فنون وآداب

رحلة الزمن الصادم في ديوان (ربيع الغرباء) للشاعر يوسف أحمد أبو ريد

الغرباء هم الذين يعيشون في زمنٍ مكسور، حيث الماضي جرحٌ لا يندمل، والحاضر صدمةٌ لا تنتهي، والمستقبل سؤالٌ مفتوح

حنين الكرمي * -العربي القديم

    الزمن كجسدٍ يُولد، ينكسر، ويُخلّد

 لا يمرّ الزمن في “ربيع الغرباء” كنهرٍ هادئ، بل كـجسدٍ حيّ يتنفّس الفرح، يختنق بالرصاص، ثم يُبعث من رحم الألم شهادةً خالدة. الديوان لا يسرد أحداثاً تقع في الزمن، بل يُجسّد الزمن ذاته كتجربةٍ وجوديةٍ مُتقطّعة: زمنٌ يُولد من ضحكة طفل، يتشظّى في لحظة رصاص، ثم يُعاد تشكيله في دموع الأم وصبرها. عبر ثلاثيةٍ دراميةٍ دقيقة -فيوض الفرح (٢٠٠٨)، تَمَهَّلْ قليلاً (٢٠١٤)، ووردة على كفّ أمّ الشهيد-يُعيد أبو ريدة اكتشاف الزمن ليس كمقياسٍ للسنين، بل كـنبضٍ جسديّ يربط الذات بالأرض، والفرد بالأمة، واللحظة بالخلود.

أولاً: فيوض الفرح: الزمن كجسدٍ مكتمل قبل الانكسار

 في قصيدة فيوض الفرح، كتب الشاعر مهنّئاً  أخته  الحمصية الأديبة عبير النحاس بتفوق ولدها محمد الحسن الدقاق  في الشهادة الإعدادية، لا يصف الزمن كأرقامٍ تمرّ، بل كـجسدٍ مكتملٍ ينبض بالحياة: 

لوكنتُ أَقْدِرُ لاسْتَعَرْتُ جَناحا وَرَكِبْتُ للشَّامِ العزيزِ رياحا

وَلَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ يبارِكُ بَسْمَةً رَفَّتْ على تِلكَ الشِّفاهِ صَباحا

 وَلَكُنْتُ قد قَبَّلْتُ رأسَ مُحَمَّدٍ إِذْ يَغْمُرُ البيتَ الوديعَ نَجاحا (فيوض الفرح،39)

الزمن هنا عضويّ: البسمة تَرفّ، والبيت يَغْمُرُهُ النجاح، والجسد يطلب جناحاً ليصل إلى الفرح. لا فاصل بين الماضي والحاضر والمستقبل—كلها تتدفّق في لحظةٍ واحدة كأنهارٍ تلتقي. حتى التطلّع للمستقبل لا يحمل قلقاً، بل ثقةً بالجسد والمكان معاً: 

وَنَرى مُحَمَّداً الحبيبَ مُهَنْدِساً

 أَو لِلقلوبِ بِطِبِّهِ جَرَّاحا  (فيوض الفرح، 40)

يَمْشي على الأرضِ العزيزة مُصْحفاً

 وَبِهِ يُبَشِّرُ أَنْفُساً وَبِطاحا (فيوض الفرح، 41)

 الزمن في هذه المرحلة ليس مجرّد ما قبل الصدمة، بل زمن الجسد المأهول-الجسد الذي يعيش في بيتٍ آمن، يُقبّل رأس طفل، يحلم بمستقبلٍ على الأرض العزيزة. هذا الزمن المكتمل هو ما سيُمزّقه الرصاص لاحقاً، مما يجعل قراءة القصيدة  تجربةً صادمةً مزدوجة: نحن لا نقرأ فرحاً فحسب، بل نقرأ جرحاً لم يُخلق بعد نرى الطفل الذي سيصير شهيداً، والبسمة التي ستتحول إلى سؤالٍ معلّق تَمَهَّلْ قَليلا

ثانياً: تَمَهَّلْ قليلاً الزمن كجرحٍ مفتوح في اللحظة

ست سنواتٍ فقط تفصل بين فيوض الفرح وتَمَهَّلْ قليلاً، لكن الزمن الصدمي لا يُقاس بالسنين، بل بلحظةٍ واحدةٍ تُغيّر كل شيء. هنا ينهار الزمن العضوي، ويتحوّل إلى جرحٍ مفتوحٍ في اللحظة: 

تمَهَّلْ قَليلاً لِكَيْ نُكْمِلَ الأَسْئلةُ

تَمَهَّلْ بُنَيَّ

 فَحِمْصُ التي أَنْجَبَتْكَ جميلاً

 وَتَدْري بِأَنَّكَ تَعْشَقُ فيها الفِداءَ الجميلَ     ( تمهل قليلا، 42)

التَمَهُّل ليس طلباً عابراً، بل صرخة جسدٍ يرفض أن يفقد الزمن. التكرار للفعل تمهل  يُحاكي ارتجاف اليد التي تمسك باللحظة الأخيرة، بينما اللغة نفسها تنهار: لِكَيْ نُكْمِلَ الأَسْئلةُ—جملةٌ منقوصة، كأن الوعي ذاته قد تفتّت أمام الصدمة. الزمن هنا لا يمرّ، بل يعلّق في الفجوة بين الحياة والموت، بين الآن واللحظة التالية التي ستكون الموت. الأكثر إيلاماً هو الانعكاس الزمني الذي تخلقه الصدمة:

أَتَخْتارُكَ الآنَ قَبْلَ القِصاص

 تُغورُ الرَّصاصِ اللّعينِ ( تمهل قليلا، 44)

الاختيار يسبق الرصاص، الفعل يسبق سببه الزمن الطبيعي ينقلب رأساً على عقب. هذا ليس خللاً لغوياً، بل تجربة وجودية دقيقة، في لحظة الصدمة، يفقد الإنسان إحساسه بالتسلسل الطبيعي للأحداث، فيعيش المستقبل (الرصاص) كحاضرٍ مُستعاد، والماضي (الاختيار) كحاضرٍ مُستعاد أيضاً. الزمن يصبح دائرةً مغلقةً لا مخرَج منها. وهذه التجربة لا تقتصر على الشهيد وحده، بل تمتدّ إلى كل جسدٍ عاش السجن أو الحرب. في قصيدة خارج للتوّ من سجن صيدنايا، يفقد الإنسان حتى قدرته على التعرّف على أبسط مكوّنات الحياة:

أَهذا هواء؟

أَهذا الذي مَرَّمِنْ مُقْلَتَيَّ سريعاً،

 كَما يَزْعمونَ الضِّياءْ؟

 أَهذا الذي يَضْحكُ الآنَ مِثْلي؟

 ثلاثون عاماً في السجن تحوّل الزمن إلى عذابٍ دائم:

ثلاثونَ عاماً وَفي كُلِّ ثانيةٍ كَرْبلاءْ ثلاثون عاماً

 تَموتُ العَناكِبُ في جِسْمِيَ ال كانَ جِسْمي،

وَيُوْلَدُ نَسْلُ البَعوضِ بِعَظْمي   (خارج للتو من سجن صدينا، 16- 18)

 الزمن هنا لا يمرّ، بل يتكرّر كعذابٍ أزليّ، كل ثانيةٍ تصبح كربلاء جديدة، وكل جزءٍ من الجسد يتحوّل إلى مقبرةٍ حيّة. الصدمة لا تُغيّر مفهومنا عن الزمن فحسب، بل تُغيّر جسدنا ذاته العظام، الخلايا، حتى الصوت يُشنق فيه مَوْجُ العُواءْ

ثالثاً: وردة على كفّ أمّ الشهيد  الزمن كامتدادٍ للشهادة بعد الصدمة

لا ينتهي الزمن، بل يتحوّل. في قصيدة وردة على كفّ أمّ الشهيد، تصبح الأم حارسةً للزمن الجديد زمنٍ لا يُقاس بالسنين، بل بنبض المعنى:

ظَلّي لَنا فخراً وذُخراً دائِماً

 يا مَنْ بَقيتِ على المفارقِ تاجا

 ظَلّي عَبيرَ الصِّدْقِ تَنْفَحُ كَوْنَنا

 عِطْراً وَفي ظُلَمِ الحياةِ سِراجا

أَمّ الشَّهيدِ وفي الخُطوبِ عَظيمَةٌ

 كَمْ كانَ صَبْرُكِ يُعْجِزُ الحَجَّاجا (وردة على كف ام الشهيد، 46)

 الأم هنا ليست باكيةً عاجزة، بل شجرةٌ تُعيد تعريف الزمن جذورها في الماضي (الذكرى)، وجذعها في الحاضر (الصبر)، وأغصانها في المستقبل (الخلود). الصبر “الذي يُعْجِزُ الحَجَّاجا” ليس صبراً سلبياً، بل فعلٌ زمنيّ مقاوم يرفض أن تُنهي الصدمة الزمن. الأم تصبح تاجاًعلى المفارق أي على نقاط التحوّل الزمنية ذاتها، فتحرس البوابة بين الحياة والشهادة، بين الفرد والأمة. والشهادة نفسها تتحوّل إلى امتدادٍ للزمن لا نهايته:

هنيئا بُنَيَّ هَنيئاً؛

 لأَنَّك أَكْمَلت ركْنَ العبادة نِلْتَ وِسامَ الشَّهادةِ

ما أَجْمَلَ الموتَ في اللهِ

 يا حِمْصُ

 ما أَجْمَلَهْ!  (تمهل قليلا، 44)

التكرار في ما أجمله! ليس احتفاءً ساذجا، بل محاولة لغوية يائسة لاستيعاب غير القابل للاستيعاب. الجمال هنا لا ينبع من غياب الألم، بل من قدرة الروح على أن تخلع من الألم ثوبا جديدا من المعنى. الموت لا يُنهي الزمن، بل يُدخله في بُعدٍ آخربُعد الشهادة الذي يربط الجسد الممزّق بالأرض، والفرد بالأمة، واللحظة بالخلود. وهذا التحوّل لا يقتصر على الفرد، بل يمتدّ إلى الجغرافيا كلها: 

حَلَبٌ تَئِنُّ فَأَنْقِدوا حَلَبا

 مِنْ بَطْشِ وَحْشٍ أَدْمَنَ الكَذِبا (حلب الموجعة،30)

بيروتُ يا كَتِفَ البلادِ جَميعِها

 ظَلّي كَدَمْعِ الصَّابرينَ عنيدة ( بيروت كتفنا، 33)

المدن هنا ليست أماكن، بل أجساد زمنية مجروحة حلب تَئِنُّ، بيروت كَتِفُ البلاد،  دمشق ترتدي

ثِيابٌ مِنْ خَوْفٍ دَمَويٍّ يَرْبِضُ في الشَّريانْ(دمشق الآن، 48)

 الزمن الصدمي يتحوّل إلى زمنٍ جماعيّ، حيث جرح الفرد يصبح جرح المدينة، وشهادة الواحد تصبح ذاكرة الأمة.

 الزمن الصدمي في الديوان لا يُقاوم بالدموع فقط، بل بإعادة اختراع الزمن الطبيعي ذاته. في قصيدة لدمشق الآن، يتكرر “قَدْ شَقَّ عليهم” كإيقاعٍ مقاوم: 

قَدْ شَقَّ عليهم أَنْ يَتَضاحَكَ طِفْلٌ في مَهْدِ الأُمِّ الحِمْصيّة

 قَدْ شَقَّ عليهم أَنْ يَتَقافَزَ طِفْلٌ في صَحْنِ الأَمَويّ الشَّامِخِ

 يَضْحَكُ مِنْ شَفَتَيْهُ

 قَدْ شَقَّ عليهم أَنْ تَتَعانَقَ شامُ اليومِ وشامُ الأَمْسْ (لدمشق الآن، 48-49)

 الضحك، العناق، التفاعل البسيط كلها تصبح أفعالاً زمنيةً ثورية لأن الصدمة تحاول إلغاء الزمن البشريّ ذاته. قَدْ شَقَّ عليهم ليس مجرد تعبير، بل إيقاع وجوديّ يُعيد تأكيد الحياة رغم محاولات القتل. المقاومة هنا ليست في حمل السلاح فقط، بل في استعادة حقّ الأمة في أن تعيش زمنها الطبيعي زمن الضحك والحب والطفولة. حتى السخرية تصبح استراتيجيةً زمنيةً بديلة. في تأوّهات دجاجة، تحلم الدجاجة بأن تُنتج “ديكاً / لِيَرْعى / مُخْلِصاً حُرّاً / دَجاجَهْ”، لكنها تكتشف أن نسلها كلّه “ديكٌ زعيمٌ / يَهْدِمُ البيتَ على الفَرّوجِ” . السخرية هنا ليست هروباً، بل إعادة تموضع زمنيّ، حين ينهار الزمن الجادّ، تُولد لغة السخرية كزمنٍ بديل يُعيد للإنسان قدرته على رؤية العبث في وجه الوحشية.

  الربيع الذي يولد من رحم الغربة “ربيع الغرباء” ليس عنوانا مفارقا، بل حقيقة وجودية دقيقة، الربيع -رمز الحياة-لا يعود كما كان، بل يولد من رحم الغربة والصدمة. الغرباء هم الذين يعيشون في زمنٍ مكسور، حيث الماضي جرحٌ لا يندمل، والحاضر صدمةٌ لا تنتهي، والمستقبل سؤالٌ مفتوح. لكنهم رغم ذلك يخلقون ربيعاً جديداً من هذا التمزّق ربيعاً لا يشبه ربيع الأمس، بل ربيعاً يتفتّح من شقوق الجرح، وينمو من تراب الدم. الزمن في هذا الديوان هو اللحظة التي يتوقّف فيها الزمن عن أن يكون زمناً عادياً، ليصير جسداً ينزف، وذكريات تقاوم، وشهادة تُعيد تعريف الحياة من داخل الموت ذاته. من فيوض الفرح حيث الجسد يُقبّل رأس الطفل، إلى تَمَهَّلْ قليلا حيث الزمن يتشظّى في لحظة الرصاص، إلى وردة على كفّ أمّ الشهيد حيث الأم تصبح حارسةً للزمن الجديد، الديوان يروي رحلة زمنية متكاملة لا تنتهي بالموت، بل تبدأ بالشهادة. الزمن الصدمي هنا ليس زمن عجز، بل زمن التحوّل، التحوّل من الجسد الفردي إلى الجسد الجماعي، من اللحظة العابرة إلى الذكرى الخالدة، من الألم إلى المعنى. وفي هذا التحوّل، يصير الجسد،-جسد الشهيد، جسد الأم، جسد المدينة-الوطن الوحيد الذي لا يُغتال، والزمن الوحيد الذي لا ينضب. لأن الربيع الحقيقي لا يُزرع في التراب فحسب، بل في شقوق الجرح ذاتها، حيث تتفتّح الوردة من كفّ أمّ الشهيد، ويولد الزمن من جديد.

_________________________________________________________

  • كاتبة وناقدة من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى