رواية الزِّلزال لكامل صباح السَّبتي: الطبيعة التي أخرجت أجمل ما فينا
رواية تستخرج أجمل ما في دواخلنا من تعاطف مع الضَّحايا، وتحفِّز فينا روح البذل والتَّكاتف الإنسانيِّ

موسى رحوم عباس * – العربي القديم
في معرض الكتاب العربي باستوكهولم، أكتوبر، تشرين الأول 2025، الذي يقيمه النَّاشرون العرب في السُّويد، التقيت بالأديب والمترجم العراقي الصَّديق كامل صباح السَّبتي، الشَّخصية الهادئة، المثقَّفة، والرجل الودود، وأهداني مشكورا روايته، الزِّلزال، التي صدَّرها بما يشبه الإهداء ” إلى كلِّ المعذَّبين على هذه الأرض … إلى الذين ظُلموا … وإلى كلِّ المتألمين ” وهو إعلان مبكر للتعاطف مع آلام البشر في كلِّ مكان، ونزعة إنسانية تشجع على القراءة.
استمتعتُ بقراءتها، وتعاطفت مع آلام شخوصها، وقد أعادتني إلى سؤال لا أنفكُّ أفكِّر بإجابة شافية له، أو قريبة من ذلك، والسُّؤال هو: لماذا يحجم الآخرون من غير النَّاطقين بالعربية عن الإقبال على أدبنا، رواية، وقصة، وشعرًا! حتى لو تُرجم للغاتهم!؟
بكلِّ شفافيَّة أقول ما أعتقده، دون أن أدَّعي صحته، إنَّ أدبنا يطفح سياسة وأيديولوجيا، حتى تظن النَّص أو الرِّواية عبارة عن بيان، مانيفستو (MANIFESTO ) لم يعد أبناء الغرب يستسيغون هذا النوع من الأدب، يجدونه ثقيلا، بعيدًا عن اهتماماتهم، أدب يوظف التَّاريخ بكلِّ تشوهاته لبناء مظلوميَّات تُخفي في حناياها الحقد والثأريَّة من الآخر، وقد يكون هذا الآخر مواطنك! يفضلون الغوص في دواخل الفرد ليس بوصفه ناطقا باسم العشيرة، أو الطائفة، أو الحزب، بل بوصفه فردا مكتمل الكينونة! … ربما أعود للتفصيل في هذا في مقالة منفصلة، إذا وجدت الحافز والهمَّة. رواية الزِّلزال تخفَّفتْ من كلِّ هذه الحمولة، وقليلة هي الأعمال العربية التي سلمت من لوثة التنظير السياسي والأيديولوجي، ثيمتها الأساس الزِّلزال المدمِّر الذي عصف بأجزاء واسعة من جنوب تركيا، وشمال غرب سوريا، في الكوارث الطبيعيَّة، يجد الناس أنفسهم أمام خطر لا يد لهم فيه، ولا يمكن تحميل مسؤوليته لجهة، أو شخص، أو حزب …الخ؛ لذا تفيض مشاعرهم الإنسانيَّة تجاه بعضهم، تعاطفا وأثرة وبذلا، استطاع السَّبتي أن ينقل تفاصيل ذلك من خلال عائلة تركية يسودها الحب والتعاون، تعيش هانئة، حتى ليلة الزِّالزال؛ فتنقلب حياتها إلى شقاء، تزهق أرواح تحت الرَّدم، وينجو البعض، لكنها نجاة مضمَّخة بألم الفقْدِ، تستقبل تركيا فرق الدَّعم والمساندة من دول الجوار، ويسهم العراق بدوره بتقديم ما يستوجبه حقُّ الجيرة والصَّداقة، يخاطر الضُّباط والمختصون بأرواحهم لإنقاذ المصابين، في ظروف بالغة الصُّعوبة، الأنواء الجويَّة المتقلِّبة، والكمُّ الهائل للدَّمار، واختلاف اللُّغة وصعوبات التَّواصل مع الضَّحايا وذويهم، وكثرة المتطوِّعين، وخطة الطَّوارئ الحكوميَّة، شبكة من الإجراءات وتقسيم العمل، كلُّ ذلك التقطه السَّبتي في رواية أضاءت على هذه الكارثة، استخدم فيها لغة جميلة غير متعالية، دافئة، تستخرج أجمل ما في دواخلنا من تعاطف مع الضَّحايا، وتحفِّز فينا روح البذل والتَّكاتف الإنسانيِّ، بعيدا عن روح التَّعصب بكلِّ درجاته، القوميَّة، والدينيَّة، والأيديولوجيَّة، ومما يُحسبُ للأديب السَّبتي بعده عن المباشرة في الخطاب، أو الوعظ، حتى وهو يتحدَّث عن الفريق العراقيِّ الذي أوفدته بلاده للمساندة في أعمال الإنقاذ، لم يُبالغْ، ولم يجنح لرسم بطولات ومعجزات، بل أبقى دور هذا الفريق منسجمًا مع التَّوجيهات الحكوميَّة التركيَّة، ومتناغما مع بقية الفرق العالميَّة التي تقاسمت العمل وفقا للجغرافيا الواسعة التي ضربها الزِّلزال، وهذا يضفي على العمل مسحة من التَّواضع وروح التَّعاون في الأزمات، دون مَنٍّ ولا أذى، وغلَّف خطوط روايته بغلاف عاطفي بين شخوصها من خلال علاقات الحب التي نسجها بمهارة، مما خفف من شعور التراجيديا التي تغطِّي مساحة الكارثة، وأسهم في إضفاء المتعة والتَّشويق للمتلقي، كما ساعدت تقنية تعدد الأصوات وتقسيم الرواية إلى عشرين فصلا في تسهيل التلقي، ممَّا حافظ على المتعة والاسترسال في القراءة، ومن العتبات الموفقة تصميم الغلاف باللونين الأسود والأبيض وفيه رمزية لا تخفى على المتلقي، فالزلزال كارثة كان لها نتائج مدمرة، ستستمر مفاعيلها سنوات تثير الحزن والألم لضحاياها.
قدرة الرِّوائي على رسم التَّفاصيل مذهلة، فهو يمتلك خيالا نشطًا، يحوِّل الجمل والعبارات إلى صور ناطقة، تبقينا متيقظين، وتجعلنا ننتظر أعماله القادمة، وترجماته لعيون الأدب السُّويدي.
ستوكهولم، 2026
___________________________________________________
- أديب سوري مقيم في مملكة السويد
- الزلزال، رواية، السبتي، كامل صباح، دار كومو للنشر والتوزيع: ستوكهولم، السويد، 2025
- كامل صباح السبتي، كاتب ومترجم عراقي، سويدي، يترجم عن السويدية، ترجم رواية استريد ليوهانا هيلد برانت