردية التقليدية: إسرائيل ليست الطرف الذي يمنح، بل الطرف الذي يطلب. لا لأنها ضعيفة فحسب، بل لأنها تدرك أن القوة غير المؤطرة باتفاقات، تتحول مع الوقت إلى عبء.
وختاماً بوسعنا القول،مفاوضات باريس ليست تنازلاً سورياً، ولا اختراقاً إسرائيلياً يُنظر له بعين الاهتمام، بل مناورة ردعية متبادلة تحسب للجانب السوري في لحظة إقليمية حساسة. فإسرائيل تحتاج هذا المسار لتثبيت أمنها أكثر مما تحتاجه سوريا لتغيير موقعها. وسوريا تدخل من موقع الانتظار وتوظيف الصبر الاستراتيجي، لا الاندفاع. وفي السياسة، كما في الردع، ليس المهم من يجلس إلى الطاولة، بل من يخشى بقاءها فارغة.