المراجعات-1 | قاعدة الحوار واجترار المظلوميات
لا خير فينا حين نستبطن ونصنف إنساناً من خلال جماعته، ولا جماعة من خلال الساقطين فيها وإن كثروا

مصعب الجندي – العربي القديم
هي حال السوريين وطبيعة أرضهم والجوار، أن يكون الفرح والحزن سوياً كأنهما صارا جزءاً من عواطفهم وإن حكموا العقل. فإسقاط دساتير الخوف بدأناها في العام 2011 وإن غيّب فرح 2024 تلك الحقيقة لتعود ماثلة أمامنا بحال أن الأفق المسدود الذي سقط ولن يعود لكنه ينازع هنا وهناك ويسبب مواجع، الأمر الذي يفرض تعلم الدروس لنتمكن كسوريين من إكمال مشروعنا الإنساني.
لنعترف: السوريّ مثيلنا ويجاورنا تراكمت من سنين الأسى صورة جماعته فينا تستلبه وتغيبه، تُسقط عليه طائفته إن خضع لها، وتذيبه فيها، ومن خلالها نعرفه… لا حسناً يلتقطه، ولا القلب إذا ضاع الصديق في مجاهل طائفته وتاريخها…. السوريّ الإنسان الواحد الوحيد المخلوق على الجمال في قصد الكمال الإنساني ولو جاء منقوصاً بالقليل القليل لا يجوز إسقاطه على تاريخ يحيّده، بل ينبغي إقامته في صميمنا العاطف الحاضن الدفوق المحييّ، إلا إذا هو حاد حاداً.
وإن ادّعينا بغير هذا: فما زلنا نتعرّف ونتجاهل طوائف، نتعامل طوائف. الجماعة وإن شذّ البعض منها عندنا لها وجه ماضيها منحوتاً على صخرة الذاكرات، هذا بعضاً مما نكتبه اليوم دماً….! كلٌ منّا يقرأ الآخر، يشوّه الآخر، كل سوريّ يقرأ نفسه ويشوه نفسه، وشجاعة الاعتذار ومصالحة الذات غائبتين. كل جماعة استأثرت ورمت نفسها على المجد وحدها، صارت أو كانت في الزيف والغرور لأنها احتكرت الوطن وجعلته من أجلها أزلياً، هي تحتويه ولا يحتويها. الوطن بقرة حلوب إن أخذت منه المجد، تستهلكه لتُهلك نفسها في الباطل، هي لا تدري أو تدّعي ذاك… حصل هذا ويحصل في أزمنة التردي المستمرة وإن بدأنا خلاصاً غير مكتمل.
أكتب هذا طعناً في هواجس الطوائف باطلاً وجهلاً، وإن صح قليله كنفير لتشويه هويتها. هواجس عند البعض ترفض المسّ بها لئلا يضيع الوجه الذي تكتب عنه كتب تاريخ ليس للحقيقة التاريخية شيئاً في ماضيها، بل لليوم، لإفناء الآخر من الماضي ليقينهم بضرورة جعل الحاضر رهينة الزمان الغابر. والحق أن الحقيقة إن صَحَت وصحّت وثبتت تأخذنا إلى المستقبلات.
حوار إن امتلكنا الشجاعة لفتحه فأظن أن ما ذكرت هو نقطة البداية (وأنا دوماً من الخطّائين) لأن كل لقاء وحوار هو تواضع وزهد بتاريخ غابر، لكن المرارة أن أغلبه قريب ملاصق ليومنا (كتوأم سياميّ) في زمن متسارع بالكاد نمسك به وكل ما علينا أن نفعله هو المواجهة وإن كانت صادمة وأليمة لكنها الشجاعة الوحيدة المطلوبة لمستقبلنا. التاريخ يُغرق (غابرُه وحديثُه) ولو كان صحيحاً فكيف إذا أصبح أسطورة؟ والأسطورة تغري للسقطات الماضية والتقصير الحاضر وتُبعد عن الابتكار والإبداع. التاريخ آلة صنع صراعات (أحياناً عمياء)، لا يتحرر الحرّ من سلاسلها إلا بقراءة أحداثه في مكانها وزمانها وسياقها مع اكتمال صورتها….. إذ ذاك: من يصل إلى بنية المراجعة تلك يكون قد طهر بصيرته، ويستطيع أن يرى عمق الآخرين بخيرهم وشرّهم، حينها الصراع بكل مستويات وتائره، سواء أكان صدماً عنيفاً أو هادئاً لطيفاً (وكلاهما موجود وأحياناً مطلوب)، تقوده البصيرة والقيم الإنسانية، وليس الثارات أو اجترار المظلوميات لتصنع مظلوميات جديدة على حساب سابقاتها… لا خير فينا حين نستبطن ونصنف إنساناً من خلال جماعته، ولا جماعة من خلال الساقطين فيها وإن كثروا، حين مدعيّ النخبوية المنافقين الانتهازيين تتمكن من سوق العامة لتجعل منها قطيع، أو تلك الثغرات وبعضها حفراً في قلوب وعقول السوريين تحتاج الردم والترميم…..