بين الفقد والتكوين في تجربة النحّاتة السورية أوديت الديب
فنانة بدأت النحت بعد استشهاد ابنها تحديداً. الأم التي لم تعد قادرة على احتضان كائن حي، تحتضن الحجر وتتركه ينطق

محمد علاء الدين عبد المولى – العربي القديم
تقدّم هذه المجموعة النحتية تجربة فنية شديدة الخصوصية، تنشأ من نقطة توتر قصوى بين الحياة والموت، وبين الفقد والتحوّلات العميقة في الداخل الإنساني. الخلفية الشخصية للفنانة السورية أوديت الديب (أمّ فقدت ابنها شهيدا في مجريات المقتلة السورية) لا تُستحضر هنا كسيرة جانبية، وإنما بوصفها الشرارة التي فجّرت طاقة تشكيلية كامنة، تشبه تلك الطاقات التي تتكوّن ببطء داخل الحجر عبر الزمن، قبل أن تنفجر فجأة تحت ضغط الصدمة Trauma. في لحظة الانكسار هذه، يولد المشروع الفني حاملاً في داخله رغبة السعي في الاكتمال مقابل اكتمال الفاجعة، فيغدو الفن امتدادًا طبيعيًا للحداد، ووسيلة للتفكير في الوجود بعد انهيار المعنى وإن كان تفكيرا تراجيديّا. لا يمكن قراءة هذه الأعمال كمحاولة لتجاوز الألم وحسب، وإنما كسعي لإعادة بناء عالم جديد بعد تحطم العالم القديم؛ صدمات تحوّلت إلى كتل حجرية، وكتلٌ تنطق بصمتها الذي هو المعادل الموضوعي والجمالي لصمت الأمّ. هكذا تنمو التجربة من مأساة شخصية خالصة لتتبلور تدريجيًا في لغة تشكيلية ذات ملامح فردية واضحة، تستمد قوتها من وحدة الشعور ووحدة الأسلوب معًا.
نادراً ما تتشكّل الأساليب الفنية الكبرى بعيدًا عن تجربة شخصية عميقة تهزّ الوجود من جذوره. الفنان الذي يفقد ابنه يجد نفسه أمام فراغ هائل لا يمكن ملؤه بالكلمات أو الطقوس أو مرور الزمن، وفي هذا الفراغ يظهر الفن بوصفه أداة لإعادة تركيب العالم. في هذه التجربة لا نواجه نزوعًا إلى النحت الواقعي الكلاسيكي، ولا انخراطًا واعيًا في تيارات الفن المعاصر التي تتلاعب بالمواد والخطابات، وإنما أسلوبًا يتكوّن تلقائيًا من التجربة نفسها. وحده الحزن هو الذي يمسك بيد الفنانة أوديت ويقودها إلى الحجر، فيتحول الحجر إلى بديل عن الجسد الغائب. جميع المنحوتات تنتمي إلى عالم واحد: أجساد منحنية، وجوه بلا ملامح، خطوط حلزونية، حركات احتضان ذاتي، نهايات مفتوحة وبدايات مستمرة، حتى تبدو التجربة بأكملها وكأنها تدور داخل مدار واحد لا فكاك منه.

الوجوه إما مسطحة أو بيضوية أو خالية تمامًا من التفاصيل التي تحيل إلى هوية محددة.
المحو كقرار جمالي
من يقف أمام هذه المنحوتات يلاحظ فورًا أن الانحناء هو اللغة الأساسية التي تتكلم بها الأعمال. هذا الانحناء لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يشكّل حركة روحية عميقة تنبع من ثقل التجربة لا من ثقل الجسد. تتكرر حركات الجسد المائل إلى الأمام في محاولة لاحتضان شيء مفقود، واليد التي ترتفع نحو الوجه في إيماءة أسى، والأجساد المطوية فوق نفسها في تكوينات جنينية، إلى جانب الخطوط الحلزونية التي تلتف حول مركز غامض يشبه غموض داخل المرأة. هذه الحركة الدائرية الانطوائية تجعل الجسد يبدو كأنه يعيد تشكيل نفسه، ويعيد تكوين أجزائه من أجل ترميم المشاعر المتشظية. كل منحوتة تنحني نحو الداخل، وكأنّ الداخل وحده مصدر الحقيقة، فيما يفقد الخارج قدرته على التفسير.
لا يظهر في أعمال الفنانة أوديت الديب وجه واضح الملامح. الوجوه إما مسطحة أو بيضوية أو خالية تمامًا من التفاصيل التي تحيل إلى هوية محددة. هذا المحو يعبّر عن قرار جمالي ووجودي واعٍ، ولا يعكس نقصًا في التكوين. تحوّل أوديت الملامح المحذوفة إلى استعادة رمزية للابن الغائب، وإلى ترميز لفكرة الإنسان بوصفه حضورًا روحيًا أكثر منه شكلًا تشريحيًا، في تأكيد على أن المشاعر قادرة على تعويض التفاصيل. إن محو الوجه يمثل ذروة الحداد، لأن غياب الملامح يساوي غياب الشخص نفسه، والفن هنا لا يسعى إلى تعويض هذا الغياب بصورة بديلة، وإنما يحافظ عليه ويمنحه شكله الخاص.
تستخدم أوديت أنواعًا من الحجر الشفّاف أو شبه الشفّاف، مثل الأونيكس وغيره من الأحجار الطبقية، وهي مواد محمّلة بدلالاتها. في طبقاتها الداخلية ما يشبه طبقات الزمن، وطبقات الذاكرة، وطبقات التجربة الأمومية نفسها. الحجر يحمل تاريخًا داخليًا، وحين يُعاد تشكيله في هيئة جسد منحني، يتحول إلى جسد بديل للابن أو إلى امتداد رمزي للأم. ملمس الحجر القريب من الجلد المتحجّر، وتناسُل ألوانه وطبقاته، يمنح الإحساس بأن المنحوتات لم تُنحت في المادة وحدها، وإنما في الزمن ذاته.

تتحول المنحوتات إلى أرحام مفتوحة على الضوء، أو إلى كهوف تحضن الغياب
الرحم كرمز وجودي: انحناءات تعيد تشكيل العالم
تفتح الانحناءات الداخلية في هذه المنحوتات أفقًا رمزيًا عميقًا حين تُقرأ بوصفها استعادة لفكرة الرحم، لا بمعناها البيولوجي المباشر، وإنما بوصفها أعمق وأنبل استعارة لخلق العالم الإنساني. فالرحم في الوعي الجمعي ليس عضوًا جسديًا فحسب، إنه مكان البدء ومركز التكوين، والفضاء الأول الذي يتخلّقُ فيه الوجود. في تجربة هذه الفنانة يغدو الرحم فراغًا وجوديًا قبل أن يكون حالة جسدية، وتتحول المنحوتات إلى محاولات متكررة لإعادة تشكيل هذا الفراغ عبر الحجر. الأجساد المنحنية والمطوية على نفسها تستدعي أو تستلهم أوضاعًا جنينية، والخطوط الحلزونية تحاكي الحركة الأولى لتكوّن حياة الكائن، فيما يبدو الانحناء نحو الداخل فعلَ احتواء، والانغلاق حول مركز غائب كعودة إلى نقطة البدء. بهذا المعنى، تتخذ التجربة طابع فعل رمزي لإعادة الحمل بعد الموت، حيث يُستحضَر الابن داخل المادة لا بوصفه جسدًا، وإنما كيانًا من الذاكرة والعاطفة. هكذا تتحول المنحوتات إلى أرحام مفتوحة على الضوء، أو إلى كهوف تحضن الغياب وتمنحه شكلًا، فلا ترسم الفنانة حدود الجسد بقدر ما ترسم حدود ما تبقّى من الأمومة بعد الفقد. ويغدو الرحم، رمز الخلق الأول، مركز التجربة كلها، متحوّلًا من عضو بيولوجي إلى رمز وجودي يعيد ترتيب العلاقة بين الحياة والموت، وبين الأم وضناها، بين الجسد والحجر.
ورغم أن الحجر مادة صلبة وثقيلة، لكن تحمل هذه الأعمال حركة داخلية واضحة تتجلى في الخطوط الملتفة، والانحناءات الصاعدة من المركز إلى الخارج، والأجساد التي تبدو كأنها تتنفس رغم صمتها. هذه الحركة لا تنتمي إلى العضلات وإنما إلى الداخل، إلى حركة روح تتصارع مع المادة. بهذا تخلق النحّاتة توازنًا دقيقًا بين السكون الخارجي للحجر والحركة الداخلية للحياة، فيبدو الجسد المنحوت وكأنه يتردد بين الميلاد والموت، وبين الوجود والعدم.
لا تقتصر تجربة أوديت على إنتاج منحوتات، وإنما تمثل مسارًا نفسيًا عميقًا تُنقل فيه التجربة من مستوى الشعور الخام إلى مستوى الشكل المحسوس. هذا التحويل يتطلب شجاعة عاطفية وصلت لديها إلى سويّة الأسطورة، كما تقتضي صبرًا طويلًا ومصابرةً مع المادة، وقدرة على تحويل الذكرى إلى بناء بصري متماسك. كل منحوتة هي موقع شعوري قبل أن تكون كيانًا بصريًا، ولهذا يشعر المتلقي أنه يقف أمام سردية أم مفجوعة، لا أمام مدرسة فنية مجردة.
الجسد كحامل للذاكرة
السمة الأكثر حضورًا في هذه التجربة أن الجسد، ولا سيما جسد المرأة، لا يظهر كشكل بيولوجي مكتمل، وإنما كحامل للذاكرة، ومحور تتكثّف عليه العلاقة المأساوية بين الأمومة والموت. فالمنحوتات لا تسعى إلى تمثيل جسد متوازن، بل تقدّم جسدًا في طور التكوين، كأن الفنانة تحاول إعادة صياغة العالم بعد الصدمة، وصناعة أمومة جديدة من الحجارة بعد فقدان أمومة اللحم والدم. وتتكرر في معظم الأعمال الحركة الالتفافية الحلزونية حول الجسد، بما يشبه استعادة صورة حضنٍ خالٍ أو بحثًا دائمًا عن مركز غائب، حيث تتحول هذه الخطوط الدائرية إلى بنى رمزية تستدعي الرحم والدوران الزمني حول لحظة واحدة مركزية: لحظة الفقد.
تتأسس الجمالية الأساسية في أعمال النحّاتة أوديت على توتر دائم بين الكتلة الضخمة التي تمنح العمل ثقل الوجود، والخطوط الانسيابية التي تسعى إلى تحرير الشكل من صلابة الحجر، والتجريد الذي لا يقطع صلته بالإنسان. يولّد هذا التوتر ما يمكن تسميته بتجريد عضوي، حيث تلوح الملامح الجسدية للحظة ثم تتوارى، ويظهر الجسد كطيف أو كذكرى أكثر منه كيانًا مكتملًا. وبهذا الأسلوب لا يُقدَّم الشكل كاملًا للمتلقي، وإنما يُوضَع في منطقة تتباينُ بين ما يُرى وما يُتخيَّل، بين حضور الجسد وغيابه، وهي منطقة تعكس بدقة الحالة الروحية التراجيدية التي تنبثق منها هذه الأعمال.

في هذا التفاعل بين الضوء والكتلة يتكثف المعنى الرمزي للتجربة: بحث عن ضوء في الحجر
من أبرز ما يلفت في هذه التجربة اختيار أوديت للأحجار الشفافة أو شبه الشفافة ذات العروق المضيئة. هذا الاختيار لا يبدو مجرد خيارٍ زخرفيّ، وإنما يوحي بمحاولة حدسيةٍ واعية لاستعادة ضوء داخلي مفقود. فالحجر هنا يُعامَل كجسد مضاء من الداخل، يذكّر بجسد إنساني يحمل تحت جلده حياة غير مرئية. وتتفاعل الإضاءة الطبيعية بقوة مع السطح المصقول، فتبرز تداخل الظلال مع ثنيات الحجر، واندماج الضوء في عمق الكتلة، بحيث تتحول المنحوتة أحيانًا إلى ما يشبه مومياء مضيئة أو جسدًا طيفيًا. في هذا التفاعل بين الضوء والكتلة يتكثف المعنى الرمزي للتجربة: بحث عن ضوء في الحجر يوازي البحث عن معنى في الفقد.
تبتعد الأعمال بوضوح عن الخطوط الصلبة أو التكوينات الهندسية القاطعة، وتتجه عوضًا عن ذلك إلى حركات انسيابية ملتفة، توحي بأن الحزن على شدته هو حركة داخلية عالية التوتر. وبهذا المعنى تتحول الكتلة الحجرية إلى معادل بصري للحزن الأمومي: جسد ينحني على فراغ.
ثمة لحظة شعرية شديدة القوة في هذه التجربة، تتمثّل في أن الفنانة بدأت النحت، وهو من أكثر الفنون صلابة وقسوة، بعد استشهاد ابنها تحديدًا. هذا التزامن يجعل الحجر أقرب إلى تعويض رمزي، أو إلى شكل من أشكال الذاكرة المتجسّدة. فالأم التي لم تعد قادرة على احتضان كائن حي، تحتضن الحجر وتتركه ينطق. ولهذا لا تبدو المنحوتات جامدة، وإنما تحمل ما يشبه التنفّس الداخلي، وكأن الحجر نفسه يتحول إلى كائن حي، أو إلى جسد بديل يُسقِط عليه عبء الفقد.
سجل نحتي للحداد
يمكن قراءة هذه المجموعة في مجملها بوصفها بحثًا مستمرًا عن تثبيتِ الغياب وتوليده، وعن إعادة تكوين الأمومة، وعن تحويل الألم إلى شكل، وترسيمِ الذاكرة داخل كتلة صلبة. وتبدو الأعمال أشبه بسجلّ نحتي للحداد، غير أنه حداد مضيء يسعى إلى جعل الغياب قابلًا للفهم والرؤية، لا عبر السرد، وإنما عبر الكتلة والانحناء والفراغ.
ختامًا، لا يمكن النظر إلى أعمال أوديت ككتل حجرية أو تماثيل صامتة، وإنما كمواقع لألم يُعاد تشكيله جمالياً. إنها تجربة تذكّر بتعريف الفن بوصفه قدرة على تحويل الفقد إلى شكل، والذاكرة إلى حجر يضيء من الداخل. بهذا المعنى تتحول التجربة إلى شهادة عميقة على قدرة الفن على أن يكون عزاءً، وبداية أخرى، ومكانًا قياميًّا جديدًا للحياة بعد الفقد.
إن أوديت تحقق بشكل مطلقٍ المقولة الشعرية العظيمة لمحمود درويش: “هزمتكَ يا موتُ الفنونُ جميعها”.