الرأي العام

ميليشيا “قسد” لم تترك للصلح مطرحاَ

الوقت لم يعد لصالح الـ "قسديين"، وبات على النخب الكردية أن تصحوا من الأوهام التي أسست لها "قسد"، وتتخذ موقفا تاريخيا

أسامة المصري – العربي القديم

دأبت “قسد” على توقيع الاتفاقات مع الحكومة السورية وعدم تنفيذها، ودائما المطلوب شراء الوقت عل وعسى تحدث متغيرات إقليمية أو دولية، والمقصود المتغيرات الإقليمية هو الدور الإسرائيلي، فهم يطلبون بين الحين والآخر بتدخل إسرائيل لحمايتهم، أما المتغير الدولي فالمقصود به الموقف الفرنسي والموقف الأمريكي، ورغم أن الموقف الأمريكي بات واضحا منذ عدة أشهر بأن على “قسد” الاندماج وتنفيذ الاتفاقات التي وقعتها مع الحكومة، لكن للأسف فإن ضيق الأفق السياسي للعقل الميليشياوي ـ الذي انتقل بالعدوى للنخب الكردية واليسارية السورية ـ جعلهم يستمرون بسياساتهم في توقيع الاتفاقات وعدم تنفيذها، وهذا ما حصل في اتفاق العام الماضي واتفاق 18 كانون الأول وأخرها كان اتفاق وقف إطلاق النار، لكنهم لم يلتزموا به لساعات وراحوا يستهدفون القوات السورية مستخدمين الطائرات المسيرة الإيرانية. 

أما بالنسبة لفرنسا “الأم الحنون” والتي انتظرت “قسد” ونخبها أن ينجدها الرئيس ايمانويل ماكرون بدعم ولو معنوي، أيضا كان نتيجة لـ “عمى الرغبات” وعدم إدراك المتغيرات الدولية وانعكاساتها على الملف السوري والشرق أوسطي عموما، فوصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض غيّر قواعد اللعبة في العالم وليس في الشرق الأوسط وحسب، فماكرون الذي سارع إلى حماية حزب الله ووضع مظلته فوق رأس حسن نصرالله لحمايته من تبعات انفجار مرفأ بيروت عام 0220 ، يدرك اليوم أنه من العبث الخروج عن إرادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسقف موقف ماكرون هو دعوة لتطبيق الاتفاقات الموقعة، وماكرون أعجز من أن يقدم شيئا للأكراد، أما الموقف الأمريكي فقد كان واضحا بالدعم اللامحدود للدولة السورية ووحدة أراضي سوريا، وهذا ما أعلنه الرئيس ترامب وكعادته يتحدث بلغة صريحة وغير دبلوماسية بتأكيده على أن دور “قسد” انتهى ومميزا بين الأكراد و”قسد”، ليأتي السفير توماس باراك ويشدد على موقف الرئيس ويسهب بشرحه، إلا أن مواقف قادة “قسد” السياسيين والعسكريين تسير بالاتجاه الخاطئ من التاريخ ومعاندة الواقع ذاهبة نحو المواجهة العسكرية حتى بعد أن ضاقت المساحة التي يسيطرون عليها، فسوريا بالنسبة لهم ليس ملاذهم الأخير وحسب، بل هي مصادرهم المالية الضخمة وهي الحلقة الأضعف بين البلدان الأربعة التي يتواجد فيها الأكراد، وعلى هذا يراهنون.

 هؤلاء القادة الذين كانوا يهددون ليس السلطة السورية وحسب بل السوريين جميعا، ويتحدثون عن عشرات الآلاف من المقاتلين، اليوم يطالبون إسرائيل بالتدخل لنجدتهم، بنفس العقلية السياسية الساذجة وكأن إسرائيل بانتظار طلب حمايتهم، غير مدركين أن ما يحرك الجيوش مصالح الدول وليس رغبات الـ”قسديين”، أما الإعلان عن النفير العام مطالبين الأكراد في جميع أنحاء العالم للتوجه للقتال فهو الأخطر، فهم توقعوا أن يقابله نفير عام سوري وهي محاولة لخلط المزيد من الأوراق والذهاب نحو الفوضى التي يعتاشون عليها، وهنا أيضا تبرز السذاجة السياسية معتقدين أن السلطة السورية سترتكب نفس أخطاء الماضي.

تطبيق اتفاق 18كانون الثاني يسدل الستار عن آخر ميليشيا تأسست برعاية نظام الأسد، وهذا بالطبع لن يوافق عليه قادة حزب العمال الكردستاني، فمن غير المعقول أن  يقبلوا بتنفيذ قرار ينص على طردهم من سوريا، خاصة أن السيد مسعود البرزاني لن يرحب بهم، إلا إذا تخلوا عن أسلحتهم بحسب قرار زعيمهم عبدالله أوجلان، فتركيا ستلاحقهم من جديد في شمال العراق، وليس من مصلحة البرزاني الذي وصلته الرسالة الأمريكية بشكل واضح أن الوقت نفذ ولم يعد أمام “قسد” إلا رمي السلاح والاندماج بالدولة السورية كأفراد، وجاء قرار الإدارة الأمريكية بنقل سجناء “داعش” من سوريا إلى العراق ليشكل الضربة الأخيرة لـ “قسد”، فليس فقط دور “قسد” ووظيفتها انتهت بل الثقة الأمريكية زالت عن هذه الجماعة التي كانت تؤدي أدوارا مزدوجة في العلاقة مع نظام الأسد وايران وميليشياتها، طوال السنوات الغشرالماضية، والتغني بمحاربة “داعش” انتهى.

اليوم لم يعد هناك “روج آفا” ولم يتبق تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني سوى محافظة الحسكة ورغم أن مظلوم عبدي نفسه وقع اتفاق الثامن عشر من كانون الثاني، إلا أنه بعد ساعات قال عبر قناة شمس الكردية “قواتنا انسحبت إلى المناطق ذات الغالبية الكردية لأن حماية هذه المناطق خط احمر”.  في هذا التصريح يكشف عبدي عن الوجه الصريح لـ “قسد” ولقادته في حزب العمال الكردستاني فهذا التصريح هو إعلان حرب خاسرة، ويذكرني بتصريحات حسن نصرالله قبل مقتله فالخطوط الحمر لم يعد لها وجود وبشكل خاص فيما يتعلق بتوحيد الأرض السورية، وإنهاء وجود العصابات وتجار المخدرات والمليشيات سواء كانت “قسد” أو ميليشيات الهجري أو فلول نظام الأسد المتواجدين بأحضان “قسد” وشركائهم في الجرائم، الوقت لم يعد لصالح الـ “قسديين”، وبات على النخب الكردية أن تصحوا من الأوهام التي أسست لها “قسد”، وتتخذ موقفا تاريخيا والتحرك لسحب البساط من تحت اقدام هذه الجماعة والاندماج ضمن مشروع الدولة السورية الناشئة.   

ما فعلته “قسد” يجب ألاً تكافأ عليه ويتحول قادتها إلى مسؤولين في الدولة السورية وهذا بالطبع مرفوض كليا، بل العكس يجب أن تحاسب عليه ويحال كل المسؤولين عن الجرائم إلى المحاكم، مثلهم مثل فلول الأسد والهجري وقادة ميليشياته فهؤلاء يعلنون بصراحة انه يريدون تقسيم سوريا، وقناصتهم يلهون بقتل الأطفال والمدنيين، وعسكرهم يعدمون السجناء وقادتهم يعطون الأوامر لنسف الجسور، وزرع الالغام وتفخيخ المواقع فعن أي اتفاق يمكن الحديث مع هؤلاء الذي ينطبق عليهم القول الشعبي (لم يتركوا للصلح مطرح)

 مطلوب اليوم من السلطة السورية التفاوض على تسليم السلاح وحل ميليشيات “قسد” وطرد قادة الكردستاني، فقادة هذه الجماعة لا تعنيهم سوريا ولا الدماء التي يمكن أن تسيل ولا تعنيهم حتى مواقف مسعود البرزاني الذي احتضن القيادات الكردية وحركاتهم السياسية بل ومقاتليهم لعدة عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى