رسائل الجوع والخوف”: الوجه الآخر لمحمد الماغوط بقلم شقيقه عيسى
عمل أدبي وإنساني جريء في طرحه، صادق في نبرته، ومؤلم في خلاصته.

محمد إبراهيم * – العربي القديم
في زمن تلمع فيه الأساطير وتُخفى الجراح، يأتي كتاب “رسائل الجوع والخوف” لعيسى الماغوط كصرخة متأخرة، بوحٍ صادق يعيد رسم صورة الشاعر محمد الماغوط، لا بقلم النقاد ولا بعدسة الإعلام، إنما بعيون الأخ والرفيق، والمرافق في سنوات الطفولة والمرض وسنوات الخذلان.
صدرت الطبعة الثانية من الكتاب مؤخرًا عن دار السامح في السويد، بعد أن كانت طبعته الأولى قد نُشرت عام 2009 عن دار المدى بدمشق، وسُحبت فوراً من السوق السورية في ظروف غامضة آنذاك، واليوم يعود هذا العمل الموجِع والمهم إلى الضوء حاملاً في طياته ما لم يقله محمد الماغوط في أي من دواوينه أو مسرحياته أو لقاءاته الصحفية والتلفزيونية.
مؤلف الكتاب هنا هو شقيقه: عيسى الماغوط، مواليد السلمية 1936، هو الشاعر والكاتب الذي بقي طَوال حياته حبيس الظل خريج كلية الحقوق، وعاش في مدينة “الطبقة” بمحافظة الرقة ، شمال شرق سوريا، بعيدًا عن الأضواء والعواصم الثقافية. كتب الشعر مبكراً لكنه اكتفى بممارسة الأدب كفعل حياة ومقاومة شخصية، حيث ظل وفيًا لأخيه الشاعر داعمًا له ماديًا وروحيًا، لكنه لم ينل حظه من الوفاء والتقدير بقدر ما نال من الخذلان.
كتاب في قسمين
• الأول عبارة عن سيرة ذاتية أدبية تحكي طفولة الأخوين، الفقر المدقع، الانفصال الطويل، ثم اللقاء الأخير حين عاد عيسى ليعتني بمحمد المريض والمنكسر.
• الثاني، مجموعة رسائل كتبها محمد الماغوط إلى أخيه، تكشف الكثير من الحنين والاحتياج الذي أخفاه الشاعر خلف هالته الجارحة.
السرد في القسم الأول يقدم محاولة لفهم القسوة كنتاج للحرمان، والعزلة كأثر للفقر العاطفي حيث نرى محمد الماغوط في لحظات غضبه غير المبرر يتصرف بعدوانية لأقرب المحيطين به، وما يقدمه هنا عيسى الماغوط ليس انتقاصاً لمكانة شقيقه، بل لإزالة القناع عن وجه الشاعر، لإظهار اليد المرتعشة خلف القصيدة، والإنسان التائه خلف الكلمات.
هنا هو السعيٌ المؤلم لإعادة الاعتبار للواقع الذي وُلد منه الإبداع، لا تقليل من وهج النص، بل محاولة لفهمه.
المقدمة التي كتبها نوار الماغوط، ابن شقيق الشاعر، وابن مؤلف الكتاب، تُشكّل بحد ذاتها وثيقة جريئة في نزع القداسة عن صورة محمد الماغوط، وتفتح الباب لفهمٍ أكثر صدقًا لسيرته.
سيرة لم تكتب
“رسائل الجوع والخوف” ليس كتابًا عن حياة شاعر كبير كما يعرفها الجماهير أو تتوقع سرديتها، إنه كتاب عن السيرة التي لم تُكتب، عن الوجه الذي لم يُعرض على الشاشة، عن “الأخ” الذي لطالما كان غائبًا في نصوص الماغوط، رغم حضوره العميق في حياته.
هو عمل أدبي وإنساني جريء في طرحه، صادق في نبرته، ومؤلم في خلاصته، يفتح أعيننا على فكرة لطالما نسيها النقاد: أن وراء الأسطورة دائمًا إنسانًا كسيراً، وأن الجمال الحقيقي يبدأ من لحظة الاعتراف لا من لحظة التبجيل.
مع صدور الطبعة الثانية، يستحق هذا الكتاب أن تُعاد قراءته لا باعتباره سيرة ذاتية، بل كعمل يُعيد التوازن بين القصيدة وحياة من كتبها.
في زمن تكثر فيه الأساطير المصنوعة تبقى “رسائل الجوع والخوف” نموذجًا نادرًا للشجاعة الأدبية، ولمحاولة صعبة وجميلة أن نروي الحكاية كما كانت، لا كما أحببنا أن نسمعها.
تميز استعراض مسيرة رسائل الماغوط بالكثير من الشفافية والنزاهة خاصة في التركيز على البيئة التي نشأ وترعرع فيها، والتي كان لها الأثر الكبير في تشكيل الوعي والارث الثقافي لدى محمد الطفل ومراحل شبابه متمردا يتطلع الى الحياة من زوايا مختلفة عما ينظر اليها أبناء جيله، وتميز خلال تلك المراحل بخوفه الشديد على اخوته وحرصه عليهم والاصرار على حمايتهم من الاختلاط بالبيئة المحلية، ما يعكس نقمته وفقدان الثقة بالمنظومة الاخلاقية وقساوة المجتمع المحلي !!
جاء في الكتاب محطات مهمة جدا في الانتقال الى حياة الشاب محمد وانتقاله الى دمشق باحثا عن العمل ليصف تلك المرحلة ومعاناته في تفاصيل وثرثرات كانت دقيقة ومعبرة عكست ما كان يختلج صدره المتعب ليتمكن من قهر الفقر وان في أدنى الحدود، مقابل راتب هزيل لكنه يكفيه ليعيش ويسعف اهله في مواجهة تكاليف الحياة في ريف قاس ومعدم، وتوسع وصفه لمشاعره ومعاناته في رسائل بين القصيرة والطويلة كانت المتنفس الوحيد له ليخاطب نفسه ويبوح ما في داخله مخاطبا شقيقه عيسى الذي يعتبره شقيق الروح وتوأم وجدانه، وكانت رسائله تركز على تصوير مشاعره الجياشة وحبه الكبير لعيسى ولقائه ليقص عليه يومياته ويبث مشاعره واحلامه ويعبر عن الامه، وفي كل رسالة كانت مشاعره وحبه لأخيه جياشة وصادقة من حيث اختياره للمفردات والتعابير واستخدام بعض المفردات المحكية، والتطرق لبعض الحوادث الجانبية المشتركة بينهما او من مراحل الطفولة المبكرة، وصورت رسائله مدى حبه الكبير لإخوته واخواته البنات واستذكار لكثير من اللقطات الجميلة والذكريات المفرحة والمحببة الى قلبه، وكان في رسائله دائما يؤكد على محبته واشتياقه لأخية واخواته والتذكير بمديونية صاحب الدكان وانه لم ينسى ما في ذمته.
وتوالت الرسائل في تبادل المشاعر الانسانية اتجاه بناته الجميلات وتصوير مشاعره ومحبته لهن، وما يمثل له وشوقه إلى بنات أخيه عيسى وابنه نوار، الذي كان الاقرب اليه ويرى فيه نفسه دائما.
استبعاد من الصورة
لكن تبقى هناك أسئلة معلقة تثار في شخصية الكاتب الكبير محمد الماغوط، ورغم ما يكنه من محبة ومشاعر صادقة عبر عنها في كل رسائله، هي محاولته تحييد عيسى عن الواجهة الثقافية والفكرية والادبية وهو العارف بقدرته ومستواه الابداعي، لدرجة أنه كان يحاول استبعاده من الصورة أو حتى مجرد ذكر اسمه في اي محفل، وكذلك لم يقبل طوال حياته، أن يقرن اسمه باسم اي من الكفاءات في اي مجال فكري او ثقافي او بحثي، وحتى للأكثر قربا من قلبه وإليه ابن شقيقه “نوار عيسى الماغوط”..؟
ليبقى الكاتب المبدع محمد الماغوط صاحب المسيرة الطويلة من الابداع في النثر والكتابة السياسية الساخرة والمرة، إلى كتابة القصة والكتابة الدرامية ونصوص المسرح حتى أواخر حياته، حيث عاش سنواته الاخيرة في رعاية شقيقه عيسى الأقرب الى قلبه والذي لم يوفر جهدا أو رعاية لشقيقه الراحل.
______________________________________________
- محمد ابراهيم: صحفي سوري