فنون وآداب

اختبار مابعد الأسد: هل تتجاوز الدراما السورية الخطوط الحمراء وتنطق بما كان من المحرمات؟

إن لم تُفتح الملفات فنياً، فسنظل نعيد سرد الرواية نفسها لكن بوجوه جديدة. ولن يتحقق ذلك إلا بصناعة درامية حرّة، ترفض أن تكون بوق لأي جهة

مهدي الناصر- العربي القديم

لطالما عُرفت الدراما السورية بأنها من أكثر الإنتاجات العربية التصاقاً بالواقع، إذ تناولت قضايا الفقر، وضغوط الحياة اليومية، والفساد بعيداً عن الأسد وحاشيته، وقدّمت شخصيات قريبة من الناس بلغتها وسلوكها وتناقضاتها.

لكن، وعلى الرغم من هذه الجرأة الاجتماعية، بقيت الدراما محكومة بجدار سياسي سميك لا يُسمح لها بتجاوزه، فكان الاقتراب من رأس السلطة، أو من آليات حكم النظام السوري السابق، أو من التوريث، أو من أجهزة الأمن والتعذيب في المعتقلات، من المحرمات الصارمة التي تُسقط النصوص وتمنعها من الوصول إلى الشاشة، لم تكن الرقابة مجرّد مؤسسة إدارية، بل كانت جزءاً من جهاز أمني ثقيل الظل يتدخل في تفاصيل الحوارات والمضامين وحتى الرموز الضمنية.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، اتسعت الفجوة بين الدراما والواقع حتى باتت صارخة، الشوارع كانت تنزف، والمعتقلات تمتلئ، والمدن تُقصف، فيما استمرت الشاشات في عرض حكايات باهتة لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

بالمقابل، ظهرت محاولات لإنتاج دراما بديلة تحمل صوت المعارضة، وكانت شركة “ميتافورا” القطرية في طليعة هذه الجهود، لكن تلك المحاولات، رغم شجاعتها في المضمون، لم تكن دائماً بالمستوى الفني الذي يليق بحجم المأساة، فغلبت عليها المباشرة والخطابية، وأحياناً الضعف البصري والتقني، ما أضعف تأثيرها على المتلقي، رغم وضوح رسالتها السياسية.

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد السوري، سعى الإنتاج الدرامي السوري خلال موسم رمضان الأخير إلى مواكبة هذه التغيرات، رغم ضيق الوقت المتاح أمام صنّاعه، وقد استطاعت بعض الأعمال الدرامية على طرح مشاهد لم يكن من الممكن تصور ظهورها قبل أسابيع فقط.

ففي مسلسل “ما اختلفنا”، برزت لوحات كوميدية تناولت سقوط النظام بأسلوب ساخر، بينما ذكر مسلسل “تحت سابع أرض” لقب ماهر الأسد المعروف بـ “المعلم”، مؤكداً أنه زعيم عصابة متورطة في تزوير العملات وتهريب المخدرات. أما مسلسل “البطل”، فقد فاجأ المشاهدين في حلقته الأخيرة بمشاهد رمزية توحي بسقوط النظام، وفتح السجون السورية، ورفع علم الثورة، إلى جانب تصوير مظاهر احتفال السوريين بهذه الأحداث.

المثير في هذه الأعمال أنها لم تصدر عن قنوات معارضة أو إنتاجات مستقلة، بل جاءت من صلب السوق الدرامي السوري التقليدي، مما يشير إلى أن التحول لم يكن مجرد قرار فني بل ناتج عن تبدل في التوازنات السياسية والرقابية، ويبدو أن بعض الكتّاب والمخرجين اختاروا نهاية تواكب التحول التاريخي، والتأكيد على أن الدراما السورية لم تعد صامتة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن للدراما السورية أن تحافظ على هذه الجرأة، وتمضي أبعد من ذلك، لتتناول أخطاء القيادة الجديدة، وتفكك خطاب المعارضة، وتنتقد الانقسامات التي عصفت بالثورة؟ وهل يمكنها أن تطرح تساؤلات حقيقية.

إن جوهر التغيير لا يُقاس بسقوط تمثال، بل بقدرتنا على نقد من يخلفه. فالثورات لا تنضج إلا عندما تسمح بانتقاد نفسها وتقبل بأن تكون موضوعًا للمساءلة الثقافية والفنية. والدراما، بوصفها مرآة اجتماعية وأداة وعي جماعي، يجب أن تُمنح المساحة الكاملة لتفكيك الخطاب الرسمي، سواء أكان صادراً عن نظام قديم أو قيادة جديدة.

من الضروري أن تملك الدراما في المرحلة المقبلة الشجاعة الكافية لسرد كل ما جرى من مجازر النظام المخلوع، إلى انحراف بعض فصائل المعارضة، إلى الفوضى والخذلان، والانتهازية السياسية، ولحظات الصمت الشعبي.

إن لم تُفتح هذه الملفات فنياً، فسنظل نعيد سرد الرواية نفسها، لكن بوجوه جديدة. ولن يتحقق ذلك إلا إذا وُجدت صناعة درامية حرّة، ترفض التحول إلى بوق لأي جهة أو تأتمر بأوامر أي فرع أمن، وتملك أدواتها الفنية العميقة بعيداً عن التلقين والسطحية، فليس المطلوب دراما تهاجم السلطة فقط، بل دراما تطرح الأسئلة الأصعب: ما الذي أوصلنا إلى هنا؟ ومن الذي خان الفكرة؟ وأين كنا عندما وقع كل ذلك؟

الفرصة الآن تاريخية، فإن لم تُمسك بها الدراما السورية، وتحرر خطابها من كل رقابة قديمة أو مستجدة، فإنها ستظل تدور في حلقة مفرغة، تُكرر الألم ذاته بأسماء جديدة، الجرأة الفنية ليست ترفاً في لحظة كهذه، بل هي واجب وطني وأخلاقي، لأن الشعوب التي لا تملك فناً حراً، لا تملك مستقبلًا حراً كذلك، وكما قال شكسبير، “اعطني مسرحاً وخبزاً أعطيك شعبا عظيما”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى