البعث دفع فاتورة هيمنة العسكر… والخمسينات عصر التنوير السوري
عندما كان الجميع يتمتع بثقافة الحوار السلمي وكانوا يرددون (الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية)

صبري عيسى – العربي القديم
في سنوات الأربعينات من القرن الماضي شكلت بدايات البعث مقدمة لدخول سورية عصر التنوير على يد الآباء المؤسسين للحزب، وفي عام 1954 نال البعثيون ثقة الشعب وفازوا في الانتخابات البرلمانية وحصلوا على 17 مقعداً . كما تم انتخاب أكرم الحوراني أحد الآباء المؤسسين رئيساً للمجلس النيابي، وبعد 8 آذار تسلم الحزب قيادة الدولة والمجتمع ثم ما لبث أن تنكر للآباء المؤسسين وقام بعزلهم، ثم قامت قيادات الحزب المتعاقبة بفتح باب التنسيب للحزب على مصراعيه حيث دخل الناس أفواجاً واختلط الصالح بالطالح وتدفقوا للحصول على عضوية الحزب الحاكم طمعاً بالحصول على المكاسب والمغانم التي وفرتها السلطة لهم !
سيطر الانتهازيون والمتسلقون على القرار الحزبي والحكومي وترافق ذلك مع سياسة الغاء الآخر وغياب الحوار واعتماد الصوت الواحد في كل المجالات، كما تم استبدال معايير الكفاءة والخبرة واستبدالها بمعايير الولاء الشخصي وتخوين الناس والتشكيك بانتمائهم الوطني، وكانت النتيجة انتشار الفساد وتخريب الاقتصاد الوطني والعبث بمصائر الناس ومستقبل الوطن .
لتمكينه من الحكم سمح الحزب بدخول العسكر الى صفوفه للوصول السريع الى السلطة عن طريق انقلاب عسكري باعتباره حزب انقلابي كما جاء في منطلقاته، وتشارك مع عسكر الوحدة في انقلا ب 8 اذار 1963، ثم ما لبث ان انقلب عليهم وطردهم من السلطة، ثم قام عسكر البعث لاحقا بتجميد وتشفير القيادات المدنية للحزب وابعد قيادات الحزب كمؤسس الحزب وامينه العام ميشيل عفلق وأبرز قياداته صلاح الدين البيطار وكل القيادات المدنية التي كانت في واجهة المشهد الحزبي !
دخلت البلاد غي دوامة الصراع الطائفي بين صفوف العسكر انتهت بانقلاب حافظ الأسد على رفاقه بما اسماها “الحركة التصحيحية” عام 1970 وهيمنة طائفته على السلطة التي احتكرها هو وابنه لأكثر من نصف قرن، انتهت بتدمير البلاد وتهجير نصف السوريين خارج البلاد وسجنهم داخل المعتقلات ودفنهم المقابر الجماعية، وخلق الفتنة والشقاق بين كل المكونات السورية، وتحول نصف السوريين إلى كتابة تقارير كيدبة بالنصف الاخر!
القيادات الحزبية على اختلاف مواقعها وعلى المستويات كافة عاشت في بحبوحة من الامتيازات الشخصية والمكاسب المادية على حساب الموازنة العامة للدولة التي يمولها دافعو الضرائب ، وكانت تتدخل في اختيار القيادات الفاشلة والفاسدة للمنظمات الشعبية مما ساهم في إحداث هوة شاسعة بين قواعد هذه المنظمات وقياداتها .
وفي بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أدخلنا الحزب الى عصر الشموع وبوابير الكاز تمهيداً لإعادتنا الى العصر الحجري .
عندما يقوم بعض ركاب المركب الفاسدين بثقب قعره وتعريض الركاب كلهم للغرق ينبغي على الجميع إنقاذ المركب وإصلاحه ومحاسبة الفاسدين وتطهير المركب من أمثالهم حتى تصل المركب إلى بر الأمان !
في 8 كانون الأول 2024 تم إنهاء دور الحزب وعسكره، على يد الشجعان الذين حرروا البلاد من اقذر نظام حكم إجرامي في التاريخ !
السؤال الملح اليوم، هل يمكن عودة الأحزاب السياسية اليوم بطروحات وطنية يجمع علها السوريون؟
إعمار البلاد ممكن، لكن إعادة الثقة بين كل المكونات السورية وسط دعوات قذرة من بقايا النظام البائد لنشر الفوضى، ترافقت مع دعوات أكثر قذارة من مجموعات دخلت البلاد كضيوف هربا من الظلم والموت في البلاد الذين جاؤوا منها قبل عقود ومنحتهم الإدارات السورية المتعاقية الامن والأمان، واليوم يريدون دولة لهم على أرض ليست لهم عاشوا فوفها كراما بحماية كل الحكومات السورية !
أحن وبشوق جارف الى سنوات الخمسينات عندما كان الجميع يتمتع بثقافة الحوار السلمي وكانوا يرددون (الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية)، وكانت منابر الرأي والرأي الآخر عبر عشرات الصحف الحرة دليلاً للمناخ الديمقراطي العام الذي كان يتمتع به السوريون الذين كانوا يعيشون فعلاً عصر التنوير.