الرأي العام

الألم والحق في الانتماء إلى الحياة!

لا نعرف غير الاتهامات والصراعات والمهاترات وتصفية الحسابات... لا نبالي بشيء من أجل إنكار حقيقتنا

د. علي حافظ العربي القديم

نتنفس الوداع في كل شيء…

لقد أعدوا لنا القبور منذ المهد؛ وملأ التراب أفواهنا حتى لا نستطيع التحدث بحرية، والتنفس بملء الرئتين. وها نحن نحملها معنا أينما حللنا وارتحلنا حتى نصل إلى النهاية، إلى المحطة الأخيرة من حياتنا… نصبوا أقوى الحواجز داخلنا ومن حولنا، ولم يعد لدينا خلاص لا من داخل أنفسنا، ولا من خارجها… إننا ضائعون لا نعرف من أين أتينا إلى هذا العالم؟ وماذا سنفعل فيه؟ وإلى أين سنذهب؟…

لقد حبسونا في سجون من الأديان والطوائف والقوميات والأعراق والرايات… ولا نعرف غير الاتهامات والصراعات والمهاترات وتصفية الحسابات… لا نبالي بشيء من أجل إنكار حقيقتنا؛ وهي الحقيقة الوحيدة التي نملكها!

تنتفخ أحلامنا مثل فقاعات الصابون؛ وما إن تطير في الهواء حتى تنفجر من تلقاء نفسها، ودون أن يمسها أحد على الإطلاق.. تموت هكذا دون أي سبب!

قد تغوينا أشكالها كما هي الأوهام؛ لنغلق أعيننا ونحلم. لكن مهما فعلنا، فنحن نتاج الأماكن التي ولدنا فيه ونشأنا.. لقد غذّتنا بحليبها الخاص، ومن خلال ذلك الحليب فحسب نعرف العالم؛ وربما يعرفنا العالم!

وهنا، تنشأ المعضلة الأسوأ… فعندما تغادر تلك الأماكن تفقد ماهيتك: أنت لا تعرف من أنت؛ ولا تعرف من أصبحت؛ ولا تقدر أن تكون ما أردته!…

لذلك، علينا ألا نتشبث بالوهم.. وقبل كل شيء: لا ندع لحظتنا تمر دون أن نجعلها لحظة جوهرية، لحظة امتلاء شخصي، لحظة واسعة من احتضان كل شيء داخل أبعادنا، واستيعاب كل شيء دون اللجوء إلى تبريره هكذا. فالحياة هي الفرصة الأولى والأخيرة لنا، لأنه لا يوجد حياة بعد الموت!

الحياة هي سباق؛ قد يكون سريعًا مرة، وقد يكون بطيئًا مرة أخرى؛ ومع ذلك ستصل عاجلًا أم آجلًا إلى خط النهاية… ومن هنا “يبدو لي أن المرء لابد أن يفرح بحقيقة الموت ــ لابد أن يقرر، في واقع الأمر، أن يكسب موته من خلال مواجهة معضلة الحياة بشغف. فالإنسان مسؤول عن الحياة: فهي المنارة الصغيرة في ذلك الظلام المرعب الذي نأتي منه وإليه نعود. ولابد أن نتعامل مع هذا الممر بأكبر قدر ممكن من النبل، من أجل أولئك الذين سيأتون بعدنا” – حسبما يؤكد جيمس بالدوين في كتابه “النار في المرة القادمة”!

فليحصد كل ما هو أصيل من أصالته وحقيقته وفرحة الجودة التي اكتسبها بالعرق والدم؛ ومن ثم عليه ألا يدع اللحظة تمر دون أن تكون من أنقى صور الإيثار والتضحية بالنفس من أجل الناس جميعًا؛ ومع أجل الإنجاز الأكثر إنسانية والأغنى والأكثر إبداعًا وروعة وجمالًا…

من الجميل أن هناك في هذه الحياة موسيقى، وأدب، وفلسفة، ورسم ونحت، ومسرح، وسينما… وهناك أيضًا رياضة وسياحة… وطبعًا عملك المحبب… وإلا لكان العيش مجرد هراء وملل وقرف لا يحتمل.. هذه الأشياء تجعل الثلج يذوب في قلوبنا. لذلك، وقبل كل شيء، اسمح لنفسك بالتحليق إلى عوالم بلا حواجز ولا تعقيدات.. افتح قلبك ودع أفكارك تطير نحو النور دون أن تسمح لها بالانفجار كفقاعات الصابون اللامرئية…

هنا لا يخطر في بالي سوى قصيدة للشاعر الألماني أوتو روكيت كنت قد ترجمتها منذ فترة قصيرة:

عندما تحب،

عندما تأمل،

عندما تكافح،

عندما تتغلب على قلبك النازف بإرادة قوية:

حينها تشعر كيف تستيقظ حياتك كلها على قيمتها الكاملة،

لأن كل ألم يثقل كاهلك سيرفعك إلى أعلى.

سعادتك نادرًا ما تكون حقيقية،

ولكنها ستسحرك:

الألم هو ما يعطيك الحق في الانتماء إلى الحياة!

سواء احتضنت العالم بأذرع محبة في هواء الشباب،

فلن تتعلم أقدس مشاعر التعاطف

إلا من خلال المعاناة والخسارة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى