العربي الآن

الأشرفية والشيخ مقصود: محطات في مسار استعادة السيادة السورية

قراءة في مكاسب الدولة وتداعيات العملية على قسد

خليل البطران – العربي القديم

لم تكن عمليتا الأشرفية والشيخ مقصود مجرد تحرك أمني محدود في نطاق جغرافي ضيق، بل شكّلتا محطة مفصلية في مسار إعادة تثبيت سلطة الدولة السورية داخل واحدة من أهم حواضرها، مدينة حلب، وما يحمله ذلك من أبعاد سياسية وعسكرية تتجاوز حدود المكان والحدث.

نصر محسوب بكلفة منخفضة

أولى نتائج العمليتين تمثلت في تحقيق نصر عسكري بكلفة بشرية ومادية محدودة، وبأسلوب منضبط بعيد عن الاستنزاف أو الدمار الواسع. هذا النمط من العمليات يمنح الدولة مكسبًا مزدوجًا، يتمثل في إنجاز ميداني فعّال ورسالة سياسية مفادها أن استعادة السيطرة يمكن أن تتم بوسائل محسوبة لا عبر المواجهات المفتوحة.

استعادة حلب إلى كنف الدولة

تحمل حلب رمزية خاصة في الجغرافيا السياسية السورية؛ فهي ليست مجرد مدينة كبرى، بل مركز اقتصادي وثقافي وتاريخي. إنهاء أي وجود مسلح خارج إطار الدولة داخل أحيائها، ولا سيما في الأشرفية والشيخ مقصود، يعني إعادة الحاضرة الحلبيّة بشكل كامل إلى كنف الدولة، وترسيخ سلطة المركز داخلها.

تكريس مبدأ السيادة والقرار الواحد

ما جرى يؤكد أن نموذج الجيوب الأمنية أو العسكرية المستقلة داخل المدن الكبرى لم يعد مقبولًا. العملية كرّست معادلة واضحة: السيادة لا تتجزأ، والقرار الأمني والعسكري يجب أن يكون موحدًا، حتى في المناطق التي خضعت سابقًا لتفاهمات معقّدة.

سقوط الهالة الإعلامية لقسد

شكّلت العملية انتكاسة واضحة لقوات سوريا الديمقراطية، ليس فقط من حيث الخسارة الميدانية، بل من حيث تآكل الصورة التي رُوّج لها طويلًا عن قدراتها العسكرية الاستثنائية. الواقع على الأرض أعاد ضبط هذه الصورة، وكشف حدود القوة بعيدًا عن الخطاب الإعلامي والدعائي.

كانت الأشرفية والشيخ مقصود تمثلان أبرز نقاط حضور قسد غرب الفرات. فقدان هذا الوجود يعني انكفاءً جغرافيًا وسياسيًا، وتراجعًا في القدرة على المناورة أو التأثير في معادلات المدن الكبرى، وهو ما يُعد خسارة استراتيجية لا يمكن التقليل من شأنها.

إعادة النظر في التحالفات

لا يمكن فصل النتائج العسكرية عن أثرها النفسي والمعنوي. فقد أدت هذه التطورات إلى تراجع معنويات جزء من الحاضنة الشعبية لقسد، وطرحت تساؤلات جدية حول جدوى الاستمرار في مشروع المواجهة مع الدولة السورية الجديدة، في ظل تقلّص المكاسب وازدياد الكلفة.

أحد أبرز تداعيات العمليتين يتمثل في دفع لاعبين محليين ودوليين إلى إعادة تقييم تحالفهم مع قسد. فالمناطق التي كانت تُقدَّم على أنها أوراق ثابتة تبيّن أنها قابلة للخسارة، ما يضع علامات استفهام حول مستقبل هذا الرهان وجدواه السياسية والعسكرية.

تعزيز الموقع التفاوضي لدمشق

ما تحقق ميدانيًا يعزز موقف الحكومة السورية في أي مسار تفاوضي مقبل، سواء مع قسد أو مع الوسطاء الإقليميين والدوليين. مرة أخرى، يثبت الميدان أنه من يحدد سقوف السياسة وحدودها.

إنهاء بؤر التوتر داخل المدينة يقلص احتمالات الاشتباك المفاجئ، ويسهم في تعزيز الاستقرار الأمني، وهو عنصر أساسي لإعادة الحياة الطبيعية، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لإعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي.

خاتمة واستشراف

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى عمليتَي الأشرفية والشيخ مقصود كحدثين معزولين أو مكسبين ظرفيين، بل كمحطتين ضمن مسار أوسع لإعادة بسط السيادة السورية على كامل الجغرافيا الوطنية. فالدلالات السياسية والعسكرية لما جرى تتجاوز حدود الحيين، لتلامس جوهر الصراع على وحدة الأرض والقرار.

وفي رأيي، فإن ما جرى في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود يؤكد أن الدولة السورية تتعامل مع ملف السيادة بوصفه مسارًا تراكميًا لا خطوة معزولة. فهذه العملية ليست نهاية الطريق، بل محطة من محطات متعددة في رحلة استعادة الجغرافيا السورية كاملة. ومع التأكيد الذي عبّر عنه الرئيس السوري أحمد الشرع بقوله: “نحن أقسمنا أمام الشعب أننا لن نتخلى عن شبر واحد من الجغرافيا السورية”، تتضح الرسالة الأساسية بأن مبدأ السيادة غير قابل للمساومة، وأن الخلاف – إن وُجد – هو على آليات العودة إلى كنف الدولة لا على أصلها. من هنا، يمكن قراءة الأشرفية والشيخ مقصود كنموذج لما قد تشهده المرحلة المقبلة: خطوات محسوبة، وتقدم تدريجي، وإعادة رسم للمشهد السوري وفق معادلة الدولة الواحدة والقرار الواحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى