زيارة الشرع للسعودية: نحو عودة سوريا للعرب
رغبة سعودية في فتح صفحة جديدة مع دمشق، بعد أن دأبت الرياض على تأييد المعارضة السورية طيلة سنوات

سامي زرقة – العربي القديم
في خطوة لافتة تعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الإقليمية، جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية كأول زيارة رسمية له بعد تنصيبه رئيساً في المرحلة الانتقالية، في سياق متغيرات سياسية واقتصادية كبرى في المنطقة، تحمل بين طياتها العديد من الرسائل والمؤشرات التي قد تؤذن بتغيير مسار العلاقات بين سوريا والدول العربية، خاصة بعد أكثر من عقد من العزلة التي فرضتها الأزمة السياسية والحرب الداخلية.
زيارة حاسمة في توقيتها وغاياتها
تمثل زيارة الشرع إلى الرياض خطوة متقدمة في إعادة النظر في المواقف السياسية تجاه سوريا، خصوصاً في ظل السياق الإقليمي والدولي الذي يفرض تحديات هائلة.. السعودية، التي لعبت دوراً رئيسياً في ملفات إقليمية عديدة خلال السنوات الماضية، تُعد من الدول المحورية في المنطقة، ولها تأثير كبير في قرارات النظام العربي.. اللقاء بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع، تزامن مع مرحلة سياسية دقيقة في سوريا بعد الإطاحة ببشار الأسد وتشكيل مجلس تشريعي للمرحلة الانتقالية.
هذا اللقاء يعكس رغبة سعودية في فتح صفحة جديدة مع دمشق، بعد أن دأبت الرياض على تأييد المعارضة السورية طيلة السنوات الماضية.. وعلى الرغم من أن الموقف السعودي قد شهد تحولاً تدريجياً خلال العامين الماضيين، فإن زيارة الشرع تمثل ذروة هذا التحول، إذ تسعى السعودية من خلالها إلى تعزيز الاستقرار في سوريا وإعادة تفعيل دورها الإقليمي.
تحقيق استقرار سوريا في ضوء المصالح العربية المشتركة
الحديث عن استقرار سوريا لا يقتصر فقط على تحسين الوضع الداخلي للبلاد، بل يمتد إلى استقرار المنطقة بأسرها.. كما أن الدعم السعودي لمرحلة ما بعد الحرب في سوريا يشكل ضرورة لا غنى عنها في تحقيق السلم الأهلي وإعادة بناء البنية التحتية.. وفي هذا السياق، يمكن للسعودية أن تلعب دوراً محورياً في جذب الاستثمارات العربية وتوفير التمويل لمشروعات إعادة الإعمار، الأمر الذي يتطلب إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق.. وقد أكدت الرياض مراراً على أهمية رفع العقوبات الأحادية والأممية، باعتبارها إحدى أبرز العوامل التي تعرقل استقرار سوريا وتمويل مشاريعها التنموية.
من جهة أخرى، تدرك الرياض تماماً أن إعادة بناء سوريا وتحقيق الاستقرار السياسي يتطلبان، إلى جانب الدعم الاقتصادي، عملية سياسية شاملة تضم جميع مكونات الشعب السوري.. من هنا، فإن السعودية ستكون في موقع يمكنها من دعم الحوار الداخلي السوري والمساهمة في المصالحة الوطنية، التي تعد حجر الزاوية في أي عملية لإعادة بناء البلاد على أسس من التفاهم والتعاون بين كافة الأطياف السياسية والطائفية.
كيف يمكن لسوريا أن تعود إلى حاضنتها العربية؟
عودة سوريا إلى الحاضنة العربية ليست مهمة سهلة، لكنها ضرورية للمستقبل السياسي للبلاد وللمنطقة بشكل عام.. ففي أعقاب اندلاع الثورة السورية، بدأت بعض الدول العربية في إعادة تقييم مواقفها تجاه دمشق، وهو ما يعكس رغبة في إعادة سوريا إلى الحضن العربي بعد سنوات من التوتر.. وفي هذا السياق، تعتبر السعودية واحدة من الدول الأكثر تأثيراً في هذا التحول، إذ يُتوقع أن تقود الرياض مساعي إقليمية لإعادة دمج سوريا في الساحة العربية.
أولاً، تتطلب عودة سوريا إلى حاضنتها العربية بناء الثقة بين دمشق والعواصم العربية، وهو أمر يتطلب الوقت والجهود المشتركة.. من المهم أن تواصل السعودية ودول أخرى في المنطقة العمل على تشجيع الحوار بين الأطراف السورية، وتسهيل العودة إلى مفاوضات سياسية شاملة.. ثانياً، يجب أن يرتبط عودة سوريا بالالتزام بتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية تضمن بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على تحقيق استقرار طويل الأمد.
ثالثًا، ينبغي أن يرافق هذه الجهود دعم مادي من الدول العربية ولو من بوابة الاستثمارات هناك، مع التأكيد على ضرورة إشراك المجتمع الدولي في هذه العملية.. بمعنى آخر، ينبغي أن تكون عودة سوريا إلى الجامعة العربية بمثابة الخطوة الأولى في إطار خطة شاملة تهدف إلى تعزيز استقرار سوريا داخلياً وخارجياً.
الآفاق المستقبلية.. تحديات وفرص
رغم التفاؤل الذي يحيط بهذه الخطوة، إلا أن هناك تحديات كبيرة قد تقف أمام استكمال هذه العملية.. أولاً، ما زالت هناك اختلافات جوهرية بين الدول العربية في ما يتعلق بكيفية التعامل مع الوضع السوري.. بينما تدفع بعض الدول نحو إعادة دمج سوريا سريعاً، فإن هناك دولاً أخرى تظل حذرة تجاه عودة دمشق، بسبب مخاوف من تأثيرات هذا التحول على توازنات القوى الإقليمية.. ثانياً، تبقى القضايا الداخلية في سوريا مثل المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطياف السياسية والتعامل مع الجماعات المسلحة من التحديات الكبرى.
لكن في المقابل، فإن الفرص التي تتيحها هذه التحولات السياسية قد تكون أكبر من التحديات.. إذا ما استمرت السعودية في تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لسوريا، فسيكون هناك أمل كبير في أن تخرج سوريا من أزمتها الطويلة وتعود إلى الساحة العربية كداعم رئيسي للسلام والاستقرار في المنطقة.
ختاماً.. زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض تحمل في طياتها أكثر من مجرد تحول دبلوماسي؛ فهي تمثل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات السورية-العربية، قد تؤدي إلى إعادة دمج سوريا في الحاضنة العربية بعد سنوات من العزلة.. وفي حال نجحت هذه الخطوات، فإنها ستكون بمثابة ركيزة أساسية لتحقيق السلام الداخلي السوري والازدهار الإقليمي.