يوم الحساب: دمشق، السلطة، الحب والموت في تجربة فكرية وروائية متشابكة
ليست مجرد رواية تُقرأ، بل تُعاش: نص يفتح نافذة على دمشق وأزماتها، على الملاحقات والخطر، على الحب والموت، وعلى المعنى الإنساني العميق للعدالة والضمير

عمر جمعة – العربي القديم
رواية (يوم الحساب) لفواز حداد ليست مجرد نص يُقرأ على مهل، بل تجربة فكرية وأخلاقية عميقة، تشبه الوقوف أمام مرآة كبيرة تجبر القارئ على مواجهة أسئلته الخاصة، والبحث عن معنى الحرية والعدالة والإنسانية في زمن يُختزل فيه الفرد إلى رقم أو ملف. منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الرواية لا تهتم بسرد حكاية تقليدية بقدر ما تهتم بتشريح الزمن السوري، وبالكيفية التي يتحول فيها التاريخ إلى عبء نفسي ومعنوي على الأفراد.
دمشق: المدينة الكائن الحي
دمشق في الرواية ليست خلفية تقليدية للأحداث، بل كائن حي، يتنفس السياسة والخوف والمراقبة، ويختبر كل شخص يخطو فيها. الكتل الإسمنتية، أكياس الرمل، الحواجز العسكرية، صور الرئيس على الجدران، المكاتب الحكومية، المدارس والجامعات، حتى الممرات والأشجار، كل شيء يخضع لرقابة صارمة. المدينة، من وجهة نظر حسان، لم تعد مكاناً صالحاً للعيش، بل أصبحت معسكر اعتقال مفتوحاً، حيث السلطة المطلقة والتهديد يتسلطان على كل فراغ، والشعارات المعلقة على الجدران مثل: «الأسد أو لا أحد» و«الأسد أو نحرق البلد» هي إعلان رسمي للسيطرة والخوف.
حسان: الهوية، الملاحقة، والصراع الأخلاقي
حسان، بطل الرواية، يمثل التوتر بين البقاء والهروب وبين الالتزام الأخلاقي تجاه الآخرين. هو الرجل الذي يحمل هوية حسان الحقيقي، الشهيد الذي مات برصاصة قناص في دمشق، لكنه حي رسمياً في السجلات المدنية، مما يتيح له التنقل تحت اسم آخر، لكنه مطارد من ثلاثة أفرع أمنية. تحركاته محدودة بالحد الأدنى، ريثما يحين موعد رحيله، لتجنب توقيفه مصادفة على يد الدوريات الأمنية المنتشرة في شوارع دمشق. حسان لا يسعى إلى المغامرات، ولا يمكنه مساعدة أي شخص إلا عن طريق الواجب والصداقة. لكنه يلتزم بالقاء امرأة قادمة من باريس، رحاب، التي تواجه قضية إنسانية، ويعرف أن اللقاء لن يكون عادياً في ظل العاصمة التي تحولت إلى غابة غير آمنة وموحشة، حيث يُخشى على النساء والأطفال من الاختطاف.
رحاب: الوعي الخارجي والمرآة الإنسانية
رحاب، المرأة الفرنسية من أصول سورية والأستاذة الجامعية في جامعة باريس في تاريخ الشرق الأوسط ، ذات العينين الزرقاوين والشعر الأسود القصير والوشاح الفيروزي، تمثل الوعي الخارج والمراقب الناقد للواقع السوري. عادت إلى دمشق بعد غياب طويل، مستأجرة غرفة قرب منزل أم جورج في باب توما، محاولة الاقتراب من قلب الأحداث ومواجهة الذكريات المعلقة في المدينة. رحاب لم تكن مجرد ناقلة أخبار، بل شخصية تحمل التداخل بين الحب، الماضي، والواجب الأخلاقي، فهي تحب جورج، وعاشت معه ليلة حب واحدة قبل عودته إلى سورية، وهو الحب الذي يظل عالقاً بين الخوف والموت والمراقبة المستمرة.
الأب جبرائيل: ضمير الكنيسة بين السياسة والدين
الأب جبرائيل، راعي الكنيسة الكاثوليكية في باب توما، يجسد الضمير الأخلاقي وسط منظومة السلطة والسياسة. هو الشخص الذي يجد نفسه مضطراً للتنقل بين الدين والسياسة، والرحمة والمخاطر. من خلال علاقته مع أحد أبناء الرعية الضالين تاجر المجوهرات طوني حصبوني، الذي يربط بين الطبقة الاجتماعية العليا والمسؤولين، يصل الأب جبرائيل إلى القصر الجمهوري، حيث يلتقي المسؤولين، لكنه أيضاً يلتقي المسؤول عن مكتب شؤون الأقليات، كاثوليكي ذو ضمير حي، يعتبر نفسه”زنديقاً ” لكنه الأب أرتاح له وهو كذلك الأمر ، وأباح له أسراراً تحدث داخل القصر الجمهوري، محذراً من أن كشفها سيحول كلاهما إلى أعداء مهددين بالموت. كما كشف خطورة الوضع السياسي: النظام وإيران يريدان إبادة أو تشييع الأكثرية السنية، لأنها تمثل قوة قد تهدد حكمهم. هذا البعد السياسي يضفي على الرواية عمقاً استراتيجياً ، ويبين كيف أن الصراع ليس فردياً فقط، بل طائفياً، سياسياً، وأمنياً في الوقت ذاته.
موزع الملفات وحاتم الشغلي: النزاهة وسط الفساد
في قلب هذا النظام، تظهر شخصيات النزاهة والمقاومة. موزع الملفات، المسؤول الرفيع المسلم السني، الذي يرفض الرشاوى والخيانة، ويكرهه باقي المسؤولين لأنه شريف وملتزم بصلاته ، ويوجه الأب جبرائيل للحصول على معلومات عن جورج، يمثل البوصلة الأخلاقية في مجتمع يضج بالفساد. وحاتم الشغلي، زوج سامية، الموظف في وزارة الأشغال العامة والإسكان، أصر على إلغاء مناقصة بسبب تلاعب واضح، ولم يشارك في تطويق الفضيحة رغم تورط المسؤولين المتنفذين، فجُرّ إلى السجن بتهمة أمنية ملفقة، ليكون مثالاً صارخاً على استغلال السلطة لتصفية الملتزمين بالنزاهة.
الحب والمأساة: ريما، رحاب، وأم جورج
الحب في الرواية اختبار وجودي. ريما، التي تعمل على تهريب عائلات المعارضين، ترفض الهجرة مع حسان، فيما سامية وأخيها مرتبطون بالواجب والواقع. أم جورج، برناديت، تتحدث عن قصة حب مستحيل لصديقة لها تجاوز الخوف والدين والتقاليد، حب أصبح عذاباً ورغبة لا يمكن تحقيقها. رحاب تكشف لريما أنها كانت تحب جورج، وأنه عاش معها ليلة واحدة قبل السفر إلى سورية، ما يضيف طبقة عاطفية مشحونة ومأساوية لتقاطع الحب مع السياسة والخطر.
سومر وأحمد: الصداقة والموت
سومر، صديق حسان من الطائفة العلوية وعنصر فعال في تنسيقية كفر سوسة، يمثل تعقيدات الولاء، الثقة، والريبة. رحاب تحاول ترتيب لقاء معه للحصول على معلومات عن جورج، لكنه متخفي ويريد التأكد أنها ليست جاسوسة للمخابرات الفرنسية. كما يكشف سومر مأساة أحمد، صديق جورج، الذي حاول إنقاذه بعد أن قُنص في دوما، لكنه قُنص هو أيضاً . هذه الواقعة تظهر وحشية الحرب والخطر المستمر حتى بين الأصدقاء، وتجعل القارئ يشعر بالضغط النفسي المستمر.
شهادة الموت والدفن الرمزي
مأساة جورج تتعمق بعد أن طلب أحمد منه نطق الشهادة قبل موته، ليصبح شهيداً مسلماً ، كارثة لأم جورج التي ذهبت إلى الأب جبرائيل لتسأل عن إمكانية دفنه في مقابر المسيحيين. الأب أعلن قبول جورج شهيداً في المسيحية ، لكن قبره لم يكن منفصلاً : دُفن في قبر صديقه أحمد العمري، تحت اسم عمر العمري الذي استشهد في سجون النظام ولم تُستعد جثته، في مقبرة النبي ذو الكفل في حارة الشيخ محيي الدين. اندمجت رفات جورج وأحمد، لتصبح رمزية الانتماء والموت والتعايش بين الطوائف واضحة: وافقت أم أحمد على نقل الجثة، لكن أم جورج قررت أن جورج سيبقى هنا ضيفاً عند المسلمين إلى الأبد، مشهد يدمج الحب، الفقدان، والرمزية الدينية والاجتماعية.
المدينة والشخصيات: مرآة للواقع السوري
حداد يجعل الرواية تجربة حسية وفكرية متشابكة: كل حركة في دمشق، كل لقاء في الأزقة القديمة، كل اجتماع في القصر الجمهوري، وكل قرار يتخذه أي شخص يحمل معنى مزدوجاً . المدينة ليست مجرد خلفية، بل شخصية فاعلة، والحساب ليس فقط مع الآخرين، بل مع الذات، ومع التاريخ الذي يعيد إنتاج المآسي والصراعات الإنسانية بصور مختلفة.
يوم الحساب ليست رواية عن دمشق فحسب، بل عن الإنسان، الضمير، الحب، الخوف، والموت، وعن العدالة التي ليست حكماً قضائياً، بل تجربة مؤلمة مستمرة. كل شخصية، من حسان إلى رحاب، من الأب جبرائيل إلى ريما وسامية، ومن سومر، إلى موزع الملفات وحاتم الشغلي، وحتى المسؤول الكاثوليكي عن الأقليات، هي مرآة للإنسان في مواجهة ذاته، المدينة، السلطة، الطوائف المتشابكة، والتاريخ الذي لا يغفر.
أسلوب فواز حداد في يوم الحساب يتسم بالكثافة الفكرية والعمق الإنساني، فهو لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يُحوّل الرواية إلى تجربة تأملية متعددة الطبقات. اللغة مركّزة، متأملة، تحمل طابعاً فلسفياً دون أن تفقد حيويتها ودراميتها. الحدث لا يُقدَّم كمجرد تسلسل للوقائع، بل كمجموعة من الطبقات المعنوية: التاريخ والسياسة والحب والخوف والوفاء تتقاطع لتشكل نسقاً سردياً متشابكاً يفرض على القارئ التفكير والتأمل والتفاعل مع النص.
الرمزية في الرواية حاضرة في كل التفاصيل: دمشق ليست مدينة فقط، بل كائن حي يعكس واقع السلطة والمجتمع؛ قبر جورج وأحمد يجسد تلاقي الانتماءات الدينية والمصائر المشتركة؛ حب رحاب لجورج ولحظات الفقد والوفاء يعكس صراع الإنسان بين القلب والواجب والخطر. كل ذلك يجعل الرواية نصاً متعدد الأصوات، حيث السياسة تتقاطع مع الإنسانية، والذاكرة الشخصية تتشابك مع التاريخ الجماعي.
العبرة الكبرى التي تقدمها الرواية تتمثل في أن الحساب الحقيقي لا يكون فقط أمام المحاكم أو في أوراق التاريخ، بل في ضمائر الأحياء، وفي قدرتهم على مواجهة الواقع بكل قساوته، على فهم القيم الأخلاقية، وعلى الحفاظ على الإنسانية وسط الفساد والقهر. الرواية تؤكد أن الحياة في ظل القهر ليست مجرد صراع للبقاء، بل صراع للحفاظ على الذات، على القيم، وعلى الحب والوفاء، حتى في أصعب الظروف.
في النهاية
(يوم الحساب) ليست مجرد رواية تُقرأ، بل تُعاش: نص يفتح نافذة على دمشق وأزماتها، على الملاحقات والخطر، على الحب والموت، وعلى المعنى الإنساني العميق للعدالة والضمير. هي رواية تجعل القارئ يواجه الأسئلة الكبرى عن الحرية، الأخلاق، الانتماء، والوفاء، وتجعل منه مشاركاً في الحساب الذي يفرضه الواقع على كل شخصية، وعلى كل إنسان يعيش في عالم يشبه دمشق بصرامتها وقسوتها.