حين لا تُغلق وزارة الإعلام الصفحة… لكنها تترك الإشاعة تنتصر
هنا بالضبط تسقط وزارة الإعلام مهنياً. ليس لأنها لم تُغلق الصفحة، بل لأنها لم تفعل شيئاً في الوقت الذي كان يجب أن تفعل فيه كل شيء

بلال الخلف – العربي القديم
لم تُغلق وزارة الإعلام صفحة «سيريا ميمز» بقرار مباشر، ولم يصدر عنها إجراء رسمي بحقها. الإغلاق جاء نتيجة بلاغ تقدّمت به معاونة وزير الثقافة إلى إدارة شركة «فيسبوك»، التي اتخذت قرارها وفق سياساتها الخاصة. هذه حقيقة لا بد من تثبيتها، ليس دفاعاً عن أحد، بل التزاماً بالدقة.
فقد حذفت شركة ميتا صفحة سيريا ميمز بعد بلاغ تقدمت به السيدة لونا رجب معاونة وزير الثقافة بشأن منشور على الصفحة يذكر إقالتها بتهم فساد.
لكن تثبيت هذه الحقيقة لا يُبرّئ وزارة الإعلام، بل يكشف مكمن الفشل الحقيقي. فالقضية لا تتعلق بصفحة ساخرة أُغلقت، بل بحقيقة أكثر خطورة:
الإشاعة كانت أقوى من وزارة الإعلام.
في لحظة حساسة، كان يُفترض فيها أن تكون الوزارة المصدر الأول، والأسرع، والأوضح للمعلومة، غابت بالكامل عن المشهد. هذا الغياب لم يترك فراغاً فقط، بل صنع بيئة مثالية تمددت فيها الإشاعة، وتحولت من مجرد خبر متداول إلى أداة تأثير حقيقية.
الأخطر أن هذه الإشاعة لم تكتسب قوتها من جمهور عادي أو متلقٍ غير واعٍ، بل أصبحت مصدر إرباك وتأثير حتى لدى أشخاص عملوا في السوشيال ميديا لسنوات، ويفهمون آليات التضليل والانتشار، ما يؤكد أن المشكلة ليست في وعي الناس، بل في فشل المؤسسة الرسمية عن أداء دورها الطبيعي.
هنا بالضبط تسقط وزارة الإعلام مهنياً. ليس لأنها لم تُغلق الصفحة، بل لأنها لم تفعل شيئاً في الوقت الذي كان يجب أن تفعل فيه كل شيء. حين تغيب المعلومة الرسمية، تصبح السخرية أكثر مصداقية.
وحين يتأخر البيان، يصبح «الميم» أسبق. وحين يفقد الإعلام لغته وتأثيره، تتحول الإشاعة إلى سلطة.
هذا الفشل ليس طارئاً، بل امتداد لمسار طويل خسرت فيه الوزارة معركة السردية العامة، وسمحت لمنصات وشخصيات غير رسمية – من رامي عبد الرحمن إلى غيره – بملء الفراغ، لا لقوتهم الاستثنائية، بل لضعف الصوت الرسمي وتكلّسه.
وتتعمق الأزمة أكثر مع ذهنية إقصائية تحكم المشهد الإعلامي، ذهنية لا ترى في الإعلام الحر شريكاً، بل تهديداً، ولا تعترف بالإعلام إلا إذا كان يشرب من «بئر العزميين»، ويدور في فلك خطاب واحد، حتى لو فقد ثقة الناس وتأثيره.
الدفاع عن «سيريا ميمز» هنا ليس دفاعاً عن خبر ساخر، بل دفاع عن منطق إعلامي واضح:
الإشاعة لا تُهزم بالحذف، بل بالمعلومة.
ولا تُواجه بالصمت، بل بالحضور.
ولا تُكسر إلا بإعلام مهني يفهم زمنه وأدواته.
باختصار:
الصفحة لم تُسقط وزارة الإعلام، وزارة الإعلام سقطت حين تركت الإشاعة تتقدم عليها.