فنون وآداب

نصوص أدبية || نُــــــورْدِك (قصة قصيرة)

بقلم: موسى رحوم عبَّاس *

      الرِّياضة الوحيدة التي وجدتُ فيها شيئا من بداوتي هي رياضة المشي، ألَمْ يقطع أسلافي بادية الشَّام من رُصافة هِشام القريبة من نهر الفُرات إلى سهل العَمْق غربا، وأحيانا إلى تدمر وما حولها وصولا إلى عانَة وراوَة في غرب العراق، يرعون إبلهم وأغنامهم، يتبعون الرَّبيع حيثما حلَّ، وطنهم الأرض كلُّها، لا يكترثون لحدود أو قوانين، خارج قانون القبيلة.

 ولشدَّة ولَعِي بالمشي والمشَّائين اخترعتُ نظرية روجتُ لها بينهم، مبتدئاً بأسرتي، رغم أنَّني كنتُ ألمح الاستنكار والشكَّ الصَّامت في عيونهم، تقوم نظريتي على أنَّ ملامسة أقدامنا للأرض تعمل على تفريغ الطَّاقة السَّلبية مثل الكهرباء السَّاكنة تماما، وجمعت المخاوف والشكوك وقوائم المُخبرين في العمل والحي والمقهى تحت عنوان “الطاقة السَّلبية” وأنَّ السَّاعة التي ” أهربُ ” فيها من البيت متعلِّلًا بالمشي، تخلِّصني من كَرب يوم العمل، ولي فيها “مآربُ أخرى” كما كان يقول لي مشَّاءٌ آخرُ، هو عبد الرحمن العدواني بعد طلاقه الثاني، وطردهِ من العمل لكثرة تأخُّرِهِ الصَّباحي، ورفضه المشاركة في احتفالات يوم النصر، وهذه إهانة لصانعه، تبنَّى نظريتي دون أنْ يطالبني بأيِّ إثباتات علميَّة، بل زاد عليها هذه التي قال عنها” مآربُ أخرى” وتواطأتُ معه أيضا بعدم مطالبته بشرح أو تفصيل مآربه تلك!

عندما أوصلتني رياضة المشي أو أضرارها الجانبية إلى أقصى بلاد الأرض، فالمشي يعني الحركة، والحركة لها أثمانها، والسَّاكن المستقرُّ أقلُّ خطرًا من المتحرِّك، وهذا كله ضمن نظريتي التي صغتها آنفا، وحشرتُ في ثناياها ألفاظا فلسفية، ربما للتبجُّح، أو لغايات تسويقية؛ وهذا بالضَّبط ما كان صيدا ثمينا للمُخبرين في حَيِّنا لاحقًا؛ لذا وجدتُ من الوفاء الاستمرار في الانتماء للمشَّائين، هم كثرٌ هنا وبخاصة إنَّ المدينة التي أسكنُها ينصِّفُها نهرٌ كما يفعل الفرات في مدننا السُّورية الرَّقة، ودير الزُّور… في سيرهِ شرقًا إلى العراق، قالوا لنا إنَّ أهل هذه البلاد لا يميلون لتكوين أية علاقة مع الآخرين، هم صامتون معظم الوقت، إلا مع كلابهم، اكتفيتُ بالمشي والمشَّائين، دون أن يكون لي كلبٌ مثلهم!

أدهشتني تلك العِصيُّ التي يعتمدون عليها أثناء المشي، عَصَوان لكلِّ مَشَّاء، يمسك باليمنى واحدة، وباليسرى واحدة أخرى، ظننتُ في البداية إنَّ هذا الطَّقس لكبار السِّن؛ تمنع انزلاقهم، أو تعثرهم، لكنَّني بدأتُ أرى من هم في سنِّ الأربعين، أو فوقها بقليل يستخدمونها. ذلك الرُّجل الذي يوافق توقيته الوقت الذي أخرج فيه يوميا للمشي حول الشَّاطئ، ابتسمَ لي مرَّةً، ورفع قبعته تحية لي في يوم آخر، اغتنمتُ تلك الابتسامة؛ فحييته، وبدأنا الحديث عن الطَّقس – كعادة الغرباء – وبدايات الرَّبيع واخضرار الأشجار وتفتح الزُّهور، جاراني الرُّجل في الحديث، فعرفتُ منه إنَّه ضابطٌ متقاعدٌ مُبكِّرًا من الخدمة، يحاول الحفاظ على عاداته في الانضباط والحياة الصِّحية، كلُّ تلك الأسئلة لم تكنِ المقصودة، بل هي استدراجٌ لحديث آخرَ، لا بدَّ لي من معرفة ماوراء هذه ” العصا” صمتَ قليلا، ثم اكتسى وجهه هيئة الجدِّ، قائلا:

هذه العصا واستعمالها بهذه الطريقة نسميها “المشية النُّوردية” وأظنُّك تعرف معنى ” نُورْدِك” هززتُ رأسي بالموافقة، نعم هي دول الشّمال، السُّويد والنرويج … اطمأنَّ إلى معرفتي، وتابع حديثه: “نستعملها بهذه الطَّريقة كما ترى”، وهبَّ واقفًا، ممسكًا بعصَويهِ الطَّويلتين، رافعا رأسه للأعلى، وكأنَّه في استعراض عسكريٍّ، تدخلتُ في الحديث مقاطعًا بلطفٍ، ولكنَّكَ لم تقلْ لي لِمَ تستعملهما، طالما أنَّكَ تستطيع المشي بدونهما؟! ضحك صديقي المَشَّاءُ، وقال: نحن لا نستند إليهما، بل هي طريقة لبقاء رؤوسنا مرفوعة، هكذا، ومشى أمامي مشيته العسكرية دون عصيٍّ هذه المرَّة.

 ران الصَّمتُ، وغبتُ عن الوعي بالمكان والزَّمان، لم يبقَ أمامه سوى جسدٍ متخشِّب، أما الرُّوح فهي تحلِّقُ في مكان آخر، رفٌّ من الزَّرازير يتكوَّر على نفسه مغالبا الرِّياح يجوز النَّهر، يرفرفُ بأجنحته فوق رؤوس الحصَّادين وأكداس المواسم في قريتي البعيدة، يحاول تجنب رصاص الصَّيادين وكمائنهم، وطلقات المدافع الكثيرة التي تتقاطع فوق بلادنا، وأعلامها بألوانها الحمراء والزَّرقاء والسَّوداء ترفرف فوق رؤوس المقاتلين، عندما عدتُ من ذهولي، لم أجدِ الرُّجلَ الذي كنتُ أتحدَّثُ إليه، يبدو أنَّه لم يشأ أن يقطع عليَّ لحظة الانخطاف تلك! 

كان جاري الدكتور ياسين رجلا أعطاه الله بسطةً في الطُّول، مثل ذلك الضابط الذي تركني وحيدا، ورجاحةً في العقل، حيثُ كنَّا نسمِّيه ” الحكيم” ونحن في الثَّانوية، ولم نكنْ نعلمُ أنَّه سيصبحُ حكيمًا حقيقيًّا، بعد أنْ خرج من السجن الرَّهيب، الذي قضى فيه سنوات بعد تخرجه في جامعة حلب مباشرة، وقيل وقتها أنَّ ثمَّة من وشى به للأجهزة الكثيرة في بلادنا، ربما أكثر من أفران الخبز! أقف تحت شرفة بيته مناديا، يالله! حكيــــــــــم، بسرعة، اتبعني للمقهى، لا يتأخر، أستمع إلى وقع خطواته على الدَّرج، وهو يتمتم “اتبعِ البوم يدلّك عَ الخراب ” لا مشكلة، سمعتُها منه عشرات المرَّات، أنظر إليه، ذلك الرُّجل الطَّويل يمشي وعيناه تنظران للأرض دائما وأبدا، ربَّما بدا أحدب قليلا، مُسبلًا يديه، وأصابعه مقوَّسة كأنَّه يحاول القبض على شيء، نجلس إلى المائدة، نطلب القهوة والأراكيل، لا يرفع نظره إليَّ، يحدثني همسًا، ويدخِّن بِنَهَمٍ، قلتُ له، يبدو أنَّك تعاني من آلام الظَّهر، واقترحتُ عليه زيارة صديقنا المشترك الدكتور أسعد طبيب العظام، ضحك، وقد تكون المرة الأولى التي أسمعه يقهقه، قال، اسمعْ أيُّها الفيلسوف – هكذا كانوا يسمُّونني سخريةً – ظهري أقوى من ظهر قبيلتك كلِّها، لكن هو الاعتياد، عشر سنوات في المعتقلات، يا صديقي! عليكَ أن تمشي خفيض البصر، تنظر إلى قدميك، وحسب، يجبُ ألا تقعَ عينك على وجه المحقِّق أو السَّجَّان أو الحارس وحتى السَّائق، أو أي إنسٍ، ولا جنٍّ. في البداية كانوا يضعون” الطَّماشة” أو قطعة الجلد التي تغطي العينين، مع الوقت لم يعد لها حاجة، كنَّا نحسُّ بوجودها حتى وهي غير ذلك، نتعامل معها على أنَّها الواقع الذي يعيشه الإنسان في كل مكان، لا نتصور عالمًا دون طمَّاشة، وربما تضحك الآن، إذا قلتُ لك إنَّني مازلتُ أشعرُ بوجودها أحيانا، وأتحسَّس وجهي وأرنبةَ أنفي؛ لأتأكدَ من عدم وجودها!

 صارت مشيتي هذه هي الطَّبيعية لرجلٍ مثلي، إنَّني أعرف حجر الرَّصيف الأبيض والأصفر، وأستطيع أنْ أدلَّكَ على الحجرة المكسورة في أرصفة حارتنا، وحتى الحفر الصَّغيرة التي يتجمع فيها ماء المطر! لكنني لا أعرف ألوان النَّوافذ والشُّرفات، يجب عليك ألا تُدهشَ إذا أخبرتك أنَّني أعرف أبناء الحي وموظفي البلدية والمُخبرين في المستوصف الذي أعملُ فيه بدلالة أحذيتهم لا وجوههم، ويمكن لي أن أقول لك إنَّ أخطرهم ذلك الذي ينتعلُ الحذاء الرِّياضيَّ المُقلَّدَ، ويمكن أنْ أحدِّد “ماركته”  أيضا، انفجرتُ ضاحكا بما يشبه العواء، ذئبٌ جبليٌّ يداري وحدته، وعيناه ترقبان بَدْرًا، العُواء الذي جعلَ المشَّائين الآخرين يتوقفون، ويتجمَّعون حولي على غير عادتهم، أبدى بعضهم رغبته في مساعدتي، وانثالت أسئلتهم ” هل أنتَ بخير؟ “هل يمكن لنا تقديم شيء ما؟” انتبهتُ إلى أنَّني ما أزال على ضفة النهر واقفا في المكان الذي حاورت فيه ذلك الضَّابط المتقاعد، الذي تركني في وقتٍ لا أستطيع تحديده، ومضى ينهب الطَّريق رافعا رأسه في مشيته النُّوردية، ويحرك عَصَويه بإيقاع ثابت، كأنَّهما مجدافان لقاربٍ يشق صفحة النَّهر. عيناه تنظران للبعيد، وعلى شفتيه ابتسامة رضا، كأنَّه يتذكَّر حكايةً دافئة، أغنية عالقة في رأسه. شعرتُ بالحَرَجِ الشَّديد، بل بالخجل من هؤلاء الرِّفقة من المشَّائين، تدحرجتْ كلماتُ الشُّكر بلغاتٍ عدة، لا أعرف كيف اندلقت حارَّةً، مُتلعثمةً،  مُتداخلةً من فمي المُرتجفِ.

 قررتُ العودة هذا اليوم إلى الشُّقة التي أسكنوني بها، مكتفيًا بالمسافة التي قطعت، فكرتُ في أنني المرَّة القادمة لابدَّ لي من عصا نُوردية تبقي جسدي مشدودا، ورأسي مرفوعا؛ عندها سأتعرف على الآخرين من لون عيونهم، أو صوت ضحكاتهم، ولن أحصي أنواع أحذيتهم، بعد، عندها سأمشي مشيتي النُّوردية، حتى لو كانت مشيتي الأخيرة.

______________________________________________

  • (SFF) عضو اتحاد كتاب السويد  

تعليق واحد

  1. أقدر لأسرة التحرير جهودهم الطيبة ، راجيًا للمجلة دوام التقدم والنجاح.
    وتقبلوا التحية.

زر الذهاب إلى الأعلى