من الطمأنة إلى الانقسام: مخاطر المرسوم 13 واتفاق قسد
العرب يشكلون أغلبية في الحسكة وريفها، لكن القرارات تمنح الأكراد نفوذًا يتجاوز حجمهم العددي.

خليل البطران – العربي القديم
في سوريا ما بعد الحرب، كل قرار سياسي أو إداري يحمل رسائل تتجاوز أبعاده الرسمية، ويشكل اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة التعدد العرقي والثقافي والجغرافي. تأتي في هذا السياق المرسوم الرئاسي رقم 13 المتعلق بالهوية والثقافة الكردية، مترافقًا مع الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعد انهيارها السريع ميدانيًا، ليشكّل تجربة فريدة في إدارة الصراع المجتمعي والسياسي، ويطرح تساؤلات جدية حول إدراك صانع القرار لطبيعة الجغرافيا والديموغرافيا في شمال شرق البلاد.
هذا المقال يقدم تحليلاً شاملاً لهذه القرارات، يوازن بين الإيجابيات والسلبيات، ويعرض المخاطر المحتملة على المدى المتوسط، مع تفكيك أدوار الأطراف المختلفة، بما في ذلك قسد وحزب العمال الكردستاني، وتأثير ذلك على المكونات السورية الأخرى.
المرسوم الرئاسي رقم 13: الطمأنة أم مكافأة سياسية؟
يهدف المرسوم 13 إلى معالجة قضية مكتومي القيد وتكريس الحقوق الثقافية للكرد، بما في ذلك حفظ اللغة والهوية المحلية. من زاوية حقوق الإنسان والقانون، يمكن اعتباره خطوة ضرورية لتصحيح خلل تاريخي طويل طال الأكراد، خاصة بعد عقود من سياسات الإنكار والتمييز. كما يوفر المرسوم إطارًا قانونيًا لمعالجة أوضاع مكتومي القيد، وهو إجراء إنساني مشروع يضمن لهم الاعتراف الرسمي.
لكن عند النظر إلى المكون السياسي، يظهر جانب سلبي مهم. فالمرسوم ركّز على شريحة محددة من المجتمع الكردي المرتبطة بأيديولوجية حزب العمال الكردستاني، والتي لم تشارك في الثورة السورية، أو حيّدت نفسها خلال صراعها مع النظام. هذا يخلق ما يشبه مكافأة سياسية لمجموعات لم تُحاسب بعد، في حين تُركت فئات أخرى خارج الحسابات، ما يعزز الشعور بالغبن والتهميش.
الأخطر أن بعض المستفيدين لا يتحدثون العربية، ولا يعتبرون الدولة السورية إطارًا نهائيًا للانتماء، ما يطرح السؤال المركزي: هل هذا المرسوم إصلاح حقوقي وإنساني، أم تمكين لقوى أيديولوجية داخل الدولة؟
اتفاق الشرع مع قسد: انهيار ميداني وخصوصية إدارية
الاتفاق الأخير مع قسد جاء بعد انهيار سريع لقدرتها العسكرية، لكنه لم يُترجم إلى حل جذري، بل حول نفوذها من المجال العسكري إلى المجال الإداري والسياسي، خصوصًا في القامشلي وريفها. منح قسد شبه خصوصية إدارية وأمنية تحت غطاء الدمج في مؤسسات الدولة، ما أعاد إنتاج قدرة هذه القوى على التأثير في السياسات المحلية رغم فقدانها القوة العسكرية.
هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة: قسد التي حكمت بالنار والحديد، وقلّصت حضور العرب، ونسّقت مع النظام ضد فصائل الثورة، أصبحت اليوم طرفًا مميزًا ضمن الدولة، وهو ما يزيد الاحتقان لدى السكان العرب والأقليات الأخرى.
في هذا الإطار، كتب الدكتور أحمد الهواس:
«إذا وصل مظلوم عبدي إلى دمشق، فالمكان الطبيعي له السجن، وتقديمه للمحاكمة بتهمة الخيانة للدولة السورية، وسرقة ثرواتها، وفتح الباب لمقاتلين مرتزقة جاءوا من خلف الحدود لمقاتلة الشعب السوري، وجعل منطقة الجزيرة الفراتية منطلقًا للفلول لزعزعة أمن واستقرار الجمهورية العربية السورية، وتقديم الدعم المالي للانفصاليين الهجريين».
كما أضاف الأستاذ والباحث السوري أحمد الشمام تحليلاً استراتيجيًا عميقًا حول تجربة الغمر الجديدة في الحسكة:
«عرب الحسكة وإعادة تجربة الغمر الجدد: سيكون هناك تأمين للشدادي. سبق وقلت قبل أشهر أن السيادة السورية الكاملة (المعبرة عن أبنائها) ستكون حتى حدود مدينة الحسكة، أما مدينة الحسكة وشمالها وشرقها حتى المالكية فهي سيادة مختلفة. والدليل الفرق بين النقطة ٢ التي نصت على تسليم الرقة ودير الزور، وبين النقطة ٣ التي تقضي باندماج المؤسسات الإدارية بالدولة، وهو ما يعني سيادة منقوصة للدولة وفي تعبير مؤسسات الدولة عن أبناء محافظة الحسكة وغالبيتها العربية. هذا الإدماج سيعطي شرعية لعناصر قسد كوظائف دولة واعتبار وظيفي، ويعطي مجالًا لأعضاء قسد ومراهقي الأكراد المنتشون بهذه الشرعنة للتجبر على مواطني الحسكة، وستحصل ردات فعل لن تستطيع الدولة معالجتها، القيادة أمام خيارين: إما الالتفاف/نقض الاتفاق، أو تهيئة مكان لأبناء الحسكة بريف الشام ومحافظات أخرى وتشكيل حالة غمر جديدة لاستيعاب المهاجرين العرب من الحسكة».
هذان الاقتباسان يوضّحان ثقل القرار الاستراتيجي ومخاطره المباشرة: محاولة تهدئة البيئة الكردية مقابل تمكين قوى خارجة عن السيطرة داخل مؤسسات الدولة، وإعادة إنتاج سيادة منقوصة ومخاطر انفجار محلي محتمل.
تجاهل الجغرافيا والديموغرافيا: خطأ استراتيجي
أحد أبرز الانتقادات للمرسوم والاتفاق هو تجاهل البنية الديموغرافية والجغرافية للمنطقة:
العرب يشكلون أغلبية في الحسكة وريفها، لكن القرارات تمنح الأكراد نفوذًا يتجاوز حجمهم العددي.
الأقليات غير العربية، كالآشوريين والسريان والتركمان والأرمن، لم تُدمج بشكل فعلي في الحسابات السياسية والثقافية، رغم مشاركتهم في الثورة ودفعهم ثمنها.
هذا التجاهل يخلق توترات مزدوجة: شعور الأغلبية العربية بالغبن والإقصاء، وشعور الأقليات غير العربية بالخيانة والتحييد، ما يمهد لصراعات لاحقة أسرع وأكثر عنفًا.
خذلان المكونات غير العربية والسباق على الامتيازات
المرسوم والاتفاق أطلقا ديناميكيات جديدة:
الآشوريون والسريان بدأوا بالمطالبة بتعليم لغاتهم، بعد شعورهم بأن جهودهم في الثورة لم تُكافأ.
التركمان والأرمن طالبوا بحقوق ثقافية مماثلة، ما فتح الباب لـ سباق امتيازات هوياتية، حيث يقيس كل مكوّن مكانته بما حصل عليه الآخرون، بدل قياسها بالانتماء الوطني.
في بيئة مشحونة بالذاكرة والسلاح، أي احتكاك صغير قد يتحول إلى شرارة واسعة: مشادة كلامية، تصرف أمني فوقي، ثم صراع مسلح محلي، مع احتمال تدخل شبكات اجتماعية أو عشائرية، ما يزيد من احتمال تصاعد التوتر إلى صراع قومي/هوياتي مفتوح.
الإيجابيات النظرية
رغم السلبيات، هناك بعض الإيجابيات النظرية للمرسوم والاتفاق:
معالجة قضية مكتومي القيد وإعطاؤهم الاعتراف القانوني.
حفظ جزء من الهوية الثقافية الكردية، بما يضمن استمرار اللغة والموروث الثقافي.
إمكانية تهدئة البيئة الكردية على المدى القصير، ومنع أي انفجار محدود فوري.
لكن هذه الإيجابيات محدودة لأنها مرتبطة بتوزيع امتيازات انتقائي، ولا تعالج التوازنات الاجتماعية والتاريخية لمكونات الجزيرة السورية.
إعادة إنتاج أخطاء الماضي
السياسات الحالية تكرر بصيغة جديدة أخطاء النظام السابق:
تقريب أقليات متنفذة وتهميش الأغلبية.
منح امتيازات لمن لم يشاركوا في الثورة.
استخدام الطمأنة كأداة حكم.
الاكتشاف المتأخر أن الغضب المؤجل لا يُدار إلا بالقوة.
الفرق أن المجتمع اليوم أكثر وعيًا، أقل صبرًا، وأكثر تسليحًا، ما يجعل أي صراع لاحق أقصر وأكثر دموية.
الهوية الوطنية بين التعدد والتفكك
الهوية الوطنية لا تُبنى بجمع امتيازات كل مكوّن على حدة، بل عبر:
لغة رسمية جامعة،
قانون واحد يحمي الحقوق للجميع،
مواطنة متساوية،
السماح لكل مكوّن بالممارسة الثقافية داخل المجتمع، وليس داخل مؤسسات الدولة بشكل منفصل.
حين تتحول الدولة إلى موزّع امتيازات هوياتية، تصبح المؤسسات طرفًا في الصراع لا حكمته، ويصبح مشروع الهوية الوطنية مستحيلًا، بينما تتزايد الشرخات الاجتماعية والثقافية.
سيناريوهات الانفجار المستقبلي
احتقان عربي متصاعد نتيجة شعور الأغلبية بالإقصاء والظلم التاريخي.
صعود مطالب الأقليات غير العربية وتحويل كل مطلب ثقافي أو تعليمي إلى ورقة ضغط سياسي.
تصعيد محلي أو عشائري في حال حدث أي احتكاك مباشر بين السكان المحليين وأجهزة الأمن/قسد.
تمكين قوى أيديولوجية خارج الدولة قد تستخدم هذه الفوضى لتعزيز نفوذها أو لزعزعة الاستقرار الإقليمي، كما يشير الهواس، أو لإعادة تجربة الغمر الجديدة كما يوضح الشمام.
هذه السيناريوهات تظل مهددة للسلام الاجتماعي والاستقرار السياسي في شمال شرق سوريا، وربما تتجاوز الحدود المحلية لتؤثر على الدولة ككل.
الخاتمة
المرسوم الرئاسي رقم 13 واتفاق الشرع مع قسد، رغم بعض المكاسب النظرية، يمثلان خطراً استراتيجياً على الهوية الوطنية السورية. قد يكون الهدف معالجة أزمة آنية وتهدئة البيئة الكردية، لكن الطريقة التي تم بها، مع منح امتيازات انتقائية، وتجاهل الجغرافيا والديموغرافيا، وشرعنة نفوذ قسد داخل مؤسسات الدولة، تعيد إنتاج أخطاء الماضي وتضعف عقد الدولة الوطني.
من دون إطار وطني شامل وعدالة سياسية حقيقية، ستصبح الطمأنة جسراً إلى الانقسام الاجتماعي والسياسي، لا وسيلة لبناء الدولة، وستكون سوريا أمام اختبار جديد أكثر صعوبة وتعقيدًا، حيث تكون الهوية الوطنية محاصرة بين مطالب متزايدة للأقليات، احتقان الأغلبية، وتمكين قوى عابرة للحدود.
السؤال المركزي يبقى: هل يمكن إدارة سوريا الجديدة بمنطق القوة والامتيازات، أم يجب أن تُبنى على هوية وطنية جامعة وعدالة للجميع قبل فوات الأوان؟