الرأي العام

السوريون يريدون سلطة تبني وطنا لا تهدمه

الكثير من المسؤولين وعلى رأسهم وزراء ليسوا على قدر من المسؤولية التي تتطلبها هذه المرحلة الدقيقة، سوريا اليوم يلزمها حكومة تكنوقراط، لدى وزرائها خبرات طويلة في مجالات عملهم، وليس وزراء يجهلون ألف باء العمل الوزاري

أسامة المصري- العربي القديم

 لم تحكم سوريا سلطة وطنية منذ حكومة الانفصال التي أطاح بها انقلاب البعث عام 1963، والسلطات التي تعاقبت على حكم سوريا منذ ذلك التاريخ لم تكن وطنية لا ببينتها ولا بسياساتها، فالسوريون ينتظرون الآن سلطة وطنية تكون واضحة البرامج والرؤى، بسياسات واضحة في قضايا والعدالة الانتقالية وإعادة الاعمار، واضحة في خططها الاقتصادية وأولوياتها، واضحة في اتفاقاتها الخارجية والداخلية، وجميع القضايا الوطنية، وإعلام سوري يرقى إلى حجم المسؤولية، يكون رقيبا على عمل هذه السلطة وليس رديفا لها ومدافع عنها، السوريون يريدون سلطة وطنيا تبني البلاد لا تهدمها مرة أخرى.

ظهور قادة “قسد” إلى جانب وزير الخارجية أسعد الشيباني في ميونخ، وخلال اجتماعاته مع وزير الخارجية الأمريكي ووزير خارجية المملكة العربية السعودية، يثير الكثير من التساؤلات حول الاتفاقات التي وقعت مع “قسد” وبأي صفة يجلس مظلوم عبدي والهام أحمد على يسار ويمين وزير الخارجية في موينخ، وهذا مثالا وغيض من فيض عما يمكن أن يقال حول عمل وعدم شفافية السلطة.

انتظر السوريون أكثر من نصف قرن وهم يحلمون بسقوط الأسدية، لتكون لديهم دولة حديثة وسلطات وطنية تعمل على النهوض بالبلد بعد كل جرى خلال هذه العقود الطوية من تدمير الدولة والمجتمع، التضحيات كانت كبيرة والجميع يعرف الثمن الذي دفعه السوريون لإسقاط الأسدية، ابتداء من تضحيات مدينة حماة، وصولا إلى الثورة التي كانت كلفتها الأكبر في تاريخ الثورات، والأكثر من قدرة أي إنسان سوري على احتمال نتائجها، وخاصة الفئات التي أخذت على عاتقها مواجهة النظام منذ انطلاق الثورة عام 2011.

الثامن من كانون الأول لم يكن إنجازا لقادة معركة ردع العدوان وحدهم، ولم يكن إنجازا للفصائل العسكرية وقادتها، بل للسوريين جميعا، وبشكل خاص الذين ضحوا بكل شيء من أجل تلك اللحظة التي هرب فيها الولد وسقط نظام الإجرام إلى الابد، السوريون لن يسمحوا لا بتفكك سوريا ولا بتقسيمها ولا بلامركزية أو فيدرالية، أو التهاون مع القوى الانفصالية، فمليون شهيد ومئات آلاف المعتقلين الذين قضوا في السجون، ضحوا من أجل سوريا الحرية، وسوريا العدالة والمواطنة، التي لم يعرفها كل السوريين على مدى ستة عقود، السوريون يريدون سوريا بحدودها موحدة ووطنا لجميع السوريين، ومن بعدهم لأولادهم وأحفادهم إلى الأبد.

 يجب أن يدرك من يتصدر لقيادة سوريا في هذه المرحلة الانتقالية أنهم كلفوا أنفسهم متبرعين، وأعطاهم على الأقل معظم الشعب السوري الثقة المشروط لقيادة سوريا من أجل بناء الدولة، والحفاظ الثوابت الوطنية، وأن من واجبهم العمل على التأسيس لوطن ودولة المستقبل، بدستور عصري يضمن حقوق السوريين وواجباتهم ويؤسس لاقتصاد قوي ينهي مرارة الجوع والعوز التي عاشوها طيلة 14 عاما الاخيرة، ونظام تعليمي عصري بجميع مراحله، يعيد بناء الأنسان السوري من خلال منهاج تعليمي وطني، بالإضافة إلى فصل السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وترسيخ مبدأ الحريات العامة والنقابية وغيرها، وكذلك الحريات السياسية والإعلامية والصحفية، وهذا لا يطلبه السوريون منة من السلطة بل حقهم على هذه السلطة أن تؤسسه وترعاه وتصونه.

الرئيس أحمد الشرع الذي اختار نظاما رئاسيا وضع نفسه أمام حمل ثقيل في هذه المرحلة من تاريخ سوريا، فهو سيتحمل المسؤولية كاملة عما يجري في حكومته، وما يحدث على كامل التراب السوري، والذي حتى الآن لا يبشر بالخير، وأن استطاع أن يتجاوز مسائل خطيرة بتوحيد التراب السوري والحفاظ على وحدة سوريا، إلا أن الكثير من المسؤولين في جميع مفاصل الدولة وعلى رأسهم وزراء ليسوا على قدر من المسؤولية التي تتطلبها هذه المرحلة الدقيقة، سوريا اليوم يلزمها حكومة تكنوقراط، لدى وزرائها خبرات طويلة في مجالات عملهم، وليس وزراء يجهلون ألف باء العمل الوزاري، حكومة تتصدى للفساد الذي أسس له النظام البائد على مدى عقود لا أن تبدأ من حيث انتهى النظام، وتبني فوقه فهذا يكون بمثابة  الهدم وليس البناء، سوريا يلزها حكومة تعيد بناء المؤسسات على أسس وطنية وليس زبائنية ومحسوبيات، سواء كانت شخصية، أو غير ذلك.

ضج السوريون خلال هذا العام من عمر تحررهم من مسؤولي الغفلة، وهم في معظمهم تربطهم علاقات ما مع قادة هذه السلطة أو جنود فيها، أو رجال دين من حليقي الشوارب، وكان أحد الأمثلة الفاقعة في داريا المدينة التي دفعت الثمن باهظا في الثورة السورية العظيمة، هؤلاء المسؤولون لن ينهضوا بالبلد الذي يقبع معظم سكانه تحت خط الفقر، وبات واضحا أن الكثير من ممرات الفساد يسلكها المسؤولين سواء كان ذلك مقصودا، أو ناتج عن السذاجة وعدم الخبرة الإدارية، وفي كلا الحالتين يجب دق ناقوس الخطر، لكن بالتأكيد هناك شخصيات فاسدة في منظومة هذه السلطة وتعمل على تدوير رجالات السلطة الأسدية عبر شراكات ومحاصصة، خاصة أن هؤلاء المسؤولين هم ذاتهم تربوا وترعرعوا في مدارس الحقبة الاسدية الفاسدة وغير الوطنية، وربما بعضهم مارسه في بعض مؤسسات الثورة وغيرها، نقرأ ونسمع ونرى يوميا عن مثل هذه الحالات ونشاهد المسؤولين الجدد الى جانب بعض الشخصيات في عملية تدوير النفايات التي أزكمت أنوف السوريين الذين لا يزالون يبحثون في المقابر الجماعية وملفات السجون التي ربما تبعثرت عمدا، السوريون يستحقون أن يدير أمورهم رجال دولة وليس رجال ميليشيات.

في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سوريا والتي وضع فيه الرئيس أحمد الشرع نفسه في صدارة المشهد السوري كرئيس دولة ورئيس حكومة وهذا بالطبع أمرا مفهوما،  وهناك العديد من الدول تعتمد النظام الرئاسي، لكن من المؤسف أن نرى مسؤولون كبار في الدولة ليسوا على قدر من المسؤولية ليس وزراء في الحكومة وحسب، بل المحافظين والمسؤولين في المواقع الادارية، وهم في معظمهم من العسكريين والمقاتلين الذين شاركوا في عملية التحرير، وهنا لابد من الاشارة إلى أن القتال شيءٍ والادارة شيء آخر، والرئيس أحمد الشرع نفسه قال إننا انتقلنا من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، والدولة يلزمها رجال دولة وليس جنودا في مواقع ليس لديهم أية خبرة في إداراتها ولا حتى معناها، أو رجل دين وأصحاب لحى لا يفقهون بالدولة ولا بمؤسساتها، وبشكل خاص القضاء الذي يعتبر من أهم المؤسسات في هذه المرحلة الدقيقة والتي من المفترض أن يكون القضاة خريجوا جامعات مشهود لهم في النزاهة والخبرة والرجولة بالمعنى الدارج.

 اعتاد السوريون خلال العقود الماضية اعتبار المنصب مكسبا وليس مسؤولية وهذا للأسف يتكرر اليوم لدى العديد من المسؤولين الذين يرون فيه منصبا ومدخلا للمحسوبيات والتمكين ـ تمكين الأقرباء والتابعين ـ وهذا ما يحدث الآن من خلال اختيار الموظفين وشغل المواقع الإدارية وربما الدبلوماسية من أقرباء المسؤولين، فاستبعاد الكفاءات، والاعتماد على الولاءات سيدمر الدولة التي يحلم السوريون بها، دولة تنهض بهم وينهضون بها تعيد ولهم وجه بلدهم الحضاري العريق بكل ما للكلمة من معنى، لكن للأسف فإن ما يجري حتى الآن يتجه إلى تحويل سوريا إلى دولة السلاطين يتحكم بكل مفاصلها أقرباؤهم، وستكون دولة فاشلة وفاسدة مرة أخرى.

سوريا التي توزع الكفاءات على دول العالم من جميع الاختصاصات، سلطتها ترفض كفاءاتها، ويجلس معظمهم في بيوتهم بينما نرى فئة جديدة تتصدر المشهد في جميع المجالات، ومفاصل الدولة، إضافة إلى وجود الرقيب والموجه وهو الشيخ الذي يقبع خلف الستارة ويفرض آراؤه التي ليس لها أية علاقة بمواقع المسؤولية،  سوريا تحتاج اليوم مسؤولين ينقلونها نحو المستقبل، لا إلى الماضي.

المرحلة الانتقالية التي حددت بخمس سنوات لم يتبق منها سوى أربعة، خلال هذه السنوات المتبقية يجب أن تؤسس دولة العدالة والحرية والمواطنة والمساواة بسلطات ثلاث مستقلة، وكل ما يحدث حتى الآن لا يقودنا إلى ذلك، وما يحدث ابتداء من العدالة الانتقالية وفوضى السلاح، وأعمال القتل خارج القانون، سيقود سوريا إلى الخراب، وكذلك فيما يتعلق بإعادة الإعمار وعودة النازحين واغلاق المخيمات وعودة المهجرين فهناك لا يزال الملايين خارج سوريا في بلدان الجوار لا خطط واضحة لعودتهم، سوريا بحاجة لعقد مؤتمر دولي لجمع التبرعات من أجل أعادة الإعمار، فسوريا التي يلزمها مئات المليارات من الدولارات لا تبنى بحملات التبرع في المدن التي تبين أن معظمها خلبي ولم يتم جمع ١٠بالمئة مما أعلن عنه، بحسب ما أكد بعض المسؤولين عن جمع التبرعات وبعض المتبرعين.

ثقة السوريون بالمسؤولين بدأت تنهار مع رؤية ما يحدث على أرض الواقع وفي القضايا الحياة اليومية والمعيشية، فقضية الكهرباء وحدها تشير إلى أن هناك حجم فساد لا يمكن تحمله وعلى السوري الذي سحقه نظام الأسد، أن يدفع اليوم من قوته من أجل أن ينير بيته، نتيجة صفقات مشبوهة، أو نتيجة جهل مسؤول وعدم درايته بما يفعل.

 اليوم يتساءل السوريون الذين انتظروا عقود ليعيدوا بناء ما هدمه الأسد، بيوتهم ومدنهم، أموالهم تجارتهم مصانعهم ورشاتهم محلاتهم، وما نهبه أزلامه ومرتزقته ومجرموه من ثروات البلاد، أين عمل الدولة في استعادة أموال البلاد التي نهبها الأسد وعائلته، ما هي مصير الشركات التي كان يملكها رامي مخلوف مثلا، وهو الذي كان يقبض على معظم مقدرات البلاد، قضايا كثيرة لا أريد الدخول في تفاصيلها لكن من الملاحظ أن هناك أياد بمواقع المسؤولية تعبث بمستقبل سوريا، تعبث بأحلام أطفالها ومستقبلهم، وتعمل بأجندات خاصة ضاربة بعرض الحائط بقضايا الوطن ابتداء بتاريخ سوريا وليس انتهاء بتعليم أبنائها، وصولا إلى السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، فاطلاق سراح المجرمين وعدم محاكمتهم لن يسهم في بناء الوطن، وتوزيع المناصب كغنائم لا يبني دولة، ولا يعيد وطن سرقه الأسد.

 طالما أننا نسير في هذا النهج بتنا نخشى أن نتحول إلى شراء المناصب ليس بالمال وحسب بل بالمقايضات تحت ذرائع السلم الأهلي وغير ذلك وبتنا نخشى أن يكافأ الهجري وقادة ميليشياته، اذا حصل اتفاق ما لإعادة السويداء إلى الوطن، كما حصل بمنح مناصب لمجرمي “قسد” الذين أمعنوا في دماء السوريين عربا وكردا، وحتى الآن لم يطلق سراح آلاف المعتقلين الذين خطفتهم “قسد” وأنا شخصيا أعرف عائلة اختطفتها “قسد” منذ ثماني سنوات، خرجت الزوجة مع أحد أبنائها من سجون الرقة، ولا يزال زوجها وابنها الثاني لدى “قسد” ويمكن أن يكون سجينا في سجون هذا الذي أصبح محافظا لمحافظة الحسكة، فهل سئل هذا المحافظ الذي خلع عنه الزي العسكري أمس عما فعلت يداه قبل أن يكون محافظا يتحكم برقاب البشر مرة أخرى من خلال منصب منحته إياه السلطة، فهل من المقبول أخلاقيا وحتى دينيا يا مشايخ السلطة، أن يكافئ من اعتقل وفتك بالسوريين بسبب انتمائهم الاثني أو الديني وخطفوا الأطفال وجندوا المراهقات وحولوهن إلى قناصات أن تمنحه الدولة مناصب في مؤسساتها، إذا كنتم أيها السادة غير قادرين على محاكمة المجرمين فعلى الأقل كما قال محافظ دير الزور السيد غسان السيد أحمد ابعدوهم عن أمكنة جرائمهم على الأقل، أم أنكم تريدون أن ينجز العدالة أصحاب الحق بأنفسهم لأنكم عاجزون أو لأنكم متواطئون، فهل تريدون الاحتراب الطائفي والقبلي والعشائري، وتلجأوا إلى تبويس اللحى التي تفتخرون بطولها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى