العربي الآن

تحلية مياه البحر ونقلها إلى الجنوب: بين الطموح والواقع

في اقتصاد يعاني من ضعف الموارد وارتفاع التضخم، يصبح المشروع بحاجة إلى نموذج تمويلي واضح وشفاف، وليس مجرد إعلان استثماري.

نوار الماغوط – العربي القديم

أعلن وزير الطاقة محمد البشير عن توقيع اتفاقًا مع شركة سعودية لتحلية مياه البحر ونقل المياه العذبة من الساحل السوري إلى جنوب البلاد. على الورق، يبدو المشروع استراتيجيًا، بل إنسانيًا، في ظل أزمة المياه التي تعيشها مناطق واسعة. لكن أي مشروع بهذا الحجم لا يُقاس بالطموح ، بل بالأرقام، وبالقدرة الفعلية على التنفيذ.

تُعد تحلية مياه البحر من الحلول الاستراتيجية لمواجهة ندرة المياه، خاصة في الدول الساحلية والمناطق الجافة. وتختلف تكلفة تحلية المياه تبعًا لعدة عوامل، من أبرزها نوع التقنية المستخدمة، حجم المشروع، موقعه الجغرافي، وأسعار الطاقة والمواد التشغيلية.

أولًا: تكلفة التحلية نفسها

تقنية التحلية الأكثر شيوعًا عالميًا اليوم هي التناضح العكسي (RO)، وتتراوح كلفة إنتاج المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة بين 0.5 إلى 3 دولارات أمريكية بحسب كلفة الطاقة وكفاءة التشغيل.

لنفترض – كمثال تقريبي – أن المشروع يستهدف إنتاج 200 ألف متر مكعب يوميًا (وهو رقم متوسط لمحطة كبيرة).

هذا يعني:

               •             يوميًا: بين 100 ألف و600 ألف دولار تكلفة إنتاج فقط

               •             سنويًا: بين 36 مليون و219 مليون دولار

وهذا دون احتساب كلفة الإنشاء الأولية، التي قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات حسب السعة والتجهيزات.

ثانيًا: كلفة الطاقة

تحلية متر مكعب واحد من مياه البحر بالتناضح العكسي تحتاج تقريبًا إلى 3 – 4 كيلوواط ساعي من الكهرباء.

إذا افترضنا إنتاج 200 ألف متر مكعب يوميًا:

               •             الاستهلاك اليومي من الكهرباء سيكون نحو 600 – 800 ميغاواط ساعي يوميًا

               •             أي ما يعادل تشغيل محطة توليد متوسطة بشكل دائم تقريبًا

وهنا السؤال الجوهري:

هل الشبكة الكهربائية الحالية قادرة على توفير هذا الحمل الإضافي المستمر، في وقت لا تزال فيه التغذية الكهربائية للمنازل والصناعة غير مستقرة؟

ثالثًا: كلفة نقل المياه

التحلية ليست التحدي الأكبر، بل نقل المياه من الساحل إلى الجنوب.

نحن نتحدث عن:

               •             مئات الكيلومترات من خطوط الأنابيب

               •             محطات ضخ متعددة

               •             فرق ارتفاع جغرافية تتطلب طاقة إضافية

               •             صيانة دورية مكلفة

في مشاريع مشابهة عالميًا، قد تصل كلفة نقل المياه لمسافات طويلة إلى ما يعادل أو يتجاوز كلفة التحلية نفسها. أي أن السعر النهائي للمتر المكعب قد يتضاعف بعد احتساب الضخ والنقل والصيانة.

رابعًا: الكلفة النهائية على المستهلك أو الدولة

إذا كانت تكلفة التحلية والنقل معًا قد تصل إلى 2 – 5 دولارات للمتر المكعب في الظروف الصعبة، فهذا يطرح سؤالًا اقتصاديًا:

               •             هل سيدفع المواطن هذه الكلفة؟

               •             أم ستتحملها الدولة عبر دعم مالي ضخم؟

               •             وإذا كانت مدعومة، فمن أين سيأتي التمويل المستدام؟

في اقتصاد يعاني من ضعف الموارد وارتفاع التضخم، يصبح المشروع بحاجة إلى نموذج تمويلي واضح وشفاف، وليس مجرد إعلان استثماري.

رأيي بترتيب الأولويات لا أرفض هنا فكرة التحلية بحد ذاتها إنما التوقيت والجاهزية. فهل من المنطقي القفز إلى مشروع استراتيجي ضخم أم الاتجاه نحو إصلاح الشبكات والبنية التحتيّة المتضررة وتقليل الفاقد المائي يكون أكثر جدوى وأقل كلفة على المدى القريب.

الناس لا تعارض الطموح، لكنها تريد منطقًا في الحسابات. فالمياه لا تُنقل بالأمنيات، والكهرباء لا تُنتج بالتصريحات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى